في معظم الاستحقاقات التي فرضتها الحرب على الجبهة الجنوبية، بدا القرار اللبناني وكأنه يلحق بالأحداث بدل أن يسبقها. حصل ذلك في آلية الـMechanism التي تأخر لبنان في التعامل معها، وتكرر في قرارات حكومية عدة جاءت بعد تصاعد العمليات العسكرية. واليوم يتكرر المشهد مع المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية جوزاف عون، الداعية إلى هدنة شاملة يعقبها مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل برعاية دولية. غير أن المشكلة لا تكمن في مضمون المبادرة، بل في توقيتها، إذ تأتي في لحظة يبدو فيها الميدان هو الذي يحدد إيقاع السياسة، لا العكس.
مبادرة متأخرة ولا ثقة دولية
تقوم المبادرة التي طرحها عون على هدنة كاملة ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، مقابل انتشار القوى المسلحة اللبنانية في مناطق التوتر ومصادرة السلاح، وصولاً إلى إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية. لكن هذه الصيغة تصطدم بواقع الحرب القائم.
فإسرائيل التي تصعّد عملياتها العسكرية لا تبدي أي استعداد للدخول في مفاوضات حالياً، بل تكرر في رسائلها أن هدفها هو إنهاء تهديد الحزب قبل أي مسار سياسي. وفي المقابل، يرفض الحزب أي حديث عن تفاوض في ظل استمرار الغارات، معتبراً أن الكلام الآن هو للميدان لا للسياسة.
يأتي التطور العسكري الأخير ليعكس هذا الاتجاه. فقد أفادت القناة 15 الإسرائيلية بأن القيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي تستعد لإدخال الفرقة 162 للعمل بشكل مستقل داخل لبنان. ميدانياً، يحمل هذا التطور دلالات واضحة على احتمال توسيع العمليات البرية أو تنفيذ توغلات عسكرية أعمق وأكثر استقلالية، إذ تُعد هذه الفرقة من التشكيلات المدرعة الأساسية في الجيش الإسرائيلي والتي شاركت في معارك برية واسعة في غزة. وإدخالها إلى الجبهة اللبنانية يعني أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ترفع مستوى الجهوزية لمرحلة عملياتية جديدة، ما يعزز فرضية أن التصعيد العسكري لا يزال في بداياته، لا في نهاياته.
تقوم المبادرة التي طرحها عون على هدنة كاملة ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، مقابل انتشار القوى المسلحة اللبنانية في مناطق التوتر ومصادرة السلاح، وصولاً إلى إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل
مبادرة ساقطة حكماً
إلى جانب التوقيت، تطرح المبادرة إشكالية أخرى تتعلق بقدرتها الفعلية على أن تتحول إلى مسار قابل للتنفيذ. فالرئيس يطلب عملياً وقف الحرب وانسحاب إسرائيل، على أن تتولى الدولة اللبنانية في المقابل حصر السلاح وانتشار القوى الشرعية في الجنوب. لكن هذه المعادلة تفترض وجود ثقة دولية بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ تعهداتها.
هذه الثقة تبدو اليوم غائبة. فبعد عام على انتخاب رئيس الجمهورية، لم تنجح السلطة اللبنانية بعد في إقناع المجتمع الدولي بقدرتها على الإمساك الكامل بالوضع الأمني في الجنوب أو فرض سيادة الدولة على كامل أراضيها. لذلك تبدو المبادرة وكأنها محاولة طرح حلول سياسية في لحظة تتقدم فيها الوقائع العسكرية بسرعة أكبر بكثير من قدرة هذه المبادرة على مواكبتها.
انطلاقاً من هنا، يفسر كثير من الدبلوماسيين هذا الطرح باعتباره مبادرة متأخرة زمنياً وعملياً، إذ كيف يمكن مطالبة إسرائيل بوقف الحرب والانسحاب في وقت لا يملك لبنان فيه الضمانات الكافية لتنفيذ الشق المقابل من المعادلة؟ وهو ما يجعل المبادرة أقرب إلى إعلان موقف سياسي مضمونها استثنائي ينقصها القدرة على تنفيذها.
حرق المراكب مع الحزب
في خلفية المبادرة أيضاً تصعيد سياسي واضح في علاقة رئيس الجمهورية بالحزب. فخطاب عون الذي حمّل إطلاق الصواريخ مسؤولية محاولة “شراء سقوط دولة لبنان” لخدمة حسابات النظام الإيراني”.
المؤشرات المتداولة في الكواليس الدبلوماسية تشير إلى أن الحزب سيكون هذه المرة معنياً بشكل مباشر ولصيق بأي مسار تفاوضي مرتبط بوقف الحرب أو بترتيبات “اليوم التالي”
هذه المواجهة تأتي في لحظة حساسة بالنسبة للعهد نفسه. فالرئيس الذي لا يزال في العام الأول من عهده، يواجه منذ الأشهر الأولى تحديات كبيرة تتعلق بقدرته على استعادة ثقة الداخل والخارج بالدولة اللبنانية. داخلياً، بدا وكأنه يريد حرق مراكبه مع الحزب الذي يتراجع تمثيله لطائفته ولو ببطءٍ شديد لكن لا يمكن تجاوزه في أي معادلة سياسية. وخارجياً لم ينجح حتى الآن في إقناع المجتمع الدولي بقدرته على إدارة التوازنات الأمنية المعقدة التي تفرضها الحرب.
لذلك، فإن أي مسار تفاوضي محتمل في مرحلة لاحقة، إذا ما نضجت ظروفه، سيجد نفسه أمام واقع مختلف. فالمؤشرات المتداولة في الكواليس الدبلوماسية تشير إلى أن الحزب سيكون هذه المرة معنياً بشكل مباشر ولصيق بأي مسار تفاوضي مرتبط بوقف الحرب أو بترتيبات “اليوم التالي”، لا مجرد طرف غير مباشر كما حصل في مراحل سابقة. وعنوان مراقبته أو مشاركته أن المبادرة التي طرحها عون اليوم لن تكون أساساً فعلياً لأي تسوية مقبلة.
لا إقالة لقائد الجيش
بالتوازي مع النقاش السياسي الدائر حول أداء المؤسسات في ظل الحرب، يبرز في الكواليس حديث عن تقييم دولي لأداء قيادة الجيش. وتشير معطيات دبلوماسية إلى وجود ملاحظات دولية على أداء قائد الجيش لاسيما بعد البيان الذي صدر عن القيادة بعد الإنزال الإسرائيلي في البقاع.
إقرأ أيضاً: الضاحية والجنوب والبقاع… غزّة ثانية
لكن هذه الملاحظات لا تعني نضوج أي قرار بإقالته. فالموقف الدولي يكاد يكون موحداً على قاعدة أساسية: لا يتم تغيير القادة العسكريين خلال الحروب. ولذلك لم تصل إلى بيروت أي رسائل رسمية تطالب بإقالة قائد الجيش، لأن الأولوية بالنسبة إلى العواصم المعنية تبقى الحفاظ على استقرار المؤسسة العسكرية في ظل ظروف أمنية شديدة التعقيد.
السياسة تحت إيقاع الحرب
وحدها فرضية انتهاء الحرب بشكل كامل يمكن أن تغيّر هذا المشهد. لكن هذه الفرضية لا تزال بعيدة في ظل استمرار التصعيد، ومع دخول تشكيلات عسكرية جديدة إلى المعركة وغياب أي حلول وسط حتى الآن. وفي انتظار أن تتضح صورة النهاية، يبدو أن السياسة في لبنان ستبقى محكومة بإيقاع الحرب، حيث لا مبادرة تعلو فوق صوت هدير الغارات.
لمتابعة الكاتب على X:
