سوريا المؤامراتيّة!

مدة القراءة 3 د

فجأة، وبحجّة الذكرى الحادية عشرة للثورة السورية، التي كانت هي الثورة الحقيقية في ما سُمّي بالربيع العربي، تذكّر الغرب سوريا والأوضاع المأساوية فيها، لكن هل هذا التذكّر دليل اهتمام حقيقي؟

الإجابة الأكيدة: لا، فالغرب متقاعس ومتخاذل حيال الثورة السورية، وعلى رأس المتخاذلين الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، والإدارة الأميركية الحالية التي هي امتداد لأوباما، أو “الفترة الثالثة لإدارته”، كما يُقال تندُّراً.

فجأة، وبحجّة الذكرى الحادية عشرة للثورة السورية، التي كانت هي الثورة الحقيقية في ما سُمّي بالربيع العربي، تذكّر الغرب سوريا والأوضاع المأساوية فيها

تذكّر الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، سوريا الآن لأنّها إحدى مناطق النفوذ الروسي، وبعد حرب أوكرانيا بات الغرب يتتبّع كلّ شيء له علاقة بالروس، حتى الكافيار، لكنّ سوريا ليست كافياراً للغرب، ولا هي مهمّة من باب حقوق الإنسان التي يتشدّقون بها.

قبل أيّام أصدرت الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا بياناً مشتركاً حول سوريا لمناسبة الذكرى الحادية عشرة للثورة السورية، التي سمّوها حرباً أهليّة منذ اليوم الأوّل لاندلاعها!

يقول البيان: “حان الوقت للنظام وداعميه، بمن فيهم روسيا وإيران، بعد إحدى عشرة سنة من المعاناة والموت، أن يوقفوا هجومهم الوحشي على الشعب السوري. إنّ تزامن الذكرى السنوية مع العدوان الروسي المروّع على أوكرانيا يسلّط الضوء على سلوك روسيا الوحشي والمدمّر في كلا النزاعين”. ويضيف البيان: “نحن لا ندعم الجهود المبذولة لتطبيع العلاقات مع نظام الأسد، ولن نقوم بأنفسنا بتطبيع العلاقات، ولن نرفع العقوبات أو نموّل إعادة الإعمار حتى يتمّ إحراز تقدّم نحو الحلّ السياسي لا رجوع فيه”. وهذا هو موقف الاتحاد الأوروبي نفسه الآن.

 

وعليه فإنّ السؤال الآن هو: كيف يستطيع الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، اتّخاذ مواقف أكثر جدّيّة، وفق بيانهم، في سوريا؟ كيف يمكن تحقيق ما طالبوا به وواشنطن تفكّر في رفع العقوبات عن الحرس الثوري الإيراني، وفق الاتفاق النووي؟

كيف يمكن تحقيق أيّ تقدّم وسط قطيعة غربية كاملة مع روسيا، وسماحٍ لإيران بالعودة إلى المجتمع الدولي من دون شروط تُلزِمها الكفّ عن التوسّع والعدوان في المنطقة، وجميعنا رأينا كيف أعلن الحرس الثوري تبنّيه إطلاق 12 صاروخاً بالستياً على أربيل؟

أمرٌ لا يستقيم بالطبع، وهو دليل على مواقف ارتجالية وغير صادقة للغرب والولايات المتحدة اتجاه سوريا والكارثة التي تحلّ بالشعب السوري الواقع تحت عدوان روسي إيراني، إذ لا تحظى سوريا بأدنى درجات الاهتمام من قبل الغرب، ولا أقول مثل أوكرانيا.

نعم اليوم نحن أمام تعهّد أميركي غربي بأن لا دعم لجهود التطبيع مع النظام الأسديّ، ولا رفع للعقوبات، ولا تمويل لإعادة الإعمار، لكنّ سوريا التي نعرفها انتهت في المستقبل المنظور. وسوريا المتبقّية ليست سوريا الإيجابيّة كما يقول الأسد، بل “سوريا المؤامراتيّة”.

إقرأ أيضاً: كيف يفكّر الأسد الآن؟

وعندما نقول “سوريا المؤامراتية” ليس المقصود قدرة الأسد على العودة إلى ألاعيبه القديمة، بل إنّ سوريا ستصبح أفغانستان الثانية التي تنطلق منها مؤامرات إيران وروسيا اتّجاه الغرب وحلفاء الولايات المتحدة، كما كانت أفغانستان الملّا عمر وأسامة بن لادن.

سوريا التي نعرفها انتهت، لكنّ سوريا المؤامرات ضدّ الغرب وأميركا وحلفائهما بدأت الآن. فهل تحسّب الغرب لذلك؟ أشكّ.

مواضيع ذات صلة

حتّى لو لم يسقط النّظام

قبل أسبوعين فقط، كانت إيران تُصنّف كأهمّ قوّة صاروخيّة في المنطقة، مستندة إلى ترسانة، أجادت في استعراضها ومديح مزاياها. بيد أنّ الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة، جعلت…

سجال موسى-الرّاشد: اللَّبس العربيّ تجاه إيران (2)

استدرج السجال على منصّة “X” بين الأستاذين عمرو موسى وعبدالرحمن الراشد تفاعلاً عامّاً يكشف عن ذلك اللبس الذي استوطن مقاربة العالم العربيّ للحالة الإيرانيّة. لا…

الشّرق الأوسط بعد الحرب: إعمار أم سباق تسلّح؟

في خضمّ الضجيج اليوميّ للحرب، تُطرح الأسئلة المعتادة: من تقدّم؟ من خسر؟ إلى أيّ مدى يمكن أن تتّسع رقعة المواجهة؟ لكن وسط هذا الضجيج يضيع…

هرمز.. هرٌّ بمخالب مزدوجة

تُعتبر المضائق البحريّة شرايين حيويّة، سواء لناحية التجارة العالميّة أو للناحية الجيوسياسيّة والعسكريّة. بسبب موقعها الجغرافيّ، تتبوّأ هذه المضائق موقعاً مهمّاً للتحكّم في حركة ناقلات…