في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القرارات بالقدرة الفورية على تنفيذها، بل بما تُحدثه من تغيير معنوي وسياسي مؤكد وعميق. هكذا يمكن قراءة قرار الحكومة اللبنانية بحظر النشاط العسكري والأمني للحزب. خطوة تتجاوز حدود الإجراء الإداري لتصل إلى مستوى إعادة إنتاج لبنان على نحو مغاير ومختلف.
هذا القرار، بكل ما يحمله من دلالات، لم يكن وليد لحظة عابرة أو توازنات سطحية، بل نتيجة تلاقي ثلاثة أدوار سياسية أساسية شكلت مجتمعة لحظة مفصلية في المشهد السياسي.
أول هذه الأدوار وأهمها بلا منازع يعود إلى الرئيس نبيه بري. فموافقته على قرار الحظر، يعني رفع الغطاء السياسي الذي شكّل لسنوات أحد أهم عناصر قوة الحزب داخل النظام اللبناني، والغطاء هنا لا يقل أهمية عن القوة العسكرية نفسها. وبسحبه سدد بري ضربة مزدوجة، وأظهر أنه يحترف الوطنية اللبنانية بالتراكم، لا بالضربات القاضية.
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القرارات بالقدرة الفورية على تنفيذها، بل بما تُحدثه من تغيير معنوي وسياسي مؤكد وعميق
تحول سياسي عميق؟
الضربة الأولى داخل البيئة الشيعية نفسها. فتبني القرار يعرّي الحزب أمام جمهوره ويضعه في موقع المسؤول عن الحرب التي أثقلت كاهل لبنان ودفعت البلاد إلى حافة الانهيار. كما ويضرب كل الروايات المضادة التي يسوقها الحزب ضمن شارعه، ما يعني أن النقاش الحقيقي بدأ يتحول من منطق الدفاع إلى منطق المساءلة.
أما الضربة الثانية فهي موجهة نحو إيران. فالحزب يُعدّ بالنسبة إلى طهران أهم أدوات نفوذها الإقليمية، والركيزة الأساسية لحضورها في لبنان. عندما يوافق بري على خطوة تُجرد الحزب من الغطاء السياسي، فهو في الواقع يوجّه صفعة واضحة إلى مشروعها، ويعلن عملياً أن هذا النفوذ لم يعد يتمتع بالقدرة نفسها على التحكم بمسار القرار اللبناني، ولا بالمونة عليه شخصيًا، إن عبر قنوات الترهيب أو عروض الترغيب.
لكل ذلك وأكثر، لم يكن موقف بري تفصيلاً تقنياً في قرار حكومي عابر، بل تحوّلاً سياسياً عميقاً، وهو يعني في ما يعني أن سنوات العسل بين الثنائي باتت ماضيًا مضى، وأن الهامش السياسي أخذ يتوسع بالتوازي مع تقلّص قدرة الحزب.
قرار غير مسبوق
الشخصية الثانية في هذه اللحظة السياسية هي الرئيس نواف سلام. الرجل ظهر في هذه المحطة بصورة مختلفة عن الصورة التقليدية لرؤساء الحكومات، الذين غالباً ما كانوا يفضلون إدارة التوازنات بدلاً من كسرها.
ففي لحظة شديدة الحساسية، اتخذ سلام قراراً يعد من أكثر القرارات جرأة في تاريخ الحكومات منذ اتفاق الطائف. وما ميّز أداء سلام أنه بدا صلباً وواثقاً في لحظة كان كثيرون يتوقعون فيها التراجع أو التردد. القدرة على اتخاذ قرار استراتيجي في ذروة التوتر الإقليمي والداخلي تحتاج إلى مستوى عالٍ من الجرأة السياسية، وهذا ما أظهره نواف داخل الجلسة وخارجها.
في لحظة شديدة الحساسية، اتخذ سلام قراراً يعد من أكثر القرارات جرأة في تاريخ الحكومات منذ اتفاق الطائف
الشخصية الثالثة كانت الرئيس جوزف عون. فخلال الفترة الماضية، ظن كثيرون أن الرجل يميل إلى سياسة المسايرة أو إدارة التوازنات بهدوء. لكن التطورات الأخيرة أظهرت انتقاله المتدرج والثابت من موقع التهدئة إلى مواضع الحسم، حيث إن مواقفه في الأشهر الأخيرة شهدت تصعيداً واضحاً في نبرتها تجاه الحزب، وجاء قرار الحكومة ليؤكد أن هذا التحول لم يكن مجرد خطاب سياسي، بل جزء من مقاربة جديدة مختلفة تماماً عن المقاربات السابقة.
خطوة تأسيسية
هذا التلاقي الذي لامس حدود الانسجام من الرؤساء الثلاثة هو ما منح القرار وزنه الحقيقي، وهو ما أعطاه بُعده الوطني الجامع، وأجهض إمكانية التحريض أو التصويب عليه، كونه ارتكز إلى أرضية صلبة باتت تُجسدها الدولة اللبنانية على نحو متماسك.
إقرأ أيضاً: وليد جنبلاط يخوض المعركة القاتلة
حتى لو لم تكن هناك قدرة فورية على تنفيذ القرار بكل تفاصيله، فإن مفاعيله السياسية والمعنوية بدأت بالفعل. فالحزب، بموجب هذا القرار، لم يعد قوة مسلحة تعمل في هامش الدولة، بل أصبح في موقع الخارج عن الدولة والدستور والقانون.
هذا التحول الكبير ليس تفصيلاً، وليس مجرد محطة عابرة في الصراع الداخلي، بل خطوة تأسيسية لمرحلة مختلفة تماماً بعد سنوات من الانتظار الطويل، وهي مرحلة بدأت تميل بوضوح نحو قيام الدولة، حتى لو كانت الطريق لا تزال في بدايتها، لكن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه قد اتخذت بالفعل.
لمتابعة الكاتب على X:
