حرب الأجندات المستحيلة

مدة القراءة 5 د

لا يعرف صنّاع هذه الحرب، ولو على وجه التقريب، متى تنتهي وكيف، مع أنّهم يعرفون لماذا أشعلوها.

 

المشتبكون مباشرةً فيها: إيران المُعتدى عليها، وإسرائيل المحرّض والمؤثّر في قرار واشنطن إطلاقها والتوغّل فيها، وأميركا عرّابتها من الألف إلى الياء، وأمّا باقي العالم الذي وإن اتّحد على الخوف من تداعياتها، فهو مختلفٌ على تحديد الاصطفافات فيها، ورؤية ما سينجم عنها أثناء اشتعالها وبعد أن تضع أوزارها.

هي حربٌ بين قوّتين تمتلكان قدراتٍ هائلةً في التأثير على الحياة الدوليّة أمنيّاً واقتصاديّاً، الطرف الأضعف فيها قياساً بالإمكانيّات العسكريّة والتقنيّة والتحالفيّة هي إيران، التي توغّلت على نحوٍ مبكرٍ في صراعٍ مع أميركا وإسرائيل، وراودها منذ انتصار ثورة الخمينيّ نزوعٌ نحو نفوذٍ إقليميٍّ مهيمنٍ في منطقةٍ لا تعاني من فراغٍ ينتظر من يملؤه، بقدر ما تعاني من ازدحامٍ فوضويٍّ لقوىً محليّةٍ وخارجيّة، تتصارع فيما بينها، امتداداً للحرب الكونيّة المسمّاة بالباردة بين قطبَي العالم آنذاك، أميركا وحلفها، والاتّحاد السوفيتيّ وحلفه المقابل، ولم يكن الشرق الأوسط بمنأىً عن استقطاباتها.

أجندة مستحيلة

اندفعت ثورة الخمينيّ بتأثيرٍ من انتصارها المدوّي على نظام الشاه، وبترحيب شعوب المنطقة بفعل رهانٍ تلقائيٍّ لا يخلو من تبسيط على انتصارها على الحليف الأساسيّ لإسرائيل الذي سيكون حتماً انتصاراً على إسرائيل ذاتها، وكانت تلك الاندفاعة مصحوبة بارتجالاتٍ غير محسوبةٍ نحو صراعٍ مباشرٍ مع دول المنطقة عناوينه تصدير الثورة، وكانت الدول الأكثر ترشّحاً لتلقّي النتائج هي الجارة العراقيّة ودول الخليج.

الحرب

عنوانٌ آخر حظي بجاذبيّةٍ شعبيّة هو طرد الشيطان الأكبر أميركا من المنطقة، وعناوين من هذا النوع لا يصلح معها سوى رفع شعار تحرير فلسطين بإبادة إسرائيل.

مرّ نصف قرنٍ على هذا التطوّر الدراماتيكيّ الذي أتت به ثورة الخمينيّ، وكان بمنزلة حجر أساسٍ لأجندةٍ مستحيلةٍ لكن ظلّت مهيمنةً على التفكير والسلوك طوال حكم الثورة حتّى أيّامنا هذه.

في التاريخ المعاصر، ما دخلت أميركا حرباً إلّا وسيطرت في أيّامها الأولى، لكنّها تعود إلى نقطة الصفر في يومها الأخير

غنيٌّ عن الاستفاضة في سرد الوقائع أنّ الحرب التي خاضتها إيران مع العراق كانت محطّة استنزافٍ كبرى لمقدّرات بلدٍ كانت أنهكته الصراعات الداخليّة التي اشتعلت مباشرةً بعد سقوط الشاه.

تهيمن على الشرق الأوسط حالةٌ مضلّلةٌ لكلّ من يتطلّع إلى السيطرة عليه أو تعظيم نفوذه فيه، ذلك أنّ صراعات كياناته، داخليّةً كانت أم بينيّةً أم خارجيّة، بقدر ما تحمل من إغراءاتٍ للاستثمار فيها، تحمل في الوقت ذاته عوامل استنزافٍ مهلكة لمن يذهب إليها، ويكفي للدلالة على ذلك حقيقة أن لا حرب نشبت فيه أنتجت خلاصاتٍ سياسيّة حاسمة، بل إنّ الحروب الكثيرة التي نشبت فيه دفع كلّ من توغّل فيها أثماناً باهظةً دون تحقيق أهدافه.

لا تزال أجندة إيران مستحيلة التحقّق، وبعد نصف قرنٍ من تأسيس أجندة النفوذ وما أُنفق عليها وما مُنيت به من خسائر، ها نحن نرى ما نرى من الحال الذي تردّت إليه.

أجندة إسرائيل وأميركا، مع الفارق الضوئيّ في الإمكانات العسكريّة والاقتصاديّة والتقنيّة بين الشريكين وإيران، تقوَّم منطقيّاً وموضوعيّاً من خلال رزمة الأهداف التي أُعلنت سبباً للحرب، وشرطاً لإنهائها. فهي وإن أظهر التفوّق العسكريّ تقدّماً نحوها، وهُيّئ لشريكَي الحرب أميركا وإسرائيل أنّها في سبيلها إلى الحسم النهائيّ، فإنّ أمراً كهذا يقرّره اليوم التالي. تقول الوقائع الدامغة إنّ أميركا وإسرائيل وإن تمكّنتا من تحقيق إنجازاتٍ عسكريّةٍ على صعيد القتل والتدمير، تخفقان دائماً في التعامل مع اليوم التالي.

لا يعرف صنّاع هذه الحرب، ولو على وجه التقريب، متى تنتهي وكيف، مع أنّهم يعرفون لماذا أشعلوها

الاستعداد لحرب جديدة

في التاريخ المعاصر، ما دخلت أميركا حرباً إلّا وسيطرت في أيّامها الأولى، لكنّها تعود إلى نقطة الصفر في يومها الأخير. لنأخذ مثلاً فيتنام وأفغانستان. وكذلك الأمر بالنسبة لإسرائيل التي لم تتوقّف عن الحروب منذ تأسيسها، وكانت تحقّق نتائج عسكريّة لا جدال في قوّتها، إلّا أنّها كانت تفشل في معالجة اليوم التالي. حدث ذلك في عام 1967، حين اتّسع احتلالها العسكريّ ليبلغ عشرات أضعاف مساحتها، ويشمل عشرات أضعاف عديد سكّانها. ها هو الدرس يتكرّر في غزّة، حيث حرب إبادةٍ شاملةٍ أنجزت إسرائيل الجزء الأكبر منها، لكنّها لا تزال عاجزةً عن استكمالها بحسمٍ سياسيٍّ عنوانه ومضمونه تصفية القضيّة الفلسطينيّة وحكم الشرق الأوسط.

حين نقول إنّها حرب الأجندات المستحيلة فذلك لأنّ ما ينبغي أن يُنظر إليه ليس كم قتلت إسرائيل وأميركا وكم دمّرتا في جميع حروبهما، وخصوصاً الحاليّة منها، وإنّما ما سيحدث بعد أن تضع الحرب العسكريّة أوزارها، حين سيجد الشريكان نفسيهما وجهاً لوجه مع حقائق اليوم التالي وابتعادها عن نصرهما المطلق الذي وضعاه هدفاً أكيداً للحرب، وحين يكتشفان أنّ في المنطقة شعوباً ودولاً وإمكانيّاتٍ وتحدّياتٍ أكبر بكثيرٍ من قدرتهما على التحكّم بها وتقرير مصائرها.

إقرأ أيضاً: واشنطن وتل أبيب: حرب واحدة… ونهايتان مختلفتان

ليس أمامهما في هذه الحالة سوى تغيير الأجندة نحو خياراتٍ أكثر واقعيّةً وتوازناً. إن فعلتا ذلك فسيكونان قد أراحتا واستراحتا، وإن لم تفعلا فلا مناصّ من الاستعداد لحربٍ جدي دة.

مواضيع ذات صلة

الاختبار الأصعب: الداخل التركي يطالب بالرّد على إيران؟

تعيد الحرب الدائرة على إيران اليوم، بشقّها الإقليميّ، اختبار واحد من أقدم التوازنات السياسيّة في الشرق الأوسط، وهو العلاقات التركيّة – الإيرانيّة. على الرغم من…

نعيم قاسم: سرديّة “النّصر” الإيرانيّ

هو الأسلوب الإيرانيّ نفسه وقد انتقل إلى لبنان: قتالٌ من دون التفات إلى موازين القوى، ومن دون مبالاة بالخسائر، مع التشبّث بسرديّة النصر، وما يترتّب…

الشّرع للجميّل: النّدّيّة والسّيادة صارتا وراءنا

ثلثا عمر سوريا المستقلّة حكمهما بيت الأسد وحدهم. بانتهاء عصرهم بات كلّ كلام عنها يسمّيها سوريا الجديدة. ما قبل بيت الأسد في حكمها، كان مألوفاً…

نتنياهو و”الحزب”: رفض فصل حرب لبنان عن إيران

احتاطت إسرائيل لإمكان أن يفاجئها دونالد ترامب بوقف الحرب على إيران، فأعلنت أنّ هذا الخيار لا ينطبق على لبنان، حيث ستواصل حملتها العسكريّة ضدّ “الحزب”….