اجتازت إيران خطوطاً حمراً كثيرة في علاقتها مع الجوار الخليجيّ، من أهمّها اثنان: إغلاق مضيق هرمز، وضرب المنشآت المدنيّة، النفطية منها وغير النفطية. لكلّ منهما تداعيات كبيرة لن تنتهي بانتهاء الحرب، بعدما اتّضح بالملموس أنّ منظومة حُكمها تشكّل خطراً حقيقيّاً، لا نظريّاً، على قصّة النموّ والازدهار في الخليج.
في الذاكرة الخليجيّة غير البعيدة الضربة الإيرانيّة لمنشآت أرامكو في بقيق عام 2019. تجاوزت الرياض ذلك الأذى، وأعادت وصل ما انقطع مع إيران بوساطة من الصين عام 2023. إلّا أنّ طهران تعود اليوم لتنقلب على الرعاية الصينيّة لذلك الاتّفاق، وتنقلب على الثقة الهشّة التي كانت في طور البناء، بإغلاقها المضيق واستهدافها مصفاة رأس تنّورة.
يعتبر مضيق هرمز ورقة إيران الأخيرة، ولا يمكن أن تستخدمه إلّا إذا كانت تستشعر الخطر الوجوديّ الداهم على نظامها. إغلاق المضيق يضرب أوّلاً مصالح الصين، الحليفة الأقرب إلى طهران، والتي تستورد أكثر من 90% من صادرات النفط الإيرانيّ متحدّية العقوبات الأميركيّة والدوليّة.
الصّين أكثر المتضرّرين
تستأثر الصين وحدها بنحو 38% من النفط والسوائل البتروليّة التي تعبر مضيق هرمز، والتي كانت تقارب 17 مليون برميل يوميّاً قبل اندلاع الحرب. على الرغم من أنّ بكين تحتفظ بمخزونات استراتيجيّة ضخمة تعادل ثلاثة أشهر من الاستيراد، يوجّه إغلاق المضيق ضربة مباشرة للمصالح الصينيّة، لأنّه، في الحدّ الأدنى، يرفع تكاليف الطاقة على صناعاتها، ويهدّد برفع معدّلات التضخّم بشكل ملموس.
ينطبق الأمر بدرجة أكبر على انقطاع إمدادات الغاز القطريّ. تعتمد الصين على قطر بنحو ثلث إمدادات الغاز المسال، ومخزونات الغاز تبقى أقلّ بكثير من مخزونات النفط. حتّى لو توافرت كميّات بديلة في الأسواق، فستكون بتكلفة أعلى بكثير.
تشعر دول الخليج بغضب مضاعف لأنّها بذلت جهوداً لتجنيب إيران الحربة
الأسوأ من ذلك أنّ إيران لم تكتفِ بإغلاق المضيق، بل وجّهت مسيّراتها لضرب منشآت النفط والغاز في قطر والمملكة السعوديّة والبحرين والكويت، وحتّى في سلطنة عمان التي ظلّت حتّى اللحظة الأخيرة تبذل كلّ جهد ممكن لتجنيبها كأس الحرب.
ترمي إيران من ذلك إلى جعل جيرانها يتألّمون، وفي تقديرها أنّ ذلك سيدفعهم إلى الضغط على الأميركيّين لإيقاف الحرب. وردت أخبار من هذا القبيل عن سعي بعض دول المنطقة إلى إيجاد مخرج لإنهاء الحرب سريعاً. لكن لا يبدو أنّ هذه الأخبار تتّسم بكثير من الصدقيّة، بل حدث العكس على ما يبدو، إذ تصاعدت اللهجة في العواصم العربيّة، في الإعلام وعبر القنوات الدبلوماسيّة.

تشعر دول الخليج بغضب مضاعف لأنّها بذلت جهوداً لتجنيب إيران الحرب، ووقفت كلّها خلف الوساطة العمانيّة مع الأميركيّين لهذه الغاية، وكانت حاسمة في رفض استخدام القواعد العسكريّة على أراضيها أو في مياهها الإقليميّة لضرب إيران. كان الجزاء الإيرانيّ تعمُّد ضرب عنصر الأمان في الحواضر الخليجيّة، واستهداف الحياة المدنيّة والاقتصاديّة والمفاصل الاقتصاديّة، من المطارات إلى محطّات الكهرباء وخزّانات المياه، وحتّى الفنادق والمراكز التجاريّة.
نتائج عكسيّة للضّربات
لا شكّ أنّ الهجمات الإيرانيّة آذت الاقتصادات الخليجيّة، لكنّها حقّقت الكثير من النتائج العكسيّة:
1- كان الردّ القطريّ بإعلان التوقّف عن إنتاج الغاز المسال بعدما ضربت مسيّرة إيرانيّة منشأة رأس لفان. ربّما أرادت الدوحة من ذلك أن تضخّم الأثر الدوليّ للهجمات الإيرانيّة، فإمداداتها من الغاز المسال تعدّ شرياناً أساسيّاً لاقتصادات كثيرة من الصين إلى الهند واليابان وكوريا الجنوبيّة والدول الأوروبيّة. وبالتالي ما أرادته إيران أذىً لدول الخليج تحوّل إلى أذىً لدول كثيرة ليس من مصلحة إيران استفزازها. شهدت بورصات كلّ هذه الدول تراجعات حادّة يوم الثلاثاء، غداة إعلان وقف إنتاج الغاز المسال في قطر.
لا شكّ أنّ الهجمات الإيرانيّة آذت الاقتصادات الخليجيّة، لكنّها حقّقت الكثير من النتائج العكسيّة
2- بالفعل، تحرّكت الصين بعدما تضرّرت مصالحها بشكل جدّي، وأوصلت إلى إيران رسائل بضرورة إبقاء الممرّات المائيّة آمنة لإمدادات النفط والغاز. وهذه أوّل رسالة بأنّ إغلاق مضيق هرمز يناقض المصالح الصينيّة أكثر بكثير ممّا ينال من المصالح الأميركيّة والإسرائيليّة.
3- أورثت الهجمات الإيرانيّة شعوراً لدى الكثير من مواطني دول الخليج بأنّ تعايش الازدهار الخليجيّ مع إيران الملالي لم يعد ممكناً. مثال الإمارات هو الأكثر وضوحاً. على الرغم من الاحتلال الإيرانيّ للجزر الثلاث، غلّبت الإمارات البراغماتيّة في نسج العلاقات الاقتصاديّة والتجاريّة. لكن تبيّن في نهاية المطاف أنّ قصّة النجاح الاقتصاديّ ستظلّ مهدّدة بالخطر الكامن في جوارها.
لدى كثيرين في الخليج استنتاج حاسم بأنّ التعايش بين الازدهار الخليجيّ ومشروع تصدير الثورة لم يعد ممكناً، فقد تحطّم زجاج “الستاتيكو” القديم، ولم يعد بالإمكان إقناع المستثمرين والسيّاح بفكرة الأمان المطلق لمدن الخليج بجوار هذا الحقد.
إقرأ أيضاً: “صدمة ترامب”: ماذا يعني اسم “وورش” للدّولار والذّهب؟
دفعت إيران جيرانها دفعاً إلى الاقتناع بأن لا بديل عن تغيير جذريّ للوضع القائم، مهما كان الألم الاقتصاديّ على المدى القصير.
لمتابعة الكاتب على X:
