“الصندوق السياديّ”… أو مارسيدس “القطش”؟

مدة القراءة 3 د


بفضل الله وبحمده، أقرّ مجلس نوّابنا الموقّر قبل أيام، قانون “الصندوق السيادي”، الذي يُفترض به أن يحتفظ في خزائنه أموالاً ننتظرها أن تتأتّى من النفط والغاز الكامن في أعماق البحار (يا شماتة “توتال إنرجيز” فينا).
تلك الأموال ستتدفّق علينا عملات عملات، شي دولار وشي يورو وشي إسترليني، بينما القانون الذي أُقرّ أمس بعد جهدٍ مضنٍ، ومفاوضات طويلة ونقاشات، تناولت النسب المئوية لكيفية استثمار تلك الأموال، إن كان في الداخل أو في الخارج، إذ احتار السادة نوّاب الأمّة في أمرهم… فهل يُبقون المليارات كلّها في الداخل لاستثمارها في قطاعنا المصرفي الصنديد الذي يقذفون هيكلته منذ سنوات إلى اليوم؟ أم يستثمرون تلك الأموال في الخارج؟
فعلاً إنّه أمر محيّر. إذ لا يُحسد نوابنا على هذا المصاب (الله لا يجرّب حدا) الذي بقي معلّقاً حتّى تقدّم النائب “طاني” فرنجية، ابن المرشّح الرئاسي الدائم سليمان بيك فرنجية، باقتراح، وافق عليه السادة النواب بشبه إجماع.
الصيغة الأساسية في اقتراح القانون كانت تنصّ في مادّته الـ13 (رقم نحس… وحظّنا معروف) على أنّ نسبة استثمار أموال الصندوق في خارج لبنان يجب ألّا تقلّ عن 75% من مجموع أصول المحفظة وعائداتها. فعُدّلت تلك المادة وفق اقتراح النائب فرنجية، وأصبحت بفضل الله وبحمده: “لا تقلّ في الخارج عن 60% والحدّ الأدنى في الداخل 25%، أي ترك هامش 15% للاستثمار خارجياً أو داخلياً” (يا سلام).
سالفة النواب تلك أعادت بي الذاكرة إلى قصة طريفة عن جارنا الفقير أبي سامي، ذاك الرجل البيروتيّ الفقير، الذي استيقظ ذات صباح من يوم الأحد، وجلس يتجاذب أطراف الحديث وسفاسفه مع زوجته إمّ سامي، فأخبرها عن منام غريب أبصره في تلك الليلة، ويفيد بشرائه سيارة جديدة “خلنج” من الشركة.

أقرّ مجلس نوّابنا الموقّر قبل أيام، قانون “الصندوق السيادي”، الذي يُفترض به أن يحتفظ في خزائنه أموالاً ننتظرها أن تتأتّى من النفط والغاز الكامن في أعماق البحار

شرع أبو سامي المسكين يروي لزوجته تفاصيل تلك السيارة وزوائدها. أخبرها عن مارسيدس (السلام لاسمه) “قطش” لونها أبيض برّاق، ذات فرش جلدي أسود، ومرآة عريضة تكشف الرؤية الخلفية 180 درجة، مع “زمور” بحري ومصابيح صفر. أخبرها كذلك عن صندوقها (بس مش سيادي) ذي الموكيت الرمادي النظيف، و”طابون” بعفريت زيت (أعوذ بالله من غضب الله) ودولاب “سبير” بجنط 14… وعن تلك الرائحة التي تفوح من كلّ جديد.
بينما هو مأخوذ بالوصف، صرخ ابنه البكر (سامي) الذي كان يسترق السمع: “بابا أنا بدّي أقعد ع الشبّاك”.
سمعه أخوه الأصغر، فقال له: “لا لا …أنا ع الشبّاك”.

إقرأ أيضاً: كلمة “السياديّين” ما بتصير 2… 3 وطلوع

سمعته أخته، فصرخت هي الأخرى: “ماما… أنا ما بحبّ أقعد بالنصّ”.
دبّ الخلاف بين الأولاد وعلا صراخهم في أرجاء البيت، بعد أن “عكننوا” صبحيّة والديهما وكسروا الهدوء.
هنا اشرأبّت عينا الوالد الذي انفجر غضباً على أولاده، وقال لهم: “إنقبر انزال من السيارة إنت وإياه وليه كلب”!
… وهذا هو حال نوّابنا، تضربهم الحيرة حول كيفية استثمار أموال لم نرها إلّا في الأحلام.
قال دولة نفطية قال!

*هذا المقال من نسج خيال الكاتب

 

لمتابعة الكاتب على تويتر: abo_zouheir@

مواضيع ذات صلة

ترامب يختبر استعداد بزشكيان-عراقجي لتفاوض مباشر

برّر دونالد ترامب الأربعاء الماضي تأجيل الضربة الخاطفة التي كان يخطّط لها ضدّ ما بقي من مواقع قوّة في النظام الإيرانيّ بتوقّف القتل والإعدامات. مع…

الأردن خارج المحاور وداخل الخطر

في السياسة، لا تُقاس أهمية ما يقوله رئيس الوزراء بوضوح عباراته، بل بما تخفيه. وعند متابعة مقابلة رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان الأخيرة مع القناة…

جوزف عون يستعيد خطاب القسم من خاطفيه

ليست الإطلالة التلفزيونيّة لرئيس الجمهوريّة جوزف عون مع الإعلاميّ وليد عبود مقابلة رئاسيّة تقليديّة، ولا يمكن قراءتها في إطار التواصل الإعلاميّ الدوريّ لرئيس الجمهوريّة مع…

إيران: ثورة الأسئلة المفتوحة

ينظر المشاهد العربي إلى الاحتجاجات في إيران بشيء من الترقب الممزوج بالملل. هو مشهد يبدو كأنه إعادة متأخرة خمسة عشر عاماً لما عرف بالربيع العربي…