موسكو والحرب: الوجود الأميركيّ لم يحمِ الخليج

مدة القراءة 6 د

مثلما تورّطت إيران وإسرائيل في حرب روسيا مع أوكرانيا، بانحياز كلّ منهما تباعاً، الأولى لموسكو بتزويدها بالمسيّرات، والثانية بمنحها كييف أسلحة، تنظر القيادة الروسيّة إلى الحرب على إيران من زاوية حربها في أوكرانيا. الكرملين واقع في تناقض جرّاء تأييده طهران وانتقاده توسيع الحرب. تستفيد “الأنانيّة” الروسيّة من ارتفاع أسعار الطاقة، فتنتقم من أوروبا الداعمة للخصم الأوكرانيّ. يعتبر بوتين طهران شريكته بمواجهة الدور الدوليّ لأميركا، فيهنّئ مجتبى خامنئي بتعيينه مرشداً، مؤكّداً ثبات دعمه لطهران.

 

قبل انطلاق الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة ضدّ إيران، حذّرت موسكو من أنّها ستقود إلى نزاع يشمل الشرق الأوسط برمّته. تنظر العين الروسيّة إلى تطوّر النزاع بالاستناد إلى موقف مزدوج: تشجيع طهران على تقديم تنازلات في المفاوضات التي سبقت الحملة العسكريّة لواشنطن وتل أبيب من جهة، وتحذير واشنطن من عواقب الهجوم العسكريّ على إيران من جهة ثانية.

 

الدّعم الرّوسيّ لطهران مقابل دعم كييف

اصطدمت محاولات موسكو التوسّط بين واشنطن وطهران بأجندة الجانب الأميركيّ للبرنامج الصاروخيّ الإيرانيّ، الذي تفهّم الجانب الروسيّ حاجة إيران إليه للدفاع عن أراضيها.

قبل يومين حضر الجانب الروسيّ في مسرح الحرب، من زاوية تداعياتها، بتولّيه إخلاء ضبّاط “حرس الثورة” الإيرانيّة الذين يوجّهون نشاط “الحزب” العسكريّ لإسناد طهران من بيروت، وجثامين بعض هؤلاء الذين قتلتهم إسرائيل، إضافة إلى عائلات الدبلوماسيّين “غير المرغوب بهم” بقرار من الحكومة اللبنانيّة. إلّا أنّ العين الروسيّة استندت إلى خلفيّة تمزج بين اتّجاهات متناقضة طبعت موقف موسكو:

  • قدّمت موسكو دعماً عسكريّاً وأمنيّاً لطهران في الحرب، حسب تقارير أميركيّة. أعطت المعلومات للقيادة العسكريّة الإيرانيّة من أقمارها الاصطناعيّة، وزوّدتها بأنواع من الدفاعات الجوّية. يدرك الرئيس الأميركيّ أنّ موسكو ساعدت طهران قبل الحرب وأثناءها، سرّاً، لكنّه فضّل القول أوّل من أمس إنّه لا دلائل على مساندة روسيّة لإيران. يعود ذلك إلى أنّ ما قدّمته موسكو لطهران ليس من الأسلحة المتطوّرة، بينما حصلت على بعضها من الصين. وفي المقابل تدرك موسكو أنّ إدارة ترامب، على الرغم من وساطتها لإنهاء حرب أوكرانيا، تواصل تزويد كييف بالمعلومات الاستخباريّة لمواجهة الجيش الروسيّ.

قبل انطلاق الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة ضدّ إيران، حذّرت موسكو من أنّها ستقود إلى نزاع يشمل الشرق الأوسط برمّته

الخوف من الفوضى وتغيير النّظام

  • وصف الرئيس فلاديمير بوتين الحرب بأنّها “عدوان مسلّح إسرائيليّ – أميركيّ على إيران”، ودعا إلى وقف فوريّ للأعمال القتاليّة. ورأت موسكو أنّ ما تقوم به إسرائيل “بلطجة” بعد اغتيال علي خامنئي. يتمسّك الكرملين بمبدأ رفض أيّ اعتداء على دولة ذات سيادة، الذي يتّفق عليه مع بكين. يحتاط بذلك من إمكان خرق حلف الناتو في أوروبا لهذا المبدأ على المدى الأبعد في الأراضي الروسيّة.
  • تتخوّف موسكو من أن تقود الحرب إلى الفوضى في إيران لأنّها تعني تهديد أمن إقليم آسيا الوسطى وبحر قزوين على حدودها. يقترن هذا التخوّف مع رفضها الهدف الإسرائيليّ المتمثّل في إسقاط النظام الإيرانيّ، والذي تنقاد إليه واشنطن بشكل أو بآخر. وتتّفق مع الموقف الصينيّ في هذا الصدد. فليس من مصلحتهما أن يقوم نظامٌ تابع لواشنطن، كما يأمل ترامب، يسهل من خلاله الضغط على الدولتين الكبريين في الصراع على النفوذ الدوليّ عبر التحكّم بمصدر أساسيّ للنفط والغاز على الصعيد الدولي وبأسعارهما. وفي اعتقاد الدوائر الدبلوماسيّة في موسكو أنّ النظام الإيرانيّ قادر على الصمود بإطالة أمد الحرب. يريد ترامب من الشعب الإيرانيّ أن ينتفض ضدّه، في وقت لا يستطيع الإيرانيّون النزول إلى الشارع بينما القصف متواصل على امتداد الجغرافيا الإيرانيّة.

 

توسيع الحرب… لوم إيران ودول الخليج؟

  • لا تحبّذ موسكو توسيع الحرب بحيث تشمل الاستهداف الإيرانيّ لدول الخليج العربيّ، على الرغم من انتقاد وزير الخارجيّة سيرغي لافروف للدول العربية لعدم إدانتها القصف الأميركيّ الإسرائيليّ لإيران، لا سيما استهداف مدرسة طالبات. وفي اجتماعه مع سفراء الدول العربيّة في موسكو في 5 آذار، دعا إلى قيام جبهة لوقف الحرب. وزّعت موسكو لومها على طهران ودول الخليج. اعتبرت أنّ الأولى تساهم في توسيع الحرب بشكل يؤدّي إلى تشجيع دول الناتو وأوروبا على التدخّل فيها، وتجرّ دول الخليج إلى طلب مساعدة واشنطن والدول الغربيّة. وفي الوقت نفسه تعتبر أنّ على دول الخليج أن تستخلص قناعة بأنّ الوجود الأميركيّ على أراضيها لم يوفّر لها الحماية. في المقابل تسجّل الأوساط الروسيّة أنّ تزويد دولة الإمارات العربيّة المتّحدة بصواريخ روسيّة اعتراضيّة كان فعّالاً في صدّ القصف ضدّها، منها صاروخ “بانتسير” الفعّال في اعتراض الصواريخ من مسافة 25 كيلومتراً.

 

روسيا تستفيد ماليّاً من عبثيّة إيران

  • في قراءة الجانب الروسيّ لتوسيع إيران الحرب أنّها تمارس سياسة “عليَّ وعلى أعدائي” لعلّ هناك من يستطيع من حلفاء أميركا من القادة الخليجيّين الضغط على ترامب لوقف الحرب، نظراً إلى ارتفاع كلفتها عليهم. ومع إقرار الجانب الروسيّ بعبثيّة ذلك نظراً إلى غلبة الجانب الانتحاريّ، يسجّل أنّ طهران تراهن على أن يفعل تزامن توسيع الحرب مع إطالة أمدها فعله في خلق مأزق للرئيس الأميركيّ. فإغلاق مضيق هرمز بحكم الأمر الواقع الناجم عن ارتفاع كلفة تأمين ناقلات النفط إزاء ارتفاع المخاطر، واستهداف إسرائيل للبنية التحتيّة النفطيّة في إيران، سيدفعان الأخيرة إلى استهداف مصافي النفط في دول الخليج، وهو ما سيرفع الأسعار العالميّة ويخفض شعبيّة ترامب وحزبه قبيل الانتخابات النصفيّة في الخريف المقبل ويدفعه إلى وقف الحرب. يؤكّد المتّصلون بموسكو أنّها المستفيد الأوّل من ارتفاع أسعار الطاقة بسبب انخفاض الإنتاج واضطراب سلاسل النقل والإمداد، خلافاً لضرر ذلك على حليفها الصينيّ، وستستخدم ذلك في صراعها مع الدول الأوروبيّة على أوكرانيا.

 إقرأ أيضاً: انتهت الحروب بالوكالة… هل يعود الإرهاب؟

دعم قرارات الدّولة اللّبنانيّة

  • في لبنان تعتبر الدبلوماسيّة الروسيّة أنّ فتح “الحزب” الجبهة ضرب آخر من العبثيّة لأنّه يجلب الدمار والقتل للبلد. تدعم موسكو قرارات الدولة اللبنانيّة وفق قاعدة دبلوماسيّة تقضي بالتعاطي مع الشرعيّة الدستوريّة، وعلى “الحزب” الانسجام مع قراراتها، خصوصاً أنّ رئيس البرلمان نبيه برّي أيّدها.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

رسائل انخراط محدود: أين اختفى حلفاء إيران؟

تواجه إيران اليوم اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليميّة، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها….

فخامة الرّئيس…. ” مش ماشي الحال”

قبل الدخول في حيثيّات الحكم الصادر عن المحكمة العسكريّة أمس بقضيّة عناصر “الحزب” الثلاثة الذين تمّ توقيفهم خلال نقلهم لأسلحة وصواريخ غير مرخّصة، والذي فرض…

برّي “يحفر” بالتراكم وسلام باستثنائية جرأته..

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القرارات بالقدرة الفورية على تنفيذها، بل بما تُحدثه من تغيير معنوي وسياسي مؤكد وعميق. هكذا يمكن قراءة قرار الحكومة…

إيران… كوبا الكبرى في الشّرق الأوسط

ما هو شكل النصر على إيران فعليّاً؟ هذا هو السؤال الرئيس الذي يؤرّق غرف العمليّات من واشنطن إلى تل أبيب ومن الخليج إلى الصين وأوروبا…