يمثّل وجود دونالد ترامب في المشهد العالمي لحظة فارقة في العلاقات الدولية. فقد أعادت رئاسته الأولى تعريف السياسة الخارجية الأميركية بمنظور “الصفقة” يقدّم المصالح الفوريّة على التحالفات التاريخية، والتعاون المتعدّد الأطراف، والقيم الليبرالية. ومع عودته إلى البيت الأبيض، يبدو أنّ مزيج ترامب من القومية، والحماية الاقتصادية، وعدم القدرة على التنبّؤ، سيدفع إلى إعادة تشكيل علاقات أميركا مع حلفائها الغربيين والدول النامية، في ظلّ نظام عالمي بات أكثر تفتّتاً.
أثارت تصريحات ترامب السابقة بأنّ الناتو “عفّى عليه الزمن”، ومطالبته بزيادة الإنفاق الدفاعي، وتساؤلاته عن التزامات الدفاع المشترك، قلقاً واسعاً في العواصم الأوروبية. ومع دخوله البيت الأبيض، تتجدّد هذه المخاوف. من المرجّح أن تسرّع دول مثل ألمانيا وفرنسا مساعيها لبناء “استقلال استراتيجي” يقلّل من اعتمادها على المظلّة الأميركية. ويلوّح ترامب بإمكان عدم حضوره قمّة الناتو المقبلة في حال عدم إعلان دول الحلف رفع إنفاقها العسكري.
شراكة مشروطة
قد تستثمر أوروبا أكثر في الدفاع المشترك، وتتعاون في إنتاج الأسلحة وتطوير القدرات السيبرانية والفضائية المستقلّة. وستصبح الشراكة مع واشنطن مشروطة أكثر، خصوصاً في ملفّات مثل المناخ، التجارة والتنظيم الرقميّ.
من العوامل التي تزيد التوتّر بين واشنطن وحلفائها قرار ترامب إعادة فرض تعريفات جمركية على منتجات أوروبية وكندية، بدعوى حماية الصناعات الأميركية. لا يقتصر هذا التوجّه الحمائيّ على الاقتصاد، بل يضرب في عمق الثقة السياسية بين الحلفاء. إذ ترى العواصم الغربية في هذه السياسات علامةً على أنّ إدارة ترامب لا تعترف بمبدأ الشراكة المتبادلة، بل تتعامل بمنطق الربح الصافي، حتّى لو على حساب أصدقاء تاريخيين.
في ظلّ غياب قيادة أميركية مستقرّة، قد تتّجه دول العالم نحو تشكيل تحالفات صغيرة لمعالجة ملفّات مثل المناخ، الصحّة والأمن الرقمي
أدّى هذا السلوك في ولايته الأولى إلى أزمات تجارية مع الاتّحاد الأوروبي وكندا، وأعاد طرح تساؤلات جوهرية عن مدى التزام الولايات المتّحدة النظام التجاري العالمي القائم على القواعد. وإذا استأنف ترامب هذا النهج، فقد تتّخذ الدول الحليفة خطوات مضادّة، كفرض رسوم ردعيّة أو تعزيز التبادل التجاري البينيّ بعيداً عن واشنطن.
لن ينهار حلف الناتو على الأرجح، لكنّه سيتغيّر جذريّاً. دول أوروبا الشرقية، مثل بولندا ودول البلطيق، قد تسعى إلى التقرّب من ترامب عبر زيادة الإنفاق العسكري وتبنّي خطابه. في المقابل، قد تعمد دول مثل فرنسا وألمانيا إلى منطق الاحتراز والترقّب بالمشاركة في الناتو مع تعزيز قدراتها المستقلّة، تحسّباً لتقلّبات واشنطن.
سوق خدمات أمنيّة
نهج ترامب القائم على “من يدفع يحصل على الحماية” قد يُحوّل الحلف إلى سوق خدمات أمنيّة، مفرّغاً إيّاه من روحه الجماعية التي ساهمت بشكل كبير في تعزيز مناعته أثناء الأزمات.
في آسيا، تتأرجح دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا بين الحاجة إلى مظلّة أمنيّة أميركية، والخوف من تقلّبات ترامب. تعتمد هذه الدول على واشنطن لردع الصين وكوريا الشمالية، لكنّ تهديدات ترامب السابقة بسحب القوّات والمطالبة بمساهمات ماليّة أكبر أعادت طرح تساؤلات جدّية.
على الرغم من القلق، قد يرحّب البعض بموقف ترامب المتشدّد تجاه الصين، وهو ما يتيح تعاوناً تكتيكيّاً مؤقّتاً لكن مصحوباً بتعزيز القدرات الدفاعية الوطنية والتعاون الإقليمي خارج الإطار الأميركي.
بالنسبة لكندا والمملكة المتّحدة، ليس التعامل مع ترامب جديداً، لكنّه محفوف بالتحدّيات. ستتبع كندا على الأرجح نهجاً دفاعيّاً يركّز على حماية المصالح الاقتصادية، مع الانخراط الأعمق في التعدّدية. أمّا بريطانيا فستحاول الحفاظ على “العلاقة الخاصّة” مع أميركا بعد “بريكست”، لكنّ خلافات محتملة على المناخ، الصين والمساعدات قد تؤثّر سلباً على التنسيق. وأيّ قرارات تجارية من جانب واحد كتلك المتعلّقة بالرسوم الجمركية ستُقابل بتحفّظ بالغ، إذ تعيد للأذهان توتّرات مرحلة ترامب الأولى.
يمثّل وجود دونالد ترامب في المشهد العالمي لحظة فارقة في العلاقات الدولية
في العالم النامي، قد يبدو نهج ترامب التجاري وغير المتحمّس للترويج للقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان فرصة لبعض الدول الباحثة عن شراكات تجارية مباشرة بدلاً من المساعدات المشروطة، فالصفقات الثنائية في مجالات الطاقة، الدفاع والبنية التحتيّة قد تجذب بعض الأنظمة، خاصة في إفريقيا وأميركا اللاتينية.
لكنّ غياب الالتزام الأميركي بالديمقراطية قد يضعف القوى الإصلاحية، ويمنح الأنظمة الاستبدادية جرعة إضافية من الشرعية. إضافة إلى ما سبق، يهدّد انسحاب واشنطن من مؤسّسات مثل الأمم المتّحدة ومنظّمة الصحّة العالمية بتقليص الدعم الطويل الأمد لخطط التنمية في الجنوب العالمي.
القيم التي لطالما جمعت الديمقراطيات الغربية، كالحرّية وحكم القانون وحقوق الإنسان، قد تتراجع من أجل تحالفات مصلحيّة آنيّة، فيضعُف التأثير الجماعي في مواجهة التحدّيات الدولية.
نشوء تحالفات صغيرة
في ظلّ غياب قيادة أميركية مستقرّة، قد تتّجه دول العالم نحو تشكيل تحالفات صغيرة لمعالجة ملفّات مثل المناخ، الصحّة والأمن الرقمي. لكنّ هذا التعدّد قد يؤدّي إلى ازدواجية في المعايير وغياب التنسيق العالمي.
قد تستغلّ بكين وموسكو تراجع الثقة بالحليف الأميركي لتعزيز نفوذهما، سواء في إفريقيا وآسيا أو في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط. قد يشجّع ضعف الثقة بالتزامات أميركا الأمنيّة خصوماً على المغامرة، أو يدفع حلفاء إلى تسليح أنفسهم بشكل مستقلّ، وهو ما قد يزعزع الاستقرار الإقليمي.
على الرغم من امتلاك أميركا لأدوات النفوذ الاقتصادي والعسكري، فإنّ الخطاب الشعبوي والإعراض عن القيم الديمقراطية قد يُضعفان جاذبيّتها الثقافية والمعنوية، خاصة في الدول الصاعدة.
إقرأ أيضاً: ترامب بعد المئة يوم: إدارة جريئة أم مقامرة خطيرة؟
لا تغيّر سياسات ترامب الخارجية لهجة الدبلوماسية الأميركية فقط، بل تعيد تعريف أهدافها. بدلاً من بناء تحالفات مستندة إلى القيم، نرى شراكات مبنيّة على الصفقات والمصالح. هذا يفرض على حلفاء أميركا إعادة النظر في مواقعهم، ويدفع الدول النامية إلى موازنة علاقاتها بين واشنطن وقوى أخرى.
لمتابعة الكاتب على X:

