مجلس نوّاب ممدَّد له “تحت الاحتلال”

مدة القراءة 7 د

“أنقذت” الحرب السلطة في لبنان من إحراج تمديد ولاية مجلس النوّاب الذي كان شبه محسوم، وكان “أهله” لا يزالون يفتّشون عن تخريجة تحيله أمراً واقعاً. في غمرة “لطي” الدولة رأسها من مفاعيل شنّ دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو حربهما على إيران، ثمّ جرّ “الحزب” لبنان برمّته إلى أتون المعركة المفتوحة على تغييرات انقلابيّة في المنطقة، تحوّل التمديد إلى “شربة ماء”، أرادته سرّاً طبقة سياسيّة، بمعظم أركانها ونوّابها، وحاربته على المنابر.

 

تشير معلومات “أساس” إلى أنّ النائب السابق وليد جنبلاط بدأ “بَرمة” إقناع القوى السياسيّة من كلّ الكتل الأساسيّة على مشروع تمديد يراوح بين عام أو عامين. الحزب الاشتراكيّ، الذي كان من أوّل الأحزاب التي بادرت إلى تركيب ماكيناتها الحزبيّة و”تشغيلها”، دشّن سلسلة لقاءاته من معراب، حيث اجتمع مع رئيس حزب القوّات اللبنانيّة سمير جعجع.

لكنّ كلّ المؤشّرات تدلّ على مدّة عامين، في ظلّ مزايدة “قوّاتيّة” تحدّثت بداية عن مهلة ستّة أشهر تنتهي في تشرين الأوّل أو الثاني، وهذا أمر مرفوض من الجميع، حيث لا ضمانات للمدّة الفعليّة التي ستستهلكها الحرب، وتتزامن الانتخابات مع بداية فصل الشتاء وانطلاق العام الدراسيّ.

وفق المعلومات، أُعطي الضوء الأخضر من الثنائيّ الشيعيّ، وعدد كبير من الشخصيّات السنيّة، والاشتراكيّ، والكتل النيابيّة، وعدد من النوّاب المستقلّين لإقرار التمديد بأكثريّة مريحة. لكنّ مصادر نيابيّة تتوقّع حصول مزايدة من جانب “القوّات” و”التيّار الوطنيّ الحرّ”، لاعتبارات حزبيّة ومسيحيّة، خاصّة بهما، فيما يُطرح بجدّيّة احتمال عدم حضور نوّاب “الحزب”، في ظلّ إجراءات أمنيّة استثنائيّة يتّخذها نوّابه وقياديّوه.

كما تعذّر إجراء الانتخابات في موعدها، قد يكون وصول النوّاب إلى ساحة النجمة للتمديد لأنفسهم متعذّراً

قُضي أمر التّمديد

لا خيط يَجمع بين توقيع رئيسَي الجمهوريّة والحكومة في 26 شباط، بالتنسيق مع الرئيس نبيه برّي، مرسوم فتح دورة استثنائيّة من 2 إلى 16 آذار، و”كبس” الرئيس الأميركيّ زرّ المعركة بوجه إيران في 28 شباط، ثمّ تورّط “الحزب” في حرب إسناد جديدة في 2 آذار. كان المشهد الداخليّ لا يزال يتأرجح بين خيارين:

– إجراء الانتخابات في أيّار أو تمّوز، مع العجز المستمرّ عن حلّ عقدة اقتراع المغتربين. هل يصوّتون من الخارج لـ128 نائباً، أو يقترعون من الداخل؟ في معلومات “أساس” أنّه بعد إعلان ترامب “بدء العمليّات العسكريّة القتاليّة” ضدّ إيران، بدا أكثر من سفير في اللجنة الخماسيّة مهتمّاً بمصير الانتخابات النيابيّة. فيما نقلت معطيات متضاربة، خصوصاً بين الرئيسين جوزف عون ونبيه برّي، في شأن الموقف الحقيقيّ لسفراء الخماسيّة من إجراء الانتخابات في موعدها، تشير معلومات “أساس” إلى أنّ بعض هؤلاء اعتبر أنّ الحرب في المنطقة (قبل دخول “الحزب” على خطّها) قد لا تشكّل بالضرورة مانعاً لالتزام الاستحقاق، خصوصاً إذا كان مداها قصيراً، حتّى إنّ أحد السفراء بدا معنيّاً بالسؤال عن بعض الترشيحات في المناطق!

مجلس النواب

– التمديد لمجلس النوّاب. كان يتبلور هذا الاتّجاه بشكل واضح حتّى قبل بدء الحرب فعليّاً في المنطقة. لكنّ الخلاف كان كبيراً على مدّته في ظلّ موقف حاسم من جانب الرئيس برّي بأن يكون تمديداً طويلاً أقلّه لعامين، فيما كان يسعى رئيس الجمهوريّة إلى تحقيق مقوّمات الاستحقاق اللوجستيّة والسياسيّة، بالتنسيق مع وزارة الداخليّة، لما لإنجازه في الوقت المحدّد من انعكاس إيجابيّ على صورة العهد، إلى حدّ التلويح بردّ قانون التمديد.

التمديد لمجلس النوّاب كان يتبلور هذا الاتّجاه بشكل واضح حتّى قبل بدء الحرب فعليّاً في المنطقة

لكنّ هنا نقطة أساسيّة: لم يكن التلويح بردّ قانون التمديد يعني حصوله بالضرورة. من ضمن الصلاحيّات التي يملكها رئيس الجمهوريّة “التريّث” بالتوقيع عليه. التمديد، برأي كثيرين، لم يكن وارداً أن يتحوّل إلى خلاف جوهريّ بين الرئيسين عون وبرّي.

أكثريّة مطلقة؟

الأمر المؤكّد أنّ ثمّة مرجعيّات رئاسيّة كانت في أجواء “الضربة الحتميّة” ضدّ إيران، بالطبع من دون معرفة توقيتها. وقع المحظور، وأصبح التمديد مُسهّلاً، لا بل مطلوباً، وضاق إلى الحدّ الأقصى هامش المزايدات السياسيّة من قبل بعض القوى السياسيّة حيال عدم حصوله في موعده.

وفق المعلومات، بعد جلسة مجلس الوزراء التي عُقدت بشكل طارئ في 2 آذار، وأسفرت عن حظر النشاطات العسكريّة والأمنّية لـ”الحزب”، تحرّكت مداولات الكواليس، وشكّل جزءاً منها لقاءُ رئيس الحكومة مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، فيما كانت الخطوط مفتوحة بين بعبدا وعين التينة، واستمرّت حتّى يوم أمس بلقاء برّي مستشار رئيس الجمهوريّة أندريه رحّال.

قبل 16 آذار، تاريخ انتهاء العقد الاستثنائيّ لمجلس النوّاب، سيكون التمديد لعامين قد أُقرّ، عبر اقتراح قانون جديد يحظى على الأرجح بالأكثريّة المطلقة (65 صوتاً)، وتتحدّث مصادر نيابيّة عن يوم الإثنين المقبل كحدّ أقصى إلّا إذا اقتضت تطوّرات الحرب غير ذلك وهو المستبعد حصوله، وسيُقرّ التمديد ضمن العقد العاديّ لمجلس النوّاب الذي يبدأ في أوّل يوم ثلاثاء بعد 15 آذار، أي في 17 آذار منه، ويستمرّ حتّى نهاية أيّار، مع العلم أنّ مجلس النوّاب الحاليّ تنتهي ولايته في 22 أيّار المقبل.

مؤشّرات خطِرة

بعدما كان التمديد متعذّراً بسبب حدّة الخلاف السياسيّ، كما تعذّر إجراء الانتخابات في موعدها، قد يكون وصول النوّاب إلى ساحة النجمة للتمديد لأنفسهم متعذّراً، بدوره، لكنّه حاصل حتماً. ارتسمت معطيات أمس بالغة الحساسيّة والخطورة تجعل الداخل اللبنانيّ مفتوحاً على كلّ الاحتمالات:

أنقذت الحرب السلطة في لبنان من إحراج تمديد ولاية مجلس النوّاب الذي كان شبه محسوم

– لأوّل مرّة منذ اندلاع الحرب، بنسختها الأولى في أيلول عام 2024، ثمّ اندلاعها مجدّداً في 2 آذار الحاليّ، لامس العدوّ الإسرائيليّ محيط القصر الجمهوريّ عبر الضربة التي استهدفت فندقاً يدخل ضمن المربّع الأمنيّ للواء الحرس الجمهوريّ، ويقع على مسافة قريبة من قصر بعبدا، ويضمّ منازل سياسيّين وضبّاط، وسفارات. إلى ذلك أحدثت الإنذارات بالإخلاء لبعض المقرّات الرسميّة، كقصر عدل بعبدا ووزارة الاقتصاد، هواجس حقيقيّة من أن تتمدّد حالة الهلع إلى مقرّات رسميّة أخرى تابعة للدولة.

– تجزم معلومات “أساس” أنّه باستثناء الصلية الصاروخيّة الأولى التي نفّذها عناصر “الحزب” فجر الإثنين باتّجاه الداخل الإسرائيليّ، والتي ثبت، عسكريّاً، انطلاقها من بقعة شمال الليطاني، فإنّ سلسلة إطلاق الصواريخ والمسيّرات وعمليّات استهداف دبّابات الميركافا الإسرائيليّة، معظمها عمليّات نفّذها “الحزب” انطلاقاً من جنوب الليطاني، الذي أعلنت الحكومة انتهاء العمل فيه، ضمن المرحلة الأولى من خطّة الجيش، ومباشرة العمل شمال الليطاني. وكانت الحكومة طلبت في جلستها الأخيرة في قصر بعبدا من الجيش تنفيذ المرحلة الثانية شمال الليطاني “بحزم”.

سيشكّل هذا الواقع ضغطاً هائلاً على الحكومة والعهد برمّته لناحية القدرة المستمرّة لـ”الحزب” على العمل العسكريّ جنوب الليطاني، وعدم قدرة الحكومة على تنفيذ قراراتها بحظر الأنشطة العسكريّة لـ”الحزب”.

إقرأ أيضاً: إسرائيل “تبتلع” الجنوب!

– سيحصل التمديد لمجلس النوّاب في ظلّ واقع قاسٍ جدّاً عنوانه: الاجتياح الإسرائيليّ التدريجيّ لجنوب لبنان، وهو ما يعيد شبح اجتياح 1982. سنكون حتماً أمام مجلس ممدَّد له، وحكومة وعهد تحت احتلال تشير كلّ المعطيات إلى أنّه يقضم تدريجاً أراضي لبنانيّة ليثبّت منطقة عازلة، ممسوحة ومحروقة، والتقدّم باتّجاه العمق الجنوبيّ الحدوديّ، شرقاً ووسطاً وغرباً، بعد إفراغ جنوب الليطاني تماماً من أهله، وهذا ما طلبه العدوّ الإسرائيليّ أمس.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

إسرائيل “تبتلع” الجنوب!

بدأت الحكومة أمس التنفيذ العملانيّ لقرارها حظر النشاط العسكريّ والأمنيّ لـ”الحزب”، وعلم “أساس” أنّ مدّعي عامّ التمييز القاضي جمال الحجّار أصدر استنابات قضائيّة إلى كلّ…

سوريا في عين العاصفة: الشّرع يراهن على الدّولة

هل تكون سوريا بعيدة عن الحرب المشتعلة من طهران إلى لبنان؟ الحرب التي انفجرت مع الضربات الكبرى على إيران، قبل أن تتمدّد سريعاً إلى لبنان…

الدّولة تردّ على مباغتة “الحزب”: حظر أنشطته العسكريّة

حصل ما كان يرعب اللبنانيّين. دخل “الحزب” الحرب… فجأة، وبلا تمهيد سياسيّ أو أمنيّ، وعلى نحوٍ بدا مباغتاً حتّى لبيئته التي استيقظت في منتصف ليلٍ…

ساعة “الحزب” على توقيت نتنياهو

لم يخيّب “الحزب” التوقّعات التي جزمت بدخوله الحرب إسناداً لإيران على الرّغم من صعوبة تدخّله ميدانيّاً أو تأثيره على مجريات المعركة بين الولايات المتّحدة وإسرائيل…