تشدّد سلام وأولوية اليمن لترامب يلجمان نتنياهو؟

الأرجح أنّ لبنان تجاوز (ولو مؤقّتاً) قطوع التصعيد على جبهة الجنوب، بعد ردّة فعل إسرائيل العنيفة على إطلاق صواريخ “بدائية”، أسقطها جيشها. لكنّ الضغوط الإسرائيلية على البلد من أجل التطبيع مع إسرائيل تتصاعد تدريجاً، فيما يرفض الفريق الحاكم الانزلاق إلى هذا الخيار.

أمّا ما أخذه “الحزب” على قول رئيس الحكومة نوّاف سلام إنّ “صفحة سلاح “الحزب” طُويت”، فقد أعطى زخماً لمطلب لبنان من واشنطن أن تلجم بنيامين نتنياهو. فيما دفعت الضغوط على “الحزب”، ميدانياً، وسياسياً في الداخل، إلى إعلان التزامه اتّفاق وقف إطلاق النار، مسهِّلةً ضبط الانفلات الإسرائيلي.

 

 

التقط نتنياهو فرصة لتصعيد ضرباته، التي لم تتوقّف أصلاً، لكنّ الصدفة لعبت دوراً في التقاط السلطة اللبنانية الفرصة للجم الاندفاعة الإسرائيلية. فقد كان مفيداً توقيت حديث الرئيس سلام الذي بثّته فضائية “العربية” في 21 آذار، قبل يوم من إطلاق الصواريخ باتّجاه إسرائيل، وأعلن فيه أنّ “شعار شعب جيش مقاومة أصبح من الماضي… والدولة وحدها هي المسؤولة عن تحرير الأراضي من إسرائيل”. ومع تأكيده أنّ “حصر السلاح بيد الدولة لن يحدث بين ليلة وضحاها”، فإنّ موقفه مكّنه ورئيس الجمهورية جوزف عون من دعوة المسؤولين الأميركيين إلى منع نتنياهو من إطلاق العنان لآلته العسكرية.

الأرجح أنّ لبنان تجاوز (ولو مؤقّتاً) قطوع التصعيد على جبهة الجنوب، بعد ردّة فعل إسرائيل العنيفة على إطلاق صواريخ “بدائية”، أسقطها جيشها

برّي “يتصدّر” بيان نفي الحزب

حذّر سلام فور إطلاق الصواريخ من تجدّد العمليات العسكرية جنوباً، ونبّه “من مخاطر جرّ البلاد إلى حرب جديدة، تعود بالويلات على لبنان واللبنانيين”، وأعاد التأكيد أنّ “الدولة وحدها تمتلك قرار الحرب والسلم”. من جهته، أدان الرئيس جوزف عون “محاولات استدراج لبنان مجدّداً إلى دوّامة العنف”. لم يحصر التهمة بإسرائيل، بل تحدّث عمّا “يحاك ضدّ لبنان من أكثر من طرف معادٍ”.

كان لهذين الموقفين وللتهديدات الإسرائيلية وقعها لدى رئيس البرلمان نبيه بري، الذي دعا السلطات “لكشف ملابسات ما حصل”. برّي الذي كان أصلاً ضدّ تسبّب “الحزب” بالحرب المدمّرة على البلد، مهّد لنفي “الحزب” مسؤوليّته عن إطلاق الصواريخ بقوله إنّ “المستفيد الأوّل والأخير من جرّ لبنان والمنطقة إلى دائرة الانفجار الكبير هي إسرائيل”. وعلم “أساس” أنّ اتّصالات عاجلة جرت بين الرؤساء الثلاثة أفضت إلى الطلب من “الحزب” أن يعلن التزامه وقف النار. وأبرز من طلب ذلك كان برّي. وأفضت اتّصالات عون مع الأميركيين إلى تحييد بيروت عن ردّة فعل إسرائيل التي شنّت غارات جنوباً وبقاعاً.

في اليوم التالي للتصعيد الإسرائيلي، ارتسم المشهد اللبناني في سياقه الإقليمي وفق الشكل الآتي:

  • وضوح الصورة لدى الوسط السياسي والرسمي بأنّ وظيفة إطلاق الصواريخ إيرانية، رسالة من طهران إلى واشنطن. هذا ما قاله المسؤول السابق في الخارجية الأميركية ديفيد شينكر. وإذا كان من الطبيعي أن ينفي “الحزب” مسؤوليّته عن إطلاق الصواريخ، فإنّ من أطلقها لا يمكنه ذلك من دون معرفة قياداته. تمّ اختيار منطقة أرنون – الشقيف من قبل من يعرفها بدقّة. وهي ردٌّ على الاستهداف الأميركي للذراع الحوثية بشكل غير مسبوق لتعطيلها. وهي تلويح بالقدرة على تحريك جبهة جنوب لبنان بمواجهة تهديدات إسرائيل وفريق الرئيس دونالد ترامب بقصف برنامج إيران النووي، إذا لم تقبل التفاوض.

حذّر سلام فور إطلاق الصواريخ من تجدّد العمليات العسكرية جنوباً، ونبّه “من مخاطر جرّ البلاد إلى حرب جديدة، تعود بالويلات على لبنان واللبنانيين”

  • اللغة الجديدة التي تعتمدها السلطة اللبنانية حيال سلاح “الحزب”، بعد ما سبّبه من مآسٍ في العقدين الماضيين، تتلاقى مع المطلب الأميركي والأوروبي والعربي بتجريد إيران من سطوة أذرعها في المنطقة. اضطرار الدبلوماسية الأميركية إلى لجم إسرائيل له مقدّمات. فعلى الرغم من إعلان نائبة مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط المكلّفة ملفّ لبنان مورغن أورتاغوس دعم بلادها “جهود إسرائيل لتدمير حركات مثل “حماس” أو “الحزب” أو الحوثيين”، فإنّ الجانب الأميركي يعترف بأنّ الجيش اللبناني “يبلي بلاء حسناً لتطبيق القرار الدولي 1701”. هذا ما نسبه ديفيد شينكر إلى إدارة ترامب. فتقارير الجنرال الأميركي، رئيس لجنة الرقابة على تنفيذ وقف النار غاسبر جيفرز، تقرّ بنجاح الجيش في مصادرة مستودعات أسلحة “الحزب” جنوب الليطاني. وهو شاهد على أنّ تأخير انتشار الجيش حتى الحدود سببه عدم انسحاب إسرائيل.

خلف الموقف السّعوديّ

  • حسابات واشنطن تقتضي إبعاد لبنان عن التصعيد راهناً، والتركيز على إضعاف الحوثيين بدل فتح جبهة جديدة، إضافة إلى غزّة واليمن. وتسعى إلى إقناع القادة اللبنانيين بالتطبيع التدريجي مع الدولة العبرية. فهذا هدف ترامب، الذي عبّر عنه موفده إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف (ويشمل سوريا) مرّتين خلال أسبوعين. ولم يكن قد مضى 48 ساعة (20 آذار) على إصدار ويتكوف نفياً لتقرير صحافي نسب إليه عدم رضا واشنطن عن المسؤولين اللبنانيين واستعجاله نزع سلاح “الحزب”. قال ويتكوف: “ندعم الرئيس عون وحكومة الرئيس سلام في سعيهما إلى بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية”.

 إقرأ أيضاً: فرصة طهران الأخيرة

لكنّ اقتراح أورتاغوس تشكيل اللجان الثلاثة للتفاوض على التلال الخمس المحتلّة، وتحديد الحدود البرّية، والإفراج عن الأسرى، يخضع لكثير من الغموض. مصدر لبناني رسمي قال لـ”أساس” إنّ الأميركيين يطرحون أن يكون في عدادها مستوى دبلوماسي، وآخر سياسي. لكنّ إسرائيل كشفت قبل أيام أنّها ترغب بأن تكون المحادثات على مستوى وزاري. وأبلغ وسطاء الجانب اللبناني أنّ نتنياهو مستعدّ لتكليف وزير الشؤون الاستراتيجية في حكومته رون ديرمر بالمهمّة. وهو ما يرفضه لبنان. فأقصى ما يمكنه القبول به هو أن يكون الوفد اللبناني عسكرياً مطعّماً بمستشارين دبلوماسيين أو خبراء قانونيين، كما حصل في المفاوضات على الحدود البحرية.

أمّا الموقف اللبناني من التطبيع مع إسرائيل فيلتزم مثل الموقف السوري البقاء خلف الموقف العربي، لا سيما السعودي، ولن يقدم على أيّ خطوة خارج هذا السياق. وفي واشنطن من يتفهّم ذلك.

مواضيع ذات صلة

تركيا تحكُم الطّوق حول عنق إيران؟

انتهت الحرب الطويلة في سوريا بخاسر كبير هو إيران، وبرابحين اثنين هما تركيا أوّلاً وإسرائيل ثانياً. وإذا كان الصراع على النفوذ الإقليمي بلغ ذروته بين…

إنقاذ “الحركة”… أهمّ من إنقاذ غزّة!

منذ اليوم الأوّل لاندلاعها، في السابع من أكتوبر (تشرين الأوّل) 2023، لا تزال حرب غزّة التي افتعلتها حركة “حماس”، وصبّت في مصلحة إسرائيل، تبحث عن…

تفادياً لذهاب لبنان ضحيّة أحداث المنطقة!

تكفي زيارة قصيرة للبنان هذه الأيّام، للتأكّد من صعوبة إحداث تغيير جذري في الوضع في المدى القصير. بل تكفي الزيارة للتساؤل: هل يوجد في السلطة…

الإصلاح والسّلاح ومصير لبنان

الاستقبال الاستثنائي الذي أُحيط به الرئيس جوزف عون في السعودية، والذي سيحاط به في فرنسا قريباً، ولاحقاً في العواصم الأخرى المؤثّرة على لُبنان، ليس أمراً…