السّلاح الفلسطينيّ في لبنان: شيطان التّفاصيل

مدة القراءة 6 د

شاب كثيرٌ من الغموض الخطّة التي ستُعتمد لتسليم السلاح الفلسطيني إلى الدولة اللبنانية. قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس كلاماً واضحاً حاسماً حازماً لا لبس فيه بشأن سيادة الدولة اللبنانية على المخيّمات الفلسطينية في لبنان وسلاحها. أطلق عناوين تحتاج إليها بيروت لاكتساب شرعية فلسطينية رسمية ممثّلة للشعب الفلسطيني، للشروع في ورشة معقّدة لتنفيذ حصريّة السلاح بيد الدولة اللبنانية، وفق الشقّ المتعلّق بالجانب الفلسطيني من ذلك السلاح في خطاب القسم والبيان الوزاري.

 

قال “أبو مازن” قولته ومشى. تحدّث قبل ذلك عن تشكيل لجنة فلسطينية- لبنانية تشرف على ورشة تسليم السلاح، وبشّر بأنّ اجتماعاتها فوريّة. وهذا ما حصل. استغرب مراقبون أن تخلو اللجنة المذكورة من “فلسطينيّي لبنان”. سألت مصادر مراقبة لماذا لم يحضر السفير الفلسطيني في بيروت أشرف دبّور وأمين سرّ حركة فتح وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية فتحي أبو العردات؟ مثّل الجانب الفلسطيني في الاجتماع الأوّل كلّ من ياسر عباس، مستشار الرئيس الفلسطيني، وعزّام الأحمد، أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظّمة التحرير الفلسطينية، وأحمد مجدلاني عضو لجنتها التنفيذية، ووائل لافي مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون القانونية.

قد تكثر الهمهمات داخل أروقة القرار الرئاسي الفلسطيني بشأن حضور هذا وغياب ذاك. لكنّ ما هو مقلق هو التشكُّك في قدرة السلطة الفلسطينية ورئيسها على فرض “إعلان النوايا” على مخيّمات لبنان وعلى كلّ الفصائل، سواء كانت منضوية داخل منظّمة التحرير أم لا. يقول لسان حال تلك الفصائل، وخصوصاً حركتي حماس والجهاد: “على الأقلّ تشاوروا معنا”.

بالمقابل بدا الجانب اللبناني مكتفياً بما صدر عن الرئيس الفلسطيني. وبدا الرئيس الفلسطيني مكتفياً بما سلّف للدولة اللبنانية من موقف يمكّنها من تسويقه لدى المجتمع الدولي. ذهب “أبو مازن” بعيداً في خطابه في ونحو بيروت. قال إنّ “وجود سلاح المخيّمات خارج إطار الدولة هو إضعاف للبنان، ويتسبّب بالضرر للقضيّة الفلسطينية أيضاً، وإنّنا مع لبنان في تنفيذ التزاماته الدولية والحفاظ على أمنه واستقراره وسيادته، على كلّ حدوده وفوق أراضيه”.

لا شيء واضحاً بشأن ما قد تفرج عنه بيروت من حقوق مدنية للفلسطينيين في لبنان

الخوف من المجهول

غادر عبّاس لبنان تاركاً أسئلة كثيرة. بعده غادر الممثّلون عن الجانب الفلسطيني في اللجنة المعنيّة أيضاً تاركين فلسطينيّي لبنان في حيرة وقلق. يخبرني مصدر فلسطيني منكبّ على هذا الملفّ أنّ “سكّان المخيّمات في خوف من فكرة تجريدهم حتّى من سلاحهم الفردي: من يحمينا؟”. ويسهل في هذه المناسبة على المعاندين لفكرة نزع السلاح الفلسطيني من الفلسطينيين، وللمفارقة من اللبنانيين أيضاً، التذكير بمجزرة صبرا وشاتيلا في 16 أيلول 1982، من زاوية أنّ سلاحاً فرديّاً كان بإمكانه منع الجريمة. يسخر مصدر فلسطيني من تلك الحجج ويجزم أنّ الجريمة وقعت بمبرّرات السلاح نفسه.

يدفع الجانب اللبناني بالأمور وفق إيقاع يريده سريعاً. يتمّ الترويج لمعلومات عن بدء تسليم أسلحة مخيّمات بيروت (برج البراجنة، شاتيلا ومار الياس) في مرحلة أولى في حزيران، ومخيّمات البقاع والشمال (الجليل والبدّاوي) في تمّوز، على أن تُستكمل المرحلة الثالثة في المخيّمات الأخرى في الجنوب.

تسأل المعنيّين الفلسطينيّين عن الأمر فيتشكّكون ويستغربون. تخرج منابر ليست بعيدة عن “الحزب”. أحدهم يطلق حفلة شتم ضدّ الرئيس الفلسطيني “الذي لا يمون”، وكثيرون يجتهدون في تفكيك كلّ المسار الجاري. يستغربون أن تباشر بيروت فتح ملفّ مخيّمات العاصمة والبقاع والشمال و”الهروب” من استحقاقات مخيّمات الجنوب المفترض أنّها مشمولة بالقرار 1701.

يشكّون في أن يُنزع سلاح “الحزب” في ذلك الجنوب ولا يمسّ سلاح المخيّمات. تخال في ذلك النقاش تلطّي خلف عناوين ومعادلات تهدف بالنهاية إلى عرقلة هذا المسار أو تأخيره، لعلّ في التحوّلات الدولية أو أيّ اتّفاق عتيد بين طهران وواشنطن ما بإمكانه إبعاد الكأس المرّ عن “سلاح المقاومة”.

يخبرني مصدر فلسطيني منكبّ على هذا الملفّ أنّ سكّان المخيّمات في خوف من فكرة تجريدهم حتّى من سلاحهم الفردي

بيانات التّواقيع الملتبسة

معاندة إعلان الرئيس الفلسطيني ليست احتمالاً. خرجت مواقف وبيانات واضحة التوقيع تعلن أنّها غير معنيّة، على الأقلّ حتّى الآن. الأخطر هي البيانات ذات التوقيع الملتبس التي توحي بأنّ أجندات داخلية وخارجية تلوّح بالصدام الكبير. وبعيداً عن حسابات سياسية قد تتدخّل العواصم الراعية لتهذيبها وتخفيف شططها، فإنّ تلك المعاندة ستجد لها جمهوراً واسعاً داخل المخيّمات ولدى فلسطينيّي لبنان عامّة الذين يتساءلون عن مستقبل وجودهم المدني والإنساني في لبنان.

لا شيء واضحاً بشأن ما قد تفرج عنه بيروت من حقوق مدنية للفلسطينيين في لبنان. كثيرهم ولد في لبنان ولا يعرف إلّا لبنان بلداً. خضعوا لحصار فرضته حكومات البلد عليهم “غيرة” على قضيّتهم. حرمتهم من العمل في مهن كثيرة ومن التملّك ومن رسم مستقبل لعيشهم.

المخيّمات

يحقّ للفلسطيني أن يكون فرنسياً أو بريطانياً أو أميركياً من دون الخوف على قضيّته. في لبنان الأمر مختلف.

لا يحقّ لمن ولد في بلدنا وترعرع في ربوعه وساهم في نمائه وتطوّره وحتّى حكايته أن يصبح لبنانياً. فهو إمّا زائد دينياً أو زائد مذهبياً، وما زال مقلقاً حتّى حين تدهور حجم الكتلة الديمغرافية للفلسطينيين وأصبحت هامشاً لن يغيّر شيئاً في موازين قوى الطوائف واستقرار بقائها.

ذهب “أبو مازن” بعيداً في خطابه في ونحو بيروت. قال إنّ “وجود سلاح المخيّمات خارج إطار الدولة هو إضعاف للبنان

ماذا عن الحقوق؟

يحتاج الأمر إلى شجاعة وجرأة ربّما قد تصدران عمّن كانوا أعداء للفلسطيني في لبنان. في الهمس أنّ لبنان بطوائفه قد يذهب بعيداً في تقديم “الحقوق”. في البلد إجماع نادر لم يعد يرى في الفلسطينيين خطراً. وإذا ما بات التطبيع موضوعاً قابلاً للجدل يدقّ باب دمشق قبل بيروت، فإنّ “المحرّمات” بشأن فلسطينيّي لبنان وجب أن ترقى إلى مستوى الجدل في لبنان في عهد الرئيس جوزف عون وحكومة نوّاف سلام.

إقرأ أيضاً: 3 مراحل لضبط السلاح الفلسطيني بدعم مصري تركي قطري؟

فيما تطمح بيروت إلى تحقيق “إنجاز” فلسطيني تقدّمه للمجتمع الدولي، تحذّر مصادر عاقلة فلسطينية ولبنانية من التعجّل غير المدروس الذي لا يأخذ الانقسام الفلسطيني المتمدّد من ذلك بين غزّة ورام الله بعين الاعتبار، وتنصح بالمرور بمراحل متأنّية يتعوّد فيها الفلسطينيون واللبنانيون زمناً آخر من الوجود المشترك من دون سلاح.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…