طارق متري: غزّة تروي قصّة إبادتها بوضوح

مدة القراءة 4 د

خصّصت مجلّة “الدراسات الفلسطينية” عددها الأخير الـ142 الصادر في ربيع 2025 لسبر أغوار مستجدّات الحرب  على قطاع غزة، فلسطينيّاً وإسرائيليّاً وإقليميّاً ودوليّاً، عبر نشر سلسلة من الأبحاث والمقالات والدراسات ضمن جولة أفق في الحالة الفلسطينية التي باتت على مفترق طريق. وتناول العدد شتّى جوانب العدوان الإسرائيلي وتداعياته الخطيرة على قضيّة العرب المركزية في المستقبلَين القريب والبعيد، وما يحاك لمدينة القدس في ظلّ حرب الإبادة، وكذلك التغيّرات الجوهرية في منظومة السيطرة الإسرائيلية، لا سيما في الضفّة الغربية، وأحوال الاقتصاد الفلسطيني.

اختار موقع “أساس ميديا” من بين مواضيع المجلّة إعادة نشر الكلمة الافتتاحية التي ألقاها رئيس مجلس أمناء مؤسّسة الدراسات الفلسطينية طارق متري في منتدى “فلسطين” الذي انعقد في الدوحة في 25 كانون الثاني 2025، ومحاضرة عامّة قدّمها المدير العامّ للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عزمي بشارة في المنتدى نفسه.

في ما يأتي نصّ كلمة الدكتور طارق متري التي ألقاها قبل خرق اتّفاق وقف النار الأخير وتجدّد الحرب، على أن ننشر غداً محاضرة الدكتور عزمي بشارة:

 

نلتقي بعد اتّفاق وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى والمحتجزين في غزة، وهو الاتّفاق الذي ثابرتْ على السعي إليه، من دون كلل، دولة قطر الشقيقة. غير أنّنا في الوقت ذاته ندرك أنّ المخاوف لمّا تتبدّد في غزّة ولا في الضفّة، وأنّ العدوانية الإسرائيلية لم تنحسر، أيّاً يكن من أمر بعض الارتياح ومظاهره عند أهل غزّة وبين عائلات الأسرى المفرَج عنهم.

سمحت الولايات المتّحدة بالتطهير العرقي في غزة، وها هي تغضّ الطرف عنه في الضفة، وربّما نكون أمام مواصلة حرب الإبادة بوسائل أُخرى، وفي أماكن أُخرى

نرى أنّ من حقّنا الخشية من أن يكون ما انتزعه الرئيس الأميركي من الحكومة الإسرائيلية بيد، سيُعطى لها ويُزاد باليد الأُخرى. فإذا كان الضغط الأميركي ساهم في موافقة إسرائيل على مقترحات عمرها 9 أشهر، أو أكثر، فلا نرى أيّ ضغط يمارَس لوقف ما تقوم به قوات الاحتلال في الضفّة الغربية. بل بخلاف ذلك، يظهر ميل صريح إلى إطلاق يدها في الاستيطان، وإخضاع أهل الضفّة بالحديد والنار.

لقد سمحت الولايات المتّحدة بالتطهير العرقي في غزة، وها هي تغضّ الطرف عنه في الضفة، وربّما نكون أمام مواصلة حرب الإبادة بوسائل أُخرى، وفي أماكن أُخرى.

أمام هذا كلّه، لم تقُم الدول الغربية وسواها بجهود جادّة ومؤثّرة لوقف ما سمّته “محكمة العدل الدولية” مخاطر الإبادة. لكن مهما يكن لم يعد مستطاعاً، مثلما كانت الحال في السابق، حجب الشعب الفلسطيني عن حقل رؤية العالم، ولم يعد ممكناً أن يُنظر إلى قضيّته على أنّها نزاع محلّي يروق للحكّام أن يتجاهلوه، أو يشيروا إليه في ترداد لازمة عقيمة عن حلّ الدولتين لا تغيِّر في الواقع شيئاً.

الغزّيّون وأهل الضّفّة ليسوا أرقاماً

لم يعد الغزّيّون وأهل الضفّة أرقاماً كبيرة تدعو إلى استهجان البعض، ويحيط بها تشكُّك البعض الآخر، بينما الإسرائيليون أشخاص لهم أسماء وصور وقصص وشهادات وخبرة معاناة. بل إنّ غزّة باتت تروي قصّة إبادتها بوضوح لا نظير له، مثلما جاء في عنوان اخترناه في مؤسّسة الدراسات الفلسطينية لكتاب صدر قبل أشهر يحتوي على قصص كُتبت خلال الحرب، وهي قصص لا نريدها أن تبقى حبيسة الجدران المهدّمة وخيم النزوح، لأنّها شهادات عن الألم وتحمّله، وعن الثبات والصمود، وعن الصبر على المحن والشجاعة الفائقة. وفي ما يتعدّى هذه الشهادات الشخصيّة، عملت المؤسّسة وتواصل العمل على توثيق مجريات حرب الإبادة من جميع جوانبها، في ميادين التعليم والصحّة والثقافة والزراعة، وتوفّر لهذا التوثيق مختلف طرائق الاتّصال والمخاطبة، على أن تستجيب لضرورات إظهار الحقيقة، وتعلن تأكيدها لحقّ لا يموت. وهذا العمل التوثيقي بات في متناول المهتمّين والمتابعين، كي يزوّدهم بقدرة أفضل على خوض مواجهة كبيرة دُعينا إليها جميعاً، وهي مواجهة أخلاقية ومعرفية وقانونية وسياسية ليست في العالم الغربي حيث صار لفلسطين حضور غير مسبوق فحسب، بل في الوطن العربي أيضاً، حيث الناس في الأعمّ الأغلب معنيّون بدرجة كبيرة بالتضامن مع شعب فلسطين، وواعون لترابط المصائر بين شعوبهم وشعب فلسطين. ولا يخفى على أحد أنّ التمييز بين الشعوب في بعض الحالات وحكّامهم صار أكثر جلاء من الماضي، ولا سيما من حيث توجّس القوى الحيّة في المجتمعات العربية من الصفقات الإبراهيمية المزعومة.

 إقرأ أيضاً: الإصلاح التّجميليّ الفلسطينيّ.. وحزب الجمود الوطنيّ

تحويل الرّصيد المعنويّ إلى فعل سياسيّ

قد تكون المهمّة الأصعب والأخطر هي العمل على تحويل الرصيد المعنوي لفلسطين في الوطن العربي والعالم إلى فعل سياسي. عسى أن يساهم منتدانا، وإن بصورة غير مباشرة، في تحقيق ذلك.

مواضيع ذات صلة

طرابس الشّام وطرابلس لبنان

كنتُ أَهِمُّ بالكتابة عن طرابلس بعد المصيبة التي نزلت بفقرائها عندما قرأتُ تهنئةً للزميل الكبير الدكتور عمر تدمري بمولده. ارتبطت طرابلس المدينة والتاريخ والعلم الدينيّ…

إصرار “الثّنائيّ” على الانتخابات استباقٌ لمعادلات المنطقة

يختصر الخلاف اللبنانيّ على الانتخابات النيابيّة الصراع على موقع الطائفة الشيعيّة في التركيبة الداخليّة في مرحلة ما بعد حروب المنطقة. اكتسبت قيادتها الممثّلة بثنائيّ “الحزب”…

مؤتمر دعم الجيش: إعادة سلاح “الحزب” إلى سوريا..

تستعدّ باريس لتنظيم مؤتمر دعم الجيش اللبنانيّ المعوّل عليه لمساعدة المؤسّسة العسكريّة في تنفيذ مهمّة حصر السلاح، حيث تدور في أجواء المؤتمر أربعة شروط يفترض…

واشنطن – طهران: هل تمنع المصالح المشترَكة الحرب؟

بالتزامن مع تحديد موعد ومكان الجولة الثانية من المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة، المقرّرة اليوم الثلاثاء  في مدينة جنيف السويسريّة، بدأت تتّضح صورة الملفّات المطروحة على…