الجيش وحالة الطوارئ: Don’t mix

مدة القراءة 5 د


حتى إشعار آخر، تتصرّف الحكومة على قاعدة أخذ “زبدة” حالة الطوارئ، لجهة المواكبة العملانية لأزمة تفشّي فيروس كورونا ببعدها الصحي فقط، مع ترك الإشكالية السياسية المرتبطة بها، لجهة تجيير الإمرة بالكامل لقيادة الجيش على الرفّ.

لا رئاسة الجمهورية ولا رئاسة الحكومة في هذا الوارد حتّى الآن. الثنائي الشيعي قد توزّعت مواقفه بين مطالبة صريحة من رئيس مجلس النواب بإعلان حالة الطوارئ العامة من باب الضغط السياسي لا غير على خلفية شدّ الحبال في ملفات التعيينات والكابيتال كونترول، ومن جهة أخرى عبر تأمين حزب الله الغطاء الكامل للحكومة في الخطوات التي اتخذتها لمواجهة فيروس واصفًا إياها، كما قال نائب الامين العام الشيخ نعيم قاسم، بـ”المتدرّجة والحكيمة والشجاعة”.

إقرأ أيضاً: “عسكرة كورونا”… خيار غير قابل للتطبيق؟

أمّا قيادة الجيش، فواضحٌ الخطّ الفاصل بين ما تقوم به حاليًا ودورها إذا أعلنت حالة الطوارئ. المطّلعون على موقف اليرزة يجزمون أنّ “لا سعي من جانب القيادة العسكرية لهذا الدور بالنظر إلى البعد السياسي السلبي بتظهير الجيش حاكماً بأمره في كلّ ما يتعلق بمفاصل الدولة، وأيضاً بسبب غياب المواكبة اللوجستية المطلوبة في حال تولّى الجيش زمام الإمرة. إذ يغيب “السيستم” من ألفه إلى يائه، المفترض به أن يؤمّن الحاجيات الأساسية للمواطن. ناهيك عن أنّ عديد الجيش غير كافٍ لتنفيذ هذه المهمة، فيما حظر التجوّل التام سيؤدّي إلى تخصيص عدد ساعات محدّد جداً ليشتري الناس حاجياتهم الضرورية، خصوصاً المواد الغذائية الأساسية”. والأهمّ، وفق هؤلاء، أنّ الواقع الذي فرضه تفشي الفيروس المضبوط حتّى الآن، لا تنطبق عليه موجبات حالة الطوارئ.

ويؤكد مصدر مطّلع أنّ حظر التجوّل التام “يؤدي إلى توفير بيئة حاضنة لتجمّعات شعبية كثيفة تُسهم في انتشار المرض بدلاً من احتوائه”، مشيرًا الى “أنّ تسليم الجيش مهمّة تسليم المساعدات الغذائية والمساهمات المالية التي أقرّتها الحكومة يعكس أمرين أساسين: الثقة بالجيش كطرف قادر على إتمام المهمّة بشفافية في وقت أنّ أزمة الثقة بمؤسسات الدولة هو واقع قائم، والثاني قيام المؤسسة العسكرية بجهد يدخل من ضمن لائحة المهام التي يمكن أن يضطلع بها أيضًا في حالة الطوارئ لكن من دون إعلانها رسميًّا”.

والجيش مُستنزف، على أكثر من جبهة، منها حماية “هيكله” العسكري من خطر تفشّي الفيروس داخله، وهي مهمّة حسّاسة تواجه بقية الأجهزة الأمنية الأخرى، ومنها أنّه يعمل بانتظام على ضبط التجمّعات “الشاذة” التي يمكن أن تنسف جهود الحكومة لخفض عدد الإصابات بالفيروس. كما أنّه يلاحق الإشكالات المرتبطة بواقع التعبئة العامة والتي تفرّخ كالفطر في المناطق، ويعمل على تفريق التظاهرات المعترضة على التقصير الحكومي في تأمين مستلزمات الصمود. هذه الشريحة بالذات تتصرّف على قاعدة أن “لا شيء لديها لتخسره أصلاً”، فيما لا يُسقط البعض عن هذه التحركات الثوب السياسي بهدف الضغط على الحكومة.

يجزم أحد المشاركين الأساسيين في النقاشات بشأن احتمال إعلان حالة الطوارئ أنّ “لهذا الأمر تداعيات خطيرة. فالجيش سيكون مطلق اليدين، كما في حال اتّخاذه قراراً بمصادرة فنادق أو مبانٍ أو مستشفيات وممتلكات، مع وضع كافة الوزارات، بما فيها وزارة الصحّة، تحت إمرته. ويمكن أن يفرض، من دون أيّ مسوّغ قانوني، جملة إجراءات منها التوقيفات أو خطوات عسكرية وأمنية قد تخلق إرباكات وحساسيات، حتّى لو كانت حالة الطوارئ محدّدة بمدّة زمنية”.

تمديد مدّة التعبئة العامة المتكرّر هو الخيار المتاح حتى الآن، بمعنى أنّ كلّ الداتا الرقمية المتوافرة حول عدد الاصابات وارتفاعها الدائم، ينبىء بأنّنا لا نزال في مرحلة صعود العدّاد، ما يحملنا إلى توقع استمرار الأزمة

لا تزال الحكومة تفضّل سياسة التدرّج في تنفيذ موجبات إعلان التعبئة العامة وصولاً إلى فرض حظر التجوّل التام من السابعة مساءً حتّى الخامسة فجراً، مع إعلان التعاميم التنفيذية المواكبة للقرار.

يتقاطع ذلك مع تقارير أمنية ترد تباعاً إلى السراي الحكومي والقصر الجمهوري تفيد بعدم التزام بإجراءات الحكومة من جانب شريحة كبيرة والتراخي تدريجًا في آلية التعليمات. وفي الأيام الماضية سجّلت حالات فاقعة في عدم الالتزام من الشمال إلى بيروت والبقاع، ورغم أن مواكب “الجياع” جالت مناطق الضاحية أيضاً، فقد كان لافتًا جدًا إشارة مقدّمة أخبار “المنار” قبل أيام الى “أمر غير طبيعي من خلال الاستهتار المتمثّل بالخروقات المؤلمة التي ما زالت تسجّل للإجراءات المفروضة حكومياً، والتي إن استمرت فستنذر بعواقب وخيمة”.

هو واقع يتفشّى في مناطق عديدة، ما دفع مسوؤلاً أمنياً بارزاً إلى القول: “هناك 10% من اللبنانيين تقريباً، يتصرّفون كما لو أنّه ليس هناك من كارثة صحية تستوجب الاستنفار الكامل. وهؤلاء تحديداً يستنزفون طاقتنا أكثر مما فعلت “داعش”!

وتجزم مصادر مطلعة بأنّ “تمديد مدّة التعبئة العامة المتكرّر هو الخيار المتاح حتى الآن، بمعنى أنّ كلّ الداتا الرقمية المتوافرة حول عدد الاصابات وارتفاعها الدائم، ينبىء بأنّنا لا نزال في مرحلة صعود العدّاد، ما يحملنا إلى توقع استمرار الأزمة، ليس أقلّه قبل نهاية حزيران المقبل، والإبقاء إذاً على حالة التعبئة العامة طالما أنّ courbe أو منحى عدد الاصابات لم يبدأ بالهبوط بعد”، مشيرة إلى أنّ “مرحلة التعافي تتطلّب أشهراً إضافية”.

 

مواضيع ذات صلة

سلام لبرّي: أنت المسؤول!

نَسَفَ راي هيئة التشريع والاستشارات طلب الترشيح الأوّل للانتخابات النيابيّة الذي قدّمه الرئيس نبيه برّي. الرأي، غير المُلزِم، الذي عاكَس مساراً طويلاً تبنّاه رئيس مجلس…

مجلس الوزراء: كسب الوقت على صفيح ساخن

بانتظار تداعيات المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة، يبدو لبنان كالسفينة التائهة في البحر تضربها الأمواج من كلّ صوب. لا يزال لبنان كياناً لا يقوى على الوقوف…

لا حماسة دوليّة لتعويم مؤتمر دعم الجيش

على وقع السباق بين الحرب والمفاوضات النوويّة، يتحرّك الملفّ اللبنانيّ، الذي سيكون واحداً من ساحات تجلّيات النتيجة التي ستخلص إليها مفاوضات عُمان، سواء سلكت طريق…

“الحركة” تخسر كلّ أوراقها: هل وقعت في فخ ترامب؟

حركة حماس خارج السلطة في غزّة رسميّاً، إلّا أنّ خطابها السياسيّ بات أيضاً خارج الواقع الذي صنعته عمليّة طوفان الأقصى في 7 تشرين الأوّل 2023….