يسود اعتقادٌ في أروقة المصارف وبين دهاليز الصرّافين والمضاربين أنّ سعر صرف الدولار سيشهد هبوطاً دراماتيكياً نهاية هذا الشهر قد يصل إلى نحو 10 آلاف ليرة. لن يكون هذا الهبوط نتيجة أجواء إيجابية أو انعكاساً لحركة إصلاحية تتّخذها الحكومة، وإنّما بسبب تدخّل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في السوق، وضخّ كميّة كبيرة من الدولارات.
صرّافون ومضاربون في أكثر من منطقة لبنانية خصوصاً في الضاحية الجنوبية والبقاع، لم يتوقّفوا عن بثّ تلك التسريبات والشائعات والأخبار على صفحات التواصل الاجتماعي، ناشرين مقاطع فيديو لرُزم هائلة من الليرات مكدّسة في الأدراج وعلى الرفوف استعداداً لـ”اليوم العظيم”، مطلقين التحدّيات والمراهنات حول قرب “انهيار الدولار”، داعين الناس في الوقت نفسه إلى الاحتفاظ بالليرات اللبنانية وبيع الدولارات!
سيعود خفض سعر صرف الدولار 10 أو 5 أو حتى 3 آلاف ليرة لبنانية بالنفع على المضاربين والصرّافين لأنّهم سيكونون أول من يستطيع لمّ الدولارات من السوق قبل المواطنين العاديين، وقبل عودة سعر الصرف إلى الارتفاع
لم يُعرف حتى اللحظة هل هذا التسريب جدّيّ أم هو عملية Bluff تستدرج المواطنين إلى بيع دولاراتهم؟ فإن كان صحيحاً بالفعل، فإنّه يأتي بغير صالح الصرّافين، الذين سيكونون منطقياً أكثر ميلاً إلى التكتّم لا الإفشاء، وبالتالي الاحتفاظ بالليرات لأنفسهم، لا دعوة الناس إلى مشاركتهم فيها وبأرباحها. لكن الأغلب إنّ هؤلاء الصرّافين والمضاربين هم أكثر علماً ودرايةً وأكثر معرفةً من المحلّلين الاقتصاديين والصحافيين بـ”ألاعيب الحاكم”، وذلك لقربهم من سلامة نفسه. فهم أداته في السوق، ومن خلالهم يستطيع سلامة أن يلمّ الدولارات من السوق، وله مصلحة كبيرة في إغرائهم حتى يستمرّوا معه في “رقصة التانغو” وتوزيع الأدوار.
الـMomentum سياسيّ… هل يستهدف عون؟
يبدو واضحاً أنّ التسريب كان متعمّداً، بل كان مطلوباً منه أن يحاكي Momentum سياسيّاً يتقاطع مع رحيل ميشال عون من بعبدا. إذ يُقال في هذا الصدّد إنّ الهبوط كان منتظراً في لحظة الإعلان عن بلوغ الاتفاق حول ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل أو نتيجة تشكيل حكومة جديدة، لكنّ مصرف لبنان تعمّد التدخّل في السوق مانعاً أيّ هبوط كهذا من خلال خلق طلب إضافي على الدولار، بغية “تنغيص” لحظة الاتفاق (قالها جبران باسيل)، وإنّما الأصحّ من أجل تأجيل عامل “الإيجابية” إلى لحظة خروج عون من بعبدا.
إن لم يهبط الدولار نهاية الشهر تكون قد انكشفت اللعبة، وكلّ من استبدل دولاراته بالليرات اللبنانية من صرّافين ومضاربين ومواطنين، قد “أكل الضرب”. أمّا إذا حصل ذلك بالفعل، فيكون سلامة قد بعث برسالتين سياسيّتين، وفي الوقت نفسه يكون قد ارتكب “جريمتين” أيضاً.
أمّا الرسالتان فهُما:
1- سدّد ضربة موجعة للعهد في لحظة رحيله. ضربة ثلاثية مشتركة من محور “سلامة – برّي – ميقاتي”، تحاول القول للرأي العامّ: أنظروا أيّها اللبنانيون كيف هبط الدولار فور انقضاء العهد، حتى من دون تشكيل حكومة جديدة التي تبدو آفاقها مسدودة حتى اللحظة، ولا مبرّر لاسترضاء عون أو باسيل في لحظة ضعفهما على الرغم من الضغوط التي يمارسها حزب الله على الطرفين.
2- بعث بـ”إشارة نقديّة” إلى أهل السياسة مفادها: “أنتم تبحثون عن التوافق في الرئاسة، وعمّن يستطيع انتشال لبنان من أزمته الاقتصادية… ها أنا ما زلت جاهزاً”. وهذا يدلّ على أنّه على الرغم من كلّ ما حصل من إخفاقات نقدية اقتصادية ومن دعاوى وتحقيقات، ما يزال سلامة متمسّكاً بطموحاته للوصول إلى بعبدا، خصوصاً أنّ خطوة الهبوط المتعمّد للدولار تأتي في توقيت سياسي حرج وفي ظلّ فراغ في مؤسّستين دستوريّتين، إضافة إلى أنّها تدخل ضمن هامش “الكيد” السياسي الصرف ولا علاقة لها بالضرورات النقدية أو الاقتصادية، بل تبعث برسائل متناقضة مع “خطة التعافي”.
سيؤثّر هبوط سعر الدولار على خطة الإصلاح لأنّه يتنافى مع مطالب صندوق النقد الدولي الداعية إلى عدم التدخّل في السوق، وإنّما تحريره كليّاً، وعلى القدرة الشرائية للمواطنين التي ستتأثّر بشكل موجع
أمّا الجريمتان فهُما:
1- سيعود خفض سعر صرف الدولار 10 أو 5 أو حتى 3 آلاف ليرة لبنانية بالنفع على المضاربين والصرّافين لأنّهم سيكونون أول من يستطيع لمّ الدولارات من السوق قبل المواطنين العاديين، وقبل عودة سعر الصرف إلى الارتفاع، لأنّ هذه الخطوة ستترافق مع بداية تطبيق قرار “أوبك بلاس” الذي سيفضي إلى ارتفاع أسعار المحروقات (المرتفعة أصلاً)، وبالتالي إلى تحوّل الطلب على الدولار إلى طلبين: طلب الأفراد الذين سيتهافتون على استرداد دولاراتهم سريعاً لأنّهم يعرفون مسبقاً أنّها حقنة “بنج” لن تدوم، وطلب المستوردين لتلبية حاجة السوق إلى المحروقات من مازوت وبنزين.
2- سيؤثّر هبوط سعر الدولار على خطة الإصلاح لأنّه يتنافى مع مطالب صندوق النقد الدولي الداعية إلى عدم التدخّل في السوق، وإنّما تحريره كليّاً، وعلى القدرة الشرائية للمواطنين التي ستتأثّر بشكل موجع. فسلامة يعرف أنّ أسعار السلع تسير في منحى تصاعدي ولا تهبط مع هبوط سعر الصرف أبداً، وذلك نتيجة الفلتان في الأسواق وغياب الأجهزة الرقابية الحكومية. وهذا يعني أنّ ما كنتَ تشتريه من سلع بقيمة 100$ تساوي 4 ملايين ليرة لبنانية، لن تشتريه بـ3 ملايين ليرة ما دام سعر صرف الدولار 30 ألفاً لأنّ أسعار السلع ستبقى على سعر الصرف السابق 40 ألفاً، وربّما أكثر.
إقرأ أيضاً: سداد القروض السكنيّة: رائحة الفساد دائماً..
إن فعلها سلامة فسيغلّف جريمتَيْه المذكورتين أعلاه بقانون النقد والتسليف، وسيبرّرهما بأنّه يقوم بدوره ومسؤوليّاته في الحفاظ على سعر صرف الليرة، من خلال جمعه ما أمكن من الليرات اللبنانية التي انفلشت بشكل كبير في السوق باعتراف الجميع، لكنّ سلامة يعرف جيّداً أنّ الاستنسابية تكمن في التوقيت، وأنّه ما عاد يعمل في مجال النقد، وإنّما بالسياسة، والسياسة فقط.
