في الخطاب الذي قدّمه وزير الخارجيّة الإيرانيّ الأسبق وممثّل إيران في جلسة البرلمان الدوليّ منوشهر متّكي، ردّاً على ما جاء في كلمة ممثّل البرلمان البحرينيّ، الذي طالب بإدانة دوليّة للاعتداءات الإيرانيّة التي تعرّضت لها البحرين ودول مجلس التعاون الخليجيّ، والذي هدّد فيه بأنّ بلاده ستقوم باستهداف جميع مقوّمات البحرين الحياتيّة والسياديّة في حال تكرّرت الحرب على إيران، يتكشّف بوضوح أنّ النظام في إيران يعتمد أنماطاً مختلفة في مخاطبة دول هذا المجلس ويتبيّن مستقبل التعامل معها.
تمتدح هذه الأنماط الموقف العُمانيّ الإيجابيّ ورفضه السماح باستخدام القواعد الأميركيّة والغربيّة على أراضيه في الحرب التي تعرّضت لها إيران، ويقابلها نمط يتّسم بالكثير من التشدّد والاتّهام والاستعداء تجاه دول مثل الإمارات العربيّة المتّحدة والبحرين والكويت، ويحمل في طيّاته الكثير من التهديد والوعيد، انطلاقاً من اتّهامها بالمشاركة المباشرة إلى جانب واشنطن في الحرب، وتقديم تسهيلات واسعة للهجمات الإسرائيليّة ضدّها.
مقابل هذين النمطين، يظهر نمط آخر مختلف في التعاطي الإيرانيّ، أقلّ حدّة مع قطر مقارنة بالدول الثلاث السابقة، وأكثر ليونة واعتدالاً في مخاطبة المملكة العربيّة السعوديّة.
تعرف طهران، التي تدرك حجم الضرر الذي ألحقته بهذه الدول، وتحمّلها مسؤوليّة الوقوف إلى جانب الولايات المتّحدة الأميركيّة في حربها، بوضوح صعوبة ترميم العلاقات معها، وخاصّة بعد تراجع ثقة هذه الدول بالدور والتصرّفات الإيرانيَّين. وهو تراجع لم يبدأ في الأشهر الأخيرة، بل يشكّل مساراً تراكميّاً على مدى العقود الخمسة الماضية، ولم تُبدِ طهران أيّ حرص على تفكيك أسباب عدم الثقة أو تفسير ما تقوم به من تصرّفات وانتهاك لسيادة دول المنطقة، على الرغم من أنّ اتّفاق آذار عام 2023 بين الرياض وطهران برعاية صينيّة تضمّن بنداً واضحاً عن التزام جميع الأطراف باحترام سيادة الدول وعدم القيام بأيّ عمل يزعزع استقرارها وأمنها.
شكّل العراق في السنوات الماضية ساحة اختبار لقدرة واشنطن وطهران على نسج وعقد التسويات، التي كانت طهران تراهن على توسيعها
اللّعب على التّباينات
إذا كانت طهران تسعى في المرحلة المقبلة إلى إعادة صياغة علاقاتها الإقليميّة بناءً على مسار هذه الحرب، وبالاعتماد على ما قد تُسفر عنه مفاوضات إسلام آباد من تفاهمات بينها وبين واشنطن، فإنّ الواضح أنّ طهران تسعى إلى اللعب على التباينات الموجودة بين دول مجلس التعاون، ومحاولة النفاذ من خلالها بهدف إضعاف دور وموقع بعض هذه الدول لمصلحة تعزيز موقع دول أخرى.
إلّا أنّ المسلّمة الوحيدة في هذه المعادلة التي تحاول إيران الوصول إليها مع دول مجلس التعاون هي اعتراف طهران وقيادة نظامها بمحوريّة وفعّاليّة الدور السعوديّ على المستويات الإقليميّة والإسلاميّة والدوليّة، وإدراكها أنّ كلّ الجهود التي بذلتها في العقود الماضية لإخراج المملكة السعوديّة من المعادلات الإقليميّة والإسلاميّة اصطدمت بجدار صلب ومتين، ولم تنتج سوى الفشل.
ظهر بوضوح هذا الفشل المتراكم للطموحات السياسيّة والجيوسياسيّة والاستراتيجيّة للنظام الإيرانيّ، بداية من خلال المسار التفاوضيّ الذي انطلق مع الجانب الأميركيّ على الأراضي الباكستانيّة، إذ جاء تحرّك القيادة الباكستانيّة نتيجة إشارة وتنسيق مع الحليف الاستراتيجيّ السعوديّ، وهو ما جعل المملكة السعوديّة إحدى أهمّ الجهات الضامنة لأيّ اتّفاق قد تنتهي إليه هذه المفاوضات. ذلك لأنّ ضمانات قيادة إسلام آباد، على الرغم من كونها دولة نوويّة ومحوريّة في منطقة غرب آسيا وامتداداً إلى شرقها، تبقى ناقصة ما لم تحصل على دعم وضمانة سعوديَّين. هذا ما كشفته الجهود التي بذلتها الرياض لتطبيق وقف إطلاق النار في لبنان وإعادة فتح مضيق هرمز، بعدما حاولت طهران تجاوز الدور السعوديّ وتأثيره على الساحة اللبنانيّة.
جاء التعايش الأميركيّ–الإيرانيّ في العراق على حساب عمقه العربيّ، وبالتالي قد تعيد المرحلة المقبلة رسم موقع العراق في المعادلات الإقليميّة
إنّ العودة الإيرانيّة إلى الواقعيّة السياسيّة، عبر لجوئها إلى الرياض في ملفّ الحرب على لبنان، تعني بالدرجة الأولى اعترافاً إيرانيّاً بثقل وتأثير المملكة السعوديّة في المعادلات الإقليميّة والعربيّة والإسلاميّة والدوليّة، وأنّ اللعب على طموحات إخراجها من هذه المعادلات لن يجلب لطهران سوى المزيد من العزلة والحصار. وبالدرجة الثانية، سيكون على طهران استكمال هذه الواقعيّة وتوسيع دائرتها لتشمل كلّ الملفّات الإقليميّة والعربيّة العالقة بين الطرفين.
العراق ساحة تشابك
هنا تبرز الساحة العراقيّة، بما هي منطقة اشتباك وتشابك بين مصالح ثلاثة أطراف: الولايات المتّحدة والسعوديّة وإيران، وضرورة وضع آليّات تسوويّة تضمن مصالح هذه الأطراف في المرحلة المقبلة، بما يؤسّس لمسار إعادة نهوض العراق واستقراره، وقبل كلّ ذلك إعادة ترميم الثقة بقدرة الدولة العراقيّة وحكومتها ومؤسّساتها الرسميّة على فرض سيطرتها وهيبتها وسيادتها على القرار العسكريّ والأمنيّ والسياسيّ والاقتصاديّ.
شكّل العراق في السنوات الماضية ساحة اختبار لقدرة واشنطن وطهران على نسج وعقد التسويات، التي كانت طهران تراهن على توسيعها لتشمل ملفّات المنطقة كافّة. هذه التسويات هي التي ساعدت في إبعاد العراق عن دائرة التصعيد الواسع والمفتوح من قبل الإدارات الأميركيّة. إلّا أنّ هذا التعايش الأميركيّ–الإيرانيّ على هذه الساحة بات اليوم مطالَباً باستحقاقات أكثر جدّيّة، تفرض على بغداد، ومعها الفصائل والميليشيات الموالية لإيران، حسم الموقف بما يؤدّي إلى تحرير الدولة العراقيّة من هيمنة هذه الفصائل، وتعزيز دور المؤسّسات الرسميّة الأمنيّة والاقتصاديّة والسياسيّة واستقلاليّتها.
جاء التعايش الأميركيّ–الإيرانيّ في العراق على حساب عمقه العربيّ، وبالتالي قد تعيد المرحلة المقبلة رسم موقع العراق في المعادلات الإقليميّة، لا سيما في ما يتعلّق بعلاقته مع هذا العمق، وهو ما يفرض على إيران وحرسها الثوريّ تقديم تنازلات واضحة وكبيرة من أجل إعادة التوازن بين النفوذ الإيرانيّ وعودة الدور العربيّ.
تبرز الساحة العراقيّة، بما هي منطقة اشتباك وتشابك بين مصالح ثلاثة أطراف
إذا كانت طهران، خلال أيّام الحرب الأربعين، لم تُبدِ حرصاً على التخفيف من حدّة النقمة لدى بعض دول مجلس التعاون نتيجة الضربات التي تعرّضت لها انطلاقاً من الأراضي العراقيّة من قبل الفصائل والميليشيات الموالية لها، لا سيما تلك التي استهدفت الكويت والإمارات والبحرين، فإنّها أبدت في المقابل حرصاً كبيراً على لجم هذه الفصائل عن استهداف العمق السعوديّ، في محاولة لإبعاد العلاقة بين الرياض وبغداد عن تداعيات الحرب وعمّا تقوم به طهران من ضربات قالت إنّها كانت تستهدف مواقع عسكريّة أميركيّة حصراً.
إقرأ أيضاً: لبنان بين الثّابت السّعوديّ والمتحوّل الإيرانيّ (1/2)
إنّ الحرص الإيرانيّ على طمأنة الرياض من ناحية خاصرتها العراقيّة قد يترجَم مستقبلاً بمستوى جديد من التعاون الإيرانيّ–السعوديّ في الملفّ العراقيّ والملفّات العربيّة الأخرى، بهدف إعادة بناء آليّات تعامل مختلفة تقوم على الاعتراف بدور وثقل وموقع كلّ طرف، من دون أن يكون ذلك على حساب مصالح أيٍّ منهم الاستراتيجيّة، وبما يسمح لطهران بتمرير الانحناءة التي قامت بها أمام العاصفة الأميركيّة، والإقرار بالحاجة إلى المملكة السعوديّة ضامناً للاستقرار، ومعبراً لاختبار النوايا الإيرانيّة في نظرتها إلى العراق: هل يبقى ساحة لتصفية الحسابات أم يتحوّل إلى جسر تواصل يفرض إعادة تعريف موقع ودور ونفوذ أذرعها العسكريّة فيه؟
