لبنان على مفترق خطير: هل تعود الحرب؟

الفرصة التي لاحت أمام لبنان منذ انتخاب العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية للانتقال من الساحة إلى الدولة، تواجه تحدّيات محلّية وإقليمية كبيرة. استمرار إسرائيل بخرق اتّفاق وقف الأعمال العدائية، والرسالة التي بعث بها “الحزب” من خلال الصواريخ التي أُطلقت على المطلّة، يؤكّدان أنّ تل أبيب وطهران لم تنهيا بعد حربهما في لبنان، ولكلّ منهما رهاناته التي يتمترس خلفها.

 

المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي ليس بوارد الاعتراف بالمتغيّرات الكبيرة والتخلّي عن “محور المقاومة” بأضلاعه الثلاثة، “الحزب” في لبنان والحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن. أمّا رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي حصل على ضوء أخضر من ترامب للعودة إلى الحرب في غزة، فيستغلّ على الجبهة اللبنانية التفويض الذي منحه إيّاه البيت الأبيض، من خلال القفز فوق الاتّفاق الذي وُقّع مع لبنان، والاستمرار باحتلال النقاط الخمس، وإطلاق الغارات الجوّية لتدمير ما بقي من قدرات “الحزب” وتصفية قادته الميدانيين، إضافة إلى الضغط على الحكومة اللبنانية للقبول بالمفاوضات السياسية المباشرة مع إسرائيل.

الهدف الرئيسي من هذه المفاوضات صار واضحاً، وهو جرّ لبنان إلى اتّفاق تطبيع مع إسرائيل وتعديل الحدود الشمالية. بين رسالة الصواريخ التي بعث بها “الحزب” للدولة اللبنانية، وخطط نتنياهو للتطبيع وتغيير الحدود، يقف لبنان على مفترق خطير.

الفرصة التي لاحت أمام لبنان منذ انتخاب العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية للانتقال من الساحة إلى الدولة، تواجه تحدّيات محلّية وإقليمية كبيرة

التّطبيع وتغيير الحدود 

يجري التعامل الأميركي مع لبنان وفقاً لتصوّر إدارة ترامب واستراتيجيّتها في المنطقة، إذ يشكّل التطبيع مع إسرائيل أحد التوجّهات الرئيسية لهذه الاستراتيجية. يعمل ترامب على تهيئة الظروف من خلال إضعاف إيران ووكلائها في المنطقة، كي يتمكّن من توسيع رقعة اتّفاقات أبراهام وضمّ سوريا ولبنان إليها. وينسجم هذا التصوّر الأميركي مع ما توصّلت إليه إسرائيل من إعداد رؤية جديدة لعقيدتها الأمنيّة بعد أحداث السابع من أكتوبر (نشر أساس مقالة بعنوان: 4 “طبقات” إسرائيلية لاستدراج سوريا ولبنان نحو التطبيع).

تقوم العقيدة الأمنيّة الجديدة التي سوّقها الجانب الإسرائيلي مع إدارة ترامب على أنّ الحدود الإسرائيلية الحاليّة في غزة والضفّة الغربية ولبنان وسوريا غير صالحة للدفاع عن إسرائيل ومواطنيها. ولذا إحدى أهمّ طبقات الدفاع المقترحة ستكون ضمن حدود هذه الدول، إن من خلال إقامة مناطق عازلة أو ضمّ أراضٍ أو إقامة منطقة نفوذ، كما يجري العمل حاليّاً في الجنوب السوري. بنظر الإسرائيليين، يبدو أنّ لبنان لن يتمتّع بأيّ خصوصيّة لإخراجه من هذه المعادلة، بل على العكس يبدو أنّ تل أبيب تخطّط لتغيير خطّ الحدود مع لبنان المعترف به دوليّاً.

الطّرف “المعتدي” يجب أن يدفع الثّمن 

كتب أهارون غربر في صحيفة “إسرائيل هيوم” مقالة بعنوان “لا تكونوا غافلين عن الجبهة اللبنانية”، وجاء فيها: “على مدار عام تقريباً، أطلق “الحزب” النار باستمرار، وهو ما أدّى إلى تدمير منازل في مستوطنات الشمال. هذا وكشفت عمليّة “سهام الشمال” عن مستودعات أسلحة ضخمة كانت مُعدّة لارتكاب “مجازر” بحقّ سكّان إسرائيل. الآن، وبعد تدمير الأهداف التابعة لـ”الحزب” التي كانت مخصّصة للهجوم على مستوطنات الشمال، حان الوقت لإعادة ترسيم الحدود بطريقة تمنع العدوان، وتضمن الدفاع الفعّال”.

أضاف: “نصرالله كان الطرف “المعتدي” في الحرب، بتحالُفه مع السنوار و”حماس”، والآن يجب على لبنان أن يدفع الثمن. منذ ذلك الحين، تمركز الجيش الإسرائيلي في نقاط تتجاوز السياج الحدودي في مواقع ذات أهمّية أمنيّة. والحفاظ على هذا الوضع وترسيم الحدود الجديدة بطريقة تضمن دفاعاً مستداماً ضرورة، وتحدّ من دوافع العودة إلى مهاجمتنا”. وتابع: “إنّ ترسيم حدود قابلة للدفاع عنها بشكل متّفق عليه سيضمن حياة آمنة في الجليل، ويخلق حوافز للامتناع عن مهاجمتنا، ويؤسّس لأساس يمكن من خلاله التوصّل إلى اتّفاقات سلام من موقع قوّة، وهو ما سيساهم في تحقيق الاستقرار العالمي”.

تل أبيب وطهران لم تنهيا بعد حربهما في لبنان، ولكلّ منهما رهاناته التي يتمترس خلفها

تصحيح “خطأ” سان ريمو 

يجب ألّا نستبعد أن يستغلّ نتنياهو أيّ حرب جديدة على لبنان ويذهب للمطالبة بتصحيح ما عجزت عنه الحركة الصهيونية في مؤتمر سان ريمو عام 1920. إذ طالبت في هذا المؤتمر بأن تمتدّ حدود فلسطين الشمالية إلى مجرى نهر الليطاني. لم يخفِ أهارون غربر الحنين للعودة إلى تصوّر الفكر الصهيوني للحدود الشمالية مع لبنان، فكتب في المقالة ذاتها: “لقد اعتبر قادة الحركة الصهيونية نهر الليطاني الحدّ الشماليّ الطبيعي، وكان جزء من أراضي الجنوب اللبناني مملوكاً لليهود. ومع ذلك، وعلى الرغم من المطالب الإسرائيلية بهذا الإقليم، وبخلاف الوضع في الجولان، لا تسعى دولة إسرائيل إلى جعل الجنوب اللبناني جزءاً من أراضيها. ومع ذلك، يبرّر هذا السياق التاريخي إدخال تعديلات حدودية، وخاصة عندما تؤدّي التضاريس إلى إنشاء شريط أمني ضيّق يضمن حياة هادئة حتى خطّ الحدود”.

تابع: “يجب أن ينعكس انتصار إسرائيل في الحرب على “الحزب” على أرض الواقع. لتحقيق السلام مع جيراننا، لا بدّ من التوضيح للمصرّين في صفوف أعدائنا أنّه لا يوجد بديل سوى قبول وجودنا، وأنّ اختيار الحرب لن يؤدّي إلّا إلى تدهور أوضاعهم”.

ذكّر أهارون أيضاً بما ورد في مذكّرات المدافعين عن إحدى المستوطنات على لسان أحد الضبّاط البريطانيين الذي شرح للمستوطنين في ذلك الوقت أنّ “الدفاع عن المستوطنة يقتضي الاستيلاء على مناطق السيطرة خارج حدودها”.

ترامب لن يستقتل في الدّفاع عن حدودنا 

قد يتمكّن لبنان من إقناع ترامب باستحالة شرب كأس التطبيع في هذه المرحلة، لكنّ المعضلة الكبيرة، التي ستواجه المسؤولين اللبنانيين في سعي إسرائيل إلى تغيير الحدود، تنشأ من تفهّم ترامب لإسرائيل ودعمها في حلّ مشكلة ما تدّعيه من أنّ “جغرافيّتها صغيرة” ولا تتمتّع بالعمق المطلوب للدفاع عن حدودها.

إقرأ أيضاً: لا إصلاح دون نزع السّلاح

في هذا الإطار، عبّر ترامب مراراً عن حماسة شديدة لمساعدة إسرائيل في التوسّع جغرافياً. هذا الأخير الذي أعلن بوقاحة نيّته ضمّ كندا وقناة باناما والاستيلاء على غرينلاند، ويضغط باستمرار على زيلينسكي للقبول بالسلام مع روسيا، دون أيّ ضمانات لاستعادة أراضي أوكرانيا المحتلّة، لن يقف مع اللبنانيين للدفاع عن حدودهم.

الخوف كلّ الخوف أن يعطي لنتنياهو الضوء الأخضر للقيام بحرب جديدة على لبنان تتعدّى نتائجها التطبيع وتغيير الحدود. فهل يتبصّر “الحزب” في نتائج “حرب المساندة”، وما ستؤول إليه أيّ حرب أخرى من نتائج، فيتوقّف عن الرهان على الوقت، ويضع أوراقه فعلاً في جيب الحكومة اللبنانية كي تتمكّن من مواجهة خطّة إسرائيل لتغيير الحدود، أم نحن نتوهّم والآتي أعظم؟

* أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانيّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@WalidSafi16

مواضيع ذات صلة

“الحاكِم” يَخرج اليوم من القصر؟

لا تبدو التعيينات الماليّة والإدارية، بسهولة “شربة الماء” التي حَكَمت التعيينات الأمنيّة والعسكرية بعد حَسم أسماء قادة الأجهزة في القصر الجمهوري، إثر تنسيقٍ مباشر مع…

وفد أمني في سوريا: الحدود أوّلاً

منذ الزيارة الأولى، والأخيرة، لرئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي لسوريا، التي سبقت بساعات تكليف نوّاف سلام تأليف الحكومة الجديدة، إلى اللقاء الذي جَمَع رئيس الجمهورية…

رسالة ترامب لإيران: لا صواريخ ولا أذرع.. وإلا فسقوط النّظام

هل يريدُ الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب ضربَ إيران؟ وما هو الاتّفاق الذي يسعى إلى فرضهِ على طهران؟     تشير كُلّ الأحداث في المنطقة إلى…

أورتاغس لـ”أساس”: لماذا يسمح الجيش اللّبنانيّ بإطلاق الصّواريخ؟

بين الكلام الذي قاله المبعوث الأميركي الخاصّ إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وكلام نائبته الخاصّة بلبنان مورغان أورتاغس، فارق في التعبير وفي الكلام الدبلوماسي والتقنيّ…