رسائل انخراط محدود: أين اختفى حلفاء إيران؟

مدة القراءة 6 د

تواجه إيران اليوم اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليميّة، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها.

 

لم تعد أذرع إيران في لبنان، العراق، سوريا واليمن أدوات فعّالة بالقدر الذي كانت عليه سابقاً، بفعل الخسائر العسكريّة المستمرّة والضغوط الشعبيّة، والتغيّرات في التحالفات الإقليميّة. وفي الوقت نفسه، يضع هذا الواقع حلفاء إيران أمام خيارات صعبة: الانكفاء التدريجيّ، محاولة نيل الدعم غير المباشر عبر عمليّات محدودة، أو البحث عن إعادة تموضع استراتيجيّ بعيداً عن المظلّة الإيرانيّة.

يجري كلّ هذا كرحلة على حافة الجرف بين الحماسة والمجازفة، حيث كلّ تحرّك قد يقرّب أو يباعد، ويحدّد مستقبل العلاقة. هو اختبار ملحّ ينتظر الجانبين.

تواجه إيران اليوم اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليميّة، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها

استغلال الفراغ

بنت إيران على مدار عقود شبكة من التحالفات العسكريّة والسياسيّة والدينيّة في منطقة الشرق الأوسط، مستفيدة من الفراغات الأمنيّة والسياسيّة والنفوذ المذهبيّ لتعزيز قوّتها الإقليميّة. كان من المتوقّع أن يتحرّك حلفاؤها بشكل أكثر حماسة على الجبهات في مواجهة التصعيد الأميركيّ – الإسرائيليّ، لكنّ الوقائع أظهرت محدوديّة هذا الدعم.

يعكس غياب الأدوات الإيرانيّة عن المواجهة تراكماً من العوامل العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي تجعل أيّ انخراط مباشر محفوفاً بالمخاطر، بدءاً من الضربات الإسرائيليّة الموجعة، مروراً بالتحدّيات السياسيّة والاجتماعيّة والماليّة التي تواجه هذه الفصائل، وصولاً إلى التغيّرات في التوازنات الإقليميّة التي حدّت من هامش المناورة الإيرانيّة. حتّى حليفا إيران الاستراتيجيّان، روسيا والصين، أظهرا تحفّظات كبيرة على استمرار طهران في سياسة دعم الشركاء، التي كانت من بين أسباب المواجهة العسكريّة الحاليّة مع إسرائيل وأميركا.

يُبرز الماضي الاستراتيجيّ لطهران نمطاً واضحاً في استغلال الفراغات لتعزيز الهيمنة عبر أدواتها، بدءاً من لبنان في الثمانينيّات، مروراً بالعراق بعد سقوط نظام صدّام حسين، حتّى سوريا واليمن في العقدين الأخيرين. لكنّ هذه الفرص لم تعد ممكنة كما كانت.

تواجه إيران اليوم تحدّياً حقيقيّاً في قراءة المشهد الإقليميّ وإعادة ترتيب التحالفات بما يتوافق مع الواقع الجديد الذي يفرضه تجاهل الحلفاء التقليديّين لما تتعرّض له من ضغوط أميركيّة وإسرائيليّة متزايدة وتحوّلات في أولويّات الدول الإقليميّة الفاعلة.

أمام هذه المعطيات، تقلّصت خيارات إيران على مستوى السيناريوات الاستراتيجيّة: التصعيد المباشر محفوف بالمزيد من الخطر، الدعم المباشر وغير المباشر للأذرع محدود الأثر، ومحاولات نقل التوتّر إلى ساحات إقليميّة أوسع تعكس إدارة أزمة أكثر ممّا تعكس قدرة على توسيع رقعة التأثير.

من هنا تراجع تحالفات إيران في المنطقة يضعها أمام مفترق استراتيجيّ: إمّا انكفاء تدريجيّ باتّجاه تثبيت موقعها الدفاعيّ، أو محاولة القفز إلى الأمام عبر إعادة تموضع أوسع قد تحمل الكثير من الغموض والسير في المجهول.

أظهرت المتغيّرات العسكريّة على الجبهات حدود الرهان الإيرانيّ على الدعم الروسيّ والصينيّ. لم ترتقِ العلاقات المتقدّمة مع موسكو وبكين إلى مستوى تحالف دفاعيّ ملزِم قادر على توفير حماية استراتيجيّة عند الحاجة. من هنا تواجه طهران بمفردها إلى حدّ كبير التصعيد الأميركيّ – الإسرائيليّ، فحسابات المصالح الثنائيّة والإقليميّة لدى شركائها تتقدّم على أيّ التزام سياسيّ أو عسكريّ مباشر.

في المقابل، تحدّ التحوّلات في العلاقات الإقليميّة، بما في ذلك مسارات التقارب بين أنقرة والرياض والقاهرة وإسلام آباد، من قدرة إيران على مواصلة استغلال الفراغات الجيوسياسيّة التي استفادت منها لعقود. تتّجه بيئة الإقليم تدريجاً نحو تنسيق أكبر بين القوى، وهو ما يضيّق هامش المناورة أمام التعويل على التمسّك بورقة الأذرع.

بنت إيران على مدار عقود شبكة من التحالفات العسكريّة والسياسيّة والدينيّة في منطقة الشرق الأوسط، مستفيدة من الفراغات الأمنيّة والسياسيّة والنفوذ المذهبيّ لتعزيز قوّتها الإقليميّة

تغيير الاستراتيجيات

تكشف المتغيّرات المتلاحقة على الأرض نمطاً متشابهاً من التراجع التدريجيّ لدور إيران وأدواتها. في العراق تتزايد الضغوط الداخليّة والدوليّة، مقلّلةً من قدرة طهران على توظيف فصائلها المسلّحة بفعّاليّة. وفي لبنان، تواجه شبكة التحالفات الإيرانيّة تحدّيات تقلّص هامش حركة “الحزب”، فيما تبدو الساحة اليمنيّة أقلّ قدرة على أداء دور ورقة الضغط بفعل الاستنزاف المستمرّ والتصعيد العربيّ والإقليميّ. أمام هذا الواقع، تتقلّص خيارات إيران ليصبح دورها في رسم السياسات الإقليميّة أقلّ تأثيراً وأكثر إدارة للأزمات بانتظار ما هو مقبل.

لم يعد النموذج الإيرانيّ القائم على الأدوات المذهبيّة والميليشيات واستعراض القوّة العسكريّة فعّالاً في بيئة إقليميّة تتّجه نحو تعزيز دور الدولة والرقابة على الفاعلين غير الحكوميّين. قد لا يكون ما نشهده تراجعاً تكتيكيّاً وحسب، بل بداية تحوّل استراتيجيّ يطال العقيدة التشغيليّة الإيرانيّة نفسها.

ما ستفعله إيران هو محاولة الانتقال من مرحلة “الاستخدام الصاخب للأذرع” إلى مرحلة “النفوذ الهادئ” عبر تحويل هذه الأدوات من قوى قتاليّة مباشرة إلى فرص تأثير سياسيّ وأمنيّ أكثر مرونة وقابليّة للتكيّف مع البيئة المحليّة والإقليميّة. وهو ما قد يسمح لطهران بالحفاظ على موقعها الاستراتيجيّ دون الانجرار إلى مواجهات مكلفة بعد الآن. سيكون الأمر أشبه بعمليّة جراحيّة حقيقيّة في السياسات والممارسات لا عمليّة تجميل ينتهي مفعولها سريعاً.

إقرأ أيضاً: انهيار النظام الإيرانيّ حتميّ… وهذه مؤشّراته

تواجه إيران اليوم مرحلة مفصليّة. بعد سقوط منظومة تحالفاتها وشراكاتها في المنطقة، أصبح من المحتّم عليها تحديث خياراتها واتّخاذ خطوات جذريّة تشمل مراجعة سياساتها وإعادة ترتيب أوراقها الاستراتيجيّة، وربّما البحث عن تقارب مع قوى فاعلة ومؤثّرة مثل أنقرة والرياض والقاهرة.

تمثّل اللحظة اختباراً حقيقيّاً لاستراتيجيات إيران القديمة وقدرتها على مواجهة متطلّبات أكثر واقعيّة. تعيش إيران اليوم واقعاً يخالف كلّ حساباتها، وقد يحوّل نفوذها الجغرافيّ إلى عبء استراتيجيّ عليها يحسم المواجهة قبل أن تبدأ إذا لم تعالج خياراتها بسرعة وذكاء.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

موسكو والحرب: الوجود الأميركيّ لم يحمِ الخليج

مثلما تورّطت إيران وإسرائيل في حرب روسيا مع أوكرانيا، بانحياز كلّ منهما تباعاً، الأولى لموسكو بتزويدها بالمسيّرات، والثانية بمنحها كييف أسلحة، تنظر القيادة الروسيّة إلى…

فخامة الرّئيس…. ” مش ماشي الحال”

قبل الدخول في حيثيّات الحكم الصادر عن المحكمة العسكريّة أمس بقضيّة عناصر “الحزب” الثلاثة الذين تمّ توقيفهم خلال نقلهم لأسلحة وصواريخ غير مرخّصة، والذي فرض…

برّي “يحفر” بالتراكم وسلام باستثنائية جرأته..

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القرارات بالقدرة الفورية على تنفيذها، بل بما تُحدثه من تغيير معنوي وسياسي مؤكد وعميق. هكذا يمكن قراءة قرار الحكومة…

إيران… كوبا الكبرى في الشّرق الأوسط

ما هو شكل النصر على إيران فعليّاً؟ هذا هو السؤال الرئيس الذي يؤرّق غرف العمليّات من واشنطن إلى تل أبيب ومن الخليج إلى الصين وأوروبا…