رياض الريّس: رحل “آخر الخوارج”.. سمكة متحجّرة

مدة القراءة 3 د


رياض الريسّ سمكة متحجّرة. الناشر الذي ترك أثراً في رمل القرّاء والكتّاب على السواء يبدو موته المفاجئ الآن (وكلّ موت مفاجئ ومتوقع في آن) كما لو انه عثور على أثر سمكة طاعنة في الصخر، لكن قليلين يهتمّون بتفحّصها ودراستها. وجدتني، حينما عرفتُ بخبر موته من مواقع التواصل الاجتماعي، ابحث كجيولوجي عن اصل عظام السمك، عن الحياة في الهيكل العظمي الذي يبقى ويحفر عميقاً بأثر الماء والملح، عن عمر الورق في اصفرار الذاكرة وغبارها. انتبهتُ أننا أهملنا شواطئ الكتّاب القارسة، المأهولة بوحدتهم والمفروشة برمل الوقت الذي لا ينتهي، وذهبنا إلى عالم الشاشات الرقمية ننقر بأصابعنا عليها، ونقلّب في مقابرها الاجتماعية لنعثر كلّ يوم على قبر أو اكثر، نقذف بأصابعنا الجثث عالياً لندفنها في الشاشة ونطمرها ببصماتنا ونكمل، بسرعة، بقسوة، وبلا أيّ تمهّل يليق بالجنازات.

إقرأ أيضاً: جورج شحادة يرفع من قيمة الليرة!

هكذا يموت رجل، لا يمكن لمن يقتني مكتبة عربية ولو صغيرة جداً في بلادنا، إلا أن يعثر على اسمه فيها، يموت وكأنه لم يعش، وكأنه لم يكتب، ولم ينشر، ولم يقرأ، ولم يمض عمره في معارض الكتب متأمّلاً في الكتّاب وهم يوقّعون كتبهم، وفي القرّاء الذين ينتظرون الاهداءات التي تبقى في المكتبات على الصفحات البيضاء الاولى كالمتحجّرات البحرية في المتاحف. 

اتذكّر جيداً نظراته، من خلف نظّارتيه، وانا أقف أمامه في حضرة محمود درويش، صبياً يرتجف وفي يده ديوانه الأول يدفع به إليه. وتحت نظراته وقّع لي درويش نسخة من كتابه “كزهر اللوز أو أبعد” الصادر مع معظم دواوينه من “رياض الريس للكتب والنشر”، وتحت نظراته وباستدلال من أصبعه، أرشدني مرة إلى نسخة من “بحيرة المصل” كنتُ أبحث عنها كقشّة في كومة إبر. وكبائع أنيق في متجر للقبّعات الراقية نصحني بكتاب جديد: “هذه دراسة عن الخمر والنبيذ في الإسلام تستحق القراءة”. اعتمرتُ “القبعة” ثم قبل ان أمضي رفعتُها ملوّحاً بامتنان. 

رياض الريس سمكة متحجّرة. والأسماك المتحجّرة يُعثر عليها أحياناً في قمم الجبال، هناك، حيث كان البحر يغطّي كلّ شيء، ثم تراجع كما يتراجع العمر تاركاً سمكاً نادراً متحجّراً، مقيماً في اليابسة، لكنه طاعن في البحر، مثله كمثل “آخر الخوارج”

يموت رياض نجيب الريس، “آخر الخوارج”، الذي كتب سيرة خروجه من الصحافة وعليها، لكن كلّ حرف دوّنه، يؤكد لنا أنّ خروجه كان نوعاً من الانتماء، كان نوعاً من الإقامة الدائمة، كان خروجاً لسمكة من البحر، لتطبع حسكها على الصخر- شاشة الدهر، ولا تقوى على طردها ولا دهسها الأصابع المسرعة كالشاحنات فوق “أوتوسترادات”  الشاشات.

رياض الريس سمكة متحجّرة. والأسماك المتحجّرة يُعثر عليها أحياناً في قمم الجبال، هناك، حيث كان البحر يغطّي كلّ شيء، ثم تراجع كما يتراجع العمر تاركاً سمكاً نادراً متحجّراً، مقيماً في اليابسة، لكنه طاعن في البحر، مثله كمثل “آخر الخوارج”.

مواضيع ذات صلة

ترامب والعالم: السّباق نحو “صندوق” الخريف

لم تعرف الولايات المتّحدة في تاريخها رئيساً يمكن التشبيه به لفهم دونالد ترامب. يمكن أن نجد للترامبيّة منابع في يمينيّة قوميّة محافظة، بعضها عنصريّ، شهدتها…

نوري المالكي مجدّداً.. المرشد “يستنفز” جنوده!

هل يحتاج العراق اليوم إلى استعادة وجوه الماضي أم إلى فتح صفحة جديدة؟ هل يعكس ترشيح نوري المالكي قراءة داخليّة لمصلحة البلاد أم استدعاءً إقليميّاً…

اليَمَنُ وسُؤال الدولةِ الغائبةِ: متى يعود سعيداً؟

لم يعد استدعاء تسمية “اليمن السعيد” فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل بات مدخلاً ضرورياً لفهم واحدة من أكثر أزمات العالم العربي تعقيداً وخطورة. فاليمن،…

المفاوضات الرّوسيّة – الأوكرانيّة…تدير السّلام ولا تُنهي الصّراع

بدأت مفاوضات السلام الروسيّة – الأوكرانيّة، لكنّها لم تتّخذ صفة محطّة تفاوضيّة عاديّة، بل كانت حدثاً محمّلاً بدلالات تتجاوز الجغرافيا والزمان. لا تُقرأ المفاوضات فقط…