رحلة 4 آب (2/5): كيف اختفى “الوسيط الوهميّ” للنيترات؟

مدة القراءة 5 د

في الأشهر الأخيرة، حاول المحقّق العدلي في قضية تفجير مرفأ بيروت طارق البيطار الإضاءة على نظرية “الإهمال الإداري”، باعتباره أدّى إلى تفجير مرفأ بيروت. فادّعى على كلّ مَن “كان يعلم” بوجود مئات أطنان نيترات الأمونيوم في المرفأ، كما سرّب. وبذلك بات كلّ اللبنانيين يعرفون رواية النيترات، منذ كانت على متن الباخرة “روسوس” حين وصلت في 22 تشرين الثاني 2013، إلى لحظة تفجيرها في 4 آب 2020.

التقرير أدناه، سينشر على 5 حلقات، وهو يستند إلى معلومات موثّقة بالكامل، تضيء على “مسار” النيترات، من لحظة صناعتها في جورجيا، إلى لحظة رسوّ السفينة “روسوس” في مرفأ بيروت. وذلك لإكمال الصورة، وعدم اقتصار النقاش على “كيف انفجرت”، والرجوع إلى “لماذا أتت إلى لبنان؟”، و”مَن أتى بها؟”، و”لماذا؟”، و”كيف بقيت طوال هذه المدّة؟”.

في الحلقة الثانية اليوم، إثباتات بأنّ الوسيط الذي اشترى الشحنة وأرسلها، هو وهميّ، وهذا ما يثير الكثير من الشكوك في أنّ الرحلة كانت معدّة لتكون وجهتها النهائية بيروت وليس الموزمبيق.

بعد تفجير مرفأ بيروت في 4 آب، أكّد المتحدّث باسم مصنع موزمبيق للزميل فراس حاطوم، في وثائقي نشرته قناة “الجديد”، أنّه لم يعقد صفقة مباشرة مع مصنع جورجيا الذي صُنِعت فيه نيترات الأمونيوم التي فجّرت مرفأ بيروت. وقال إنّ “الصفقة تمّت عبر وسيط. وهذا الوسيط هو شركة “سافارو”. أمّا العقد الموقَّع بين المصنع في جورجيا وبين “سافارو” فيبيّن أنّ كل ما يتوافر من معلومات عن “سافارو” هو عنوانها فقط. وبالاطّلاع على العنوان تبيّن أنّه لشركة مسجّلة في بريطانيا، من نوع “شِل كومباني”، أي الشركات الصورية ذات النشاط الوهمي، أُسِّست لكي تقوم بنشاط سرّي أو لنقل “غير واضح” و”غامض”.

أن نكون أمام شحنة مهمّة وحسّاسة بين مصنعين كبيرين، ولسنا قادرين على الوصول إلى الشخص الذي لعب دور الوسيط، فهذا يعني أنّ شبهات تحوم حول الموضوع

رفض المتحدّث باسم المصنع “أنطونيوس كونهافاس” التصريح عن عدد عمليات الشراء التي حصلت بينه وبين مصنع جورجيا من قبل، عبر “سافارو” أو عبر غيرها. علماً أنّها لم تكن الصفقة الأولى بينه وبين “سافارو”. وأكّد أنّه جاهز لإعطاء مستنداته الرسمية فقط في حال طُلِبت من سلطات رسمية، وأنّ العلاقة مع “سافارو” اليوم مقطوعة منذ زمن. وحين يقول “بشكل رسمي” فإنّه يعني إذا طُلِب إلى التحقيق.

وحين حاولنا التواصل مع المتحدّث الرسمي باسم المصنع، على الرقم والبريد الإلكتروني للوسيط “سافارو”، تبيّن أنّه رقم بريطاني مغلق كلّ الوقت، والبريد الإلكتروني لا تصله الرسائل. وبالتالي فإنّه لا يوجد متحدّث باسم المصنع، بل “شبح” يشبه الكثير من الأحداث التي سنأتي على ذكرها في الآتي من الأسطر…

أن نكون أمام شحنة مهمّة وحسّاسة بين مصنعين كبيرين، ولسنا قادرين على الوصول إلى الشخص الذي لعب دور الوسيط، فهذا يعني أنّ شبهات تحوم حول الموضوع.

أمّا الشُبهة الكبرى فهي أنّ المدير العام لـ”روستافي أزوت” تنكّر لمعرفته بهذه الصفقة. وقال حين تواصل معه حاطوم إنّه لم يكن في منصبه في عام 2013، وملكيّة المصنع تغيّرت قبل خمسة أعوام، في عام 2016، أي بعد بيع الشحنة التي نتحدّث عنها بسنتين. ثمّ تبيّن لاحقاً أنّ الشخص نفسه الذي تحدّثنا إليه، أي “المدير العام” الحالي، كان يعمل في المصنع خلال فترة بيع الشحنة، وأنّه وقّع على العديد من العقود المهمة، لأنّه كان يشغل منصباً مرتبطاً بعمليات البيع والشراء، إضافةً إلى أنّ شركة بهذا الحجم يُفترض ألّا تُتلِف مستندات كهذه بهذه السهولة حين تتغيّر الإدارة، إن كانت الإدارة قد تغيّرت فعلاً.

وتجدر الإشارة إلى أنّ غموضاً يحيط بالمالكين الجدد لمصنع جورجيا، وعلمنا أنّ بيعه كان نوعاً من أنواع الاحتيال.

رفض المتحدّث باسم المصنع “أنطونيوس كونهافاس” التصريح عن عدد عمليات الشراء التي حصلت بينه وبين مصنع جورجيا من قبل، عبر “سافارو” أو عبر غيرها. علماً أنّها لم تكن الصفقة الأولى بينه وبين “سافارو”

الخلاصة أنّنا بتنا أمام ثلاث محطّات مشبوهة:

1-  مصنع موزمبيقي طلب النيترات يقول: “أنا لا أتحمّل أيّ مسؤولية، لأنّني طلبتُ البضاعة عبر وسيط ولم تصلني هذه البضاعة، ولم أدفع ثمنها، لأنّ الدفع يكون بعد التسلّم بحسب الصفقة”، ويبرّر “اللامنطق” الذي يتحدّث به بالقول: “لو طلبتُ سيارة، ولم تصلني هذه السيارة ولم تُسجَّل باسمي، وقامت هذه السيارة بدهس أحدهم بعد 10 سنوات، هل أكون أنا المسؤول عن حادثة القتل هذه؟”.

2- مصنع جورجي غيّر إدارته بعد سنتين من الشحنة. صنّع النيترات، وأرسلها إلى المصنع الموزمبيقي عبر وسيط، دفع ثمنها بعقد شراء رسمي، ويدّعي عدم معرفته بمصير الشحنة بعد البيع “بشكل شرعي”، ويؤكّد أن لا علاقة له بالبضاعة بعد خروجها من المصنع. فهو دفع ما يقارب نصف مليون دولار ولم يهتمّ بأن يسترجعها بعد تفريغ الحمولة في بيروت.

3- وسيط بريطاني “مفترض” ومتخفٍّ عن الأنظار.

إقرأ أيضاً: رحلة 4 آب: من روسيا إلى دمشق (1/5)

وهي المحطات الثلاث التي لا يمكن فكّ شيفراتها من دون تحقيق دولي لأنّها تقع على تقاطع ثلاث قارّات، بين أوروبا (جورجيا) وآسيا (لبنان) وإفريقيا (الموزمبيق).

فهل جاءت النيترات إلى بيروت لتخرج منها؟ أو لتذهب إلى سوريا؟

في الحلقة الثالثة غداً:

النيترات خرجت من المرفأ في 2014

مواضيع ذات صلة

“رأي” هيئة التّشريع غير المُلزِم ممرٌّ للتّسوية؟

بينما كان يُفترَض أن تكون الكرة في “ملعب” الحكومة أو مجلس النوّاب في ما يخصّ حلّ أزمة اقتراع المغتربين والمقاعد الستّة في قارّات العالم، حطّت…

هدنة الحزب “الرّئاسيّة” تحت الاختبار

لم يَخرج إعلان اكتشاف نفق ضخم تابع لـ”الحزب” جنوب الليطاني قبل أيّام عن سياق المتوقّع، لكنّ الترحيب الأميركيّ اللافت بخطوة الجيش تأخذ أبعاداً مهمّة بعد…

ورشة “الحزب”: من إقالة صفا إلى المجلس الجهاديّ

ماذا بعد استقالة وفيق صفا من وحدة “الارتباط والتّنسيق” في الحزب؟ ماذا وراء القرار؟ وما هي أبرز التعيينات الجديدة؟   يشهدُ “الحزب”، منذ انتهاء حرب…

ما مصير الـ144 ألف ناخب في الاغتراب؟(2/2)

لم يسبق في تاريخ القوانين الانتخابيّة منذ الطائف حتّى اليوم أن تعرّض قانون الانتخاب، ومعه مصير الانتخابات، لهذا الحدّ من “التنتيع” السياسيّ. لا يتوقّف الأمر…