ترامب وبابا روما: أميركا ليست أوّلاً

مدة القراءة 6 د

انتخاب بابا أميركيّ قد لا يكون خبراً سعيداً للرئيس الأميركي دونالد ترامب. كتب في رسالة على منصّته الاجتماعية تروث سوشيل: “تهانينا للكاردينال روبرت فرنسيس بريفوست، الذي أُعلن بابا للتوّ. إنّه لشرف كبير أن نُدرك أنّه أوّل بابا أميركي. يا للحماسة ويا له من شرف عظيم لبلدنا”. صحيح أنّ سيّد البيت الأبيض تحدّث بفخر وكأنّه نصر من انتصاراته عن انتخاب بابا من الولايات المتّحدة للمرّة الأولى في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، غير أنّ ظهور أميركيّ على رأس البابوية قد يمتصّ شيئاً من وهج ترامب على رأس الولايات المتّحدة. فإذا كان ترامب فخوراً بالترامبيّة وما تعنيه في العالم لدى جماعات اليمين المتطرّف والتيّارات الشعبوية، فإنّ “البابا الأميركي” هو نقيض الرئيس الأميركي في العقيدة والمبادئ والأخلاق السياسية.

 

بعد وفاة البابا فرنسيس، نشر ترامب صورة قال إنّه لا يعرف مصدرها تُظهره مرتدياً زيّ البابا. كان في ذلك ينتهز المناسبة ليسجّل من خلالها “تريند” يستدرج كثيراً من الحبر وتهتاج له منابر الإعلام الاجتماعي في العالم. سبق أن قال مازحاً، في ردّ على سؤال في شأن من يفضّله لمنصب البابا: “أرى أن أكون أنا البابا”، ثمّ أردف أن لا تفضيل لديه على الرغم من أنّه أوحى بإمكان تصدير بابا Made in America، ملمّحاً إلى كاردينال كاثوليكي من نيويورك. لم يكن في بال المتخصّصين في شؤون الفاتيكان وكواليس كنيسته أن يحمل دخان أبيض كاردينالاً من شيكاغو إلى قيادة كاثوليك العالم خلفاً للبابا الراحل.

انتخب الكرادلة المجتمعون في الـ “كونكلاف” في كنيسة سيستين بحاضرة الفاتيكان، الخميس، الكاردينال الأميركي روبرت فرنسيس بريفوست، الذي اتّخذ اسم البابا “ليو الرابع عشر”، وهو الخليفة الـ 267 للقدّيس بطرس الرسول. لم يختر الكرادلة شخصيّة من خارج وسط فرنسيس الراحل. كان روبرت قريباً من البابا الراحل ومساعداً له يلتقي مع أفكاره في الاعتدال والتسامح والإصلاح.

بعد وفاة البابا فرنسيس، نشر ترامب صورة قال إنّه لا يعرف مصدرها تُظهره مرتدياً زيّ البابا. كان في ذلك ينتهز المناسبة ليسجّل من خلالها “تريند” يستدرج كثيراً من الحبر

استمرارٌ لنهج فرنسيس

حين أطلّ البابا ابن شيكاغو على العالم من الشرفة المطلّة على ساحة القدّيس بطرس، تحدّث عن السلام والحوار بين الشعوب. لم يتحدّث الرجل بالإنكليزية. ألقى خطابه باللغة الإيطالية، ثمّ وجّه تحيّة بالإسبانية إلى أبرشيّته السابقة في بيرو التي حاز جنسيّتها. هو المولود أميركيّاً والعابر للجنسيّات والحدود، يحمل من جديد لواء البابا الراحل الآتي من الأرجنتين. بدا أنّه في التحيّة التي وجّهها لفرنسيس “الذي ما زال يبارك روما”، حسب قوله، يدرك أيضاً أنّ تصدّعاً تسلّل إلى جدران الكنيسة في عهد الراحل، وأنّ أمامه ورشة معقّدة للترميم وإعادة الوحدة إلى الجسم الكنسيّ المنقسم.

كان التيّار المحافظ داخل الكنيسة الكاثوليكية يمنّي النفس بطيّ صفحة البابا فرنسيس وإرثه “الثوريّ” التقدّمي والعودة بالكنيسة إلى الأصول التقليدية حتّى في نسخها المتقادمة. لم يكن ذلك التيّار مرتاحاً للورشة الإصلاحية التي انخرط بها البابا الراحل، والتي اقتحمت قضايا وتساهلت مع مفاهيم وتسامحت مع محرّمات. دعا إلى انخراط الكنيسة في أفقر المجتمعات، وفتح نقاشاتٍ في مواضيع كانت تُعتبر في السابق محظورة، مثل دور المرأة، ورحّب بالكاثوليك من مجتمع الميم باعتبارهم “أبناء الربّ”، وفتح الباب أمام المطلّقين المتزوّجين مجدّداً لتناول القربان المقدّس، ولفت بانتقاداته اللاذعة للظلم الاقتصادي ودعواته إلى حماية البيئة وانتقاد القوانين الجائرة ضدّ الهجرة والمهاجرين والالتحاق بمثُل ليبرالية وصولاً إلى إدانة حرب غزّة واستنكار المجزرة التي تنفّذ ضدّ الغزّيّين.

مع “البابا الأميركي” بدا أنّ تلك الصفحة بقيت مفتوحة على الرغم من رحيل فرنسيس، وأنّه يمثّل استمراراً لعهده وليس إقفالاً لسيرته. ولئن خاض الراحل معارك دفاعاً عن قيَم وتقاليد لطالما كانت بعيدة عن منظومة القيَم التي يدافع عنها ترامب، فإنّ البابا الأميركي الجديد يحمل في جعبته مسيرة وتراكماً ومواقف تشي بتمدّد عهد مضادّ للترامبيّة على رأس الكنيسة. يخاطب 1.7 مليار كاثوليكي في العالم في الدعوة إلى اتّباع وصايا كنسيّة لا تلاقي ما نادى به ترامب وجعله سرّ نجاحه في العبور إلى البيت الأبيض مرّتين.

حين أطلّ البابا ابن شيكاغو على العالم من الشرفة المطلّة على ساحة القدّيس بطرس، تحدّث عن السلام والحوار بين الشعوب. لم يتحدّث الرجل بالإنكليزية. ألقى خطابه باللغة الإيطالية

عند البابا الأميركي “أميركا ليست أوّلاً”. يعرف الرجل العالم ربّما أكثر ممّا يعرف أميركا.  قضى معظم حياته المهنية مبشّراً في أميركا الجنوبية. عمل لمدّة عشر سنين في تروخيو في البيرو، وتمّ تعيينه لاحقاً أسقفاً في شيكلايو، مدينة بيروفيّة أخرى، حيث خدم من عام 2014 إلى عام 2023. غير أنّ تولّيه لاحقاً مكتب الفاتيكان القويّ لتعيينات الأساقفة يؤهّله ليكون عارفاً بدهاليز “الدولة العميقة” للكنيسة ومطّلعاً على أحوالها العابرة للقارّات. وإذا ما كانت من مهمّات البابا الجديد توحيد الكنيسة، فإنّه يعي عن كثب حساسيّاتها وتعدّد فلسفاتها في ملاقاة عالم هذا اليوم وتوتّر قيمه.

لا شيء يجمع الرّجلين

يقول أصحاب الاختصاص إنّ الكرادلة لطالما استبعدوا دوماً المرشّحين الأميركيين عن قيادة كنيستهم. ربّما أرادوا إبعاد الفاتيكان، الدولة ذات السيادة، عن نفوذ الولايات المتّحدة الثقيل داخل بقيّة دول العالم. غير أنّ اختيار ذلك الأميركي في عهد الـ MAGA العزيزة على قلب ترامب، أثار أسئلة في شأن ما حصل داخل جدران المجمع السرّي وأدّى إلى حسم الجدل بهذه السرعة لمصلحة إنتاج قيادة في الفاتيكان تأتي من الولايات المتّحدة في مرحلة تتحكّم بها إحدى أكثر الشخصيّات إثارة للجدل في بلادها والعالم.

إقرأ أيضاً: أميركا ترتقي روحياً بينما تنكفئ سياسياً

سلّطت الصحافة الأميركية مجهراً على حساب على منصّة X باسم بريفوست كان أعاد نشر مقالات تنتقد سياسات ترامب ومواقف نائبه جيه دي فانس في مجال الهجرة، وهي آراء كانت تتوافق مع رؤى البابا الراحل فرنسيس. وبغضّ النظر عمّا لمّحت إليه إعادة نشر تلك الآراء من مواقف يتبنّاها البابا الجديد، فإنّ من الواضح أنّ هوّة ستفصل بين الأميركي الحاكم في واشنطن والأميركي الحاكم في الفاتيكان.

سيكون مثيراً للانتباه عقد قمّة بين الزعيمين الأميركيَّين وفق ما بشّر به ترامب. لن يوفّر الرئيس الأميركي تلك المناسبة ليطلّ منها معزّزاً شيئاً ما من الأسطورة التي يسعى إلى حفرها في تاريخ الولايات المتّحدة والعالم أجمع. لكنّ التحدّي الأبرز سيكون للبابا ليو في السعي إلى تأكيد النأي بالنفس عن أميركا ونفوذها، وعن زعيم الولايات المتّحدة وما يصبو إليه في شعار “لنجعل أميركا عظيمة من جديد”. لا شيء يجمع الرجلين، ولا شيء يجمع الزعامتين. أمام ليو رسالة انفتاح على الشعوب والمجتمعات والأعراق والأديان، فيما أمام دونالد طموح إلى الوفاء بوعود برفع الجدران أمام الآخر وطرد الغرباء من البيت ونفخ كلّ الأيديولوجيات العنصرية القومية الشوفينية المتطرّفة في العالم.

مواضيع ذات صلة

إيران… قبل خامنئي وبعده

كان مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي حدثاً يفوق الهزّة التي أحدثها مقتل حسن نصرالله. من هو خامنئي؟ لماذا أقدموا على قتله وتتبّع كلّ القيادة الإيرانيّة…

عقيدة نتنياهو– ترامب لحسم الصّراع: الرّأس أوّلاً

في لحظة إقليميّة بالغة الحساسيّة، يتقدّم إلى الواجهة سؤال لم يعد نظريّاً: ماذا يعني أن تتحوّل فكرة استهداف القيادة العليا في إيران إلى خيار مطروح…

دولة الملالي: التّخصيب في الحقد على العرب

من المؤكّد أنّ نظام الملالي في طهران بذل جهده الأكبر في تخصيب الحقد والكراهية تجاه العرب بكلّ كياناتهم السياسيّة والجغرافيّة، وحواضرهم الضاربة في عمق التاريخ…

لبنان ضحيّة الصّراع على وراثة خامنئي؟

في لبنان كما في إيران مَن يستبق المحاولة الأميركيّة – الإسرائيليّة لتغيير النظام في طهران، سواء جاء من داخله أو من خارجه. تأتي في هذا…