فريدمان يتشكّك بمآل الصّراع: للتّغيير أم للفوضى؟

مدة القراءة 7 د

يرى الكاتب والمحلّل السياسيّ توماس فريدمان في مقال له في صحيفة “نيويورك تايمز” أنّ “إضعاف النظام الإيرانيّ أو إزاحته قد يُحسّن الوضع في الشرق الأوسط، لكنّ العواقب غير مؤكّدة وقد تكون خطيرة”. يؤكّد ضرورة فهم الوضع بتفاصيله الدقيقة بدلاً من الاكتفاء بالروايات الأخلاقيّة أو السياسيّة البسيطة، لأنّ الشرق الأوسط منطقة معقّدة ومتشعّبة، يتشابك فيها الدين والنفط والسياسة القبليّة وسياسات القوى العظمى في كلّ حدث.

 

أربعة محاور للصّراع

يبني فريدمان تحليله على أربعة محاور رئيسة للصراع الأميركيّ – الإسرائيليّ – الإيرانيّ:

1- يُعرب فريدمان عن أمله استبدال النظام الدينيّ في إيران في نهاية المطاف. منذ الثورة الإيرانيّة، تُحكم إيران بنظام ثيوقراطيّ يرى أنّه يقمع مواطنيه، يزعزع استقرار الدول المجاورة، ويلحق الضرر بما كان يوماً حضارة عظيمة. وفقاً لفريدمان، إنّ استبدال هذا النظام بحكومة تُركّز على رفاهية الشعب الإيرانيّ ومنحه صوتاً ديمقراطيّاً من شأنه أن يُغيّر وجه الشرق الأوسط نحو الأفضل. يميل العديد من الإيرانيّين نسبيّاً إلى الغرب مقارنةً بشعوب أخرى في المنطقة، وإذا ما أُتيحت لهم الفرصة للتعبير عن تطلّعاتهم سياسيّاً، فقد تتّجه المنطقة نحو مزيد من الانفتاح والتعاون.

2- في رأي فريدمان، سيكون إسقاط النظام الإيرانيّ بالغ الصعوبة. بنية القيادة الإيرانيّة راسخة بعمق، ومن غير المرجّح أن تنهار بضربات عسكريّة. حتّى لو أضعفت الولايات المتّحدة وإسرائيل إيران بالعمل العسكريّ، فإنّ انتفاضة الشعب الإيرانيّ ليست مضمونة، بل قد يُفضي الصراع إلى نتائج غير متوقّعة. لكنّ من المحتمل ظهور نظام سياسيّ مُعدّل، يُسمّيه فريدمان “الجمهوريّة الإسلاميّة 2.0”. فقد يدفع قادة إصلاحيّون مثل حسن روحاني أو محمّد جواد ظريف إلى التفاوض مع الولايات المتّحدة لإنقاذ النظام مع تعديل سياساته.

يخلص فريدمان إلى أنّ المنطقة تمرّ بلحظة شديدة السيولة وعدم اليقين، ربّما الأكثر تقلّباً منذ عام 1979

قد تتخلّى مثل هذه الحكومة عن طموحات إيران النوويّة وتُقلّل من حروبها بالوكالة مقابل رفع العقوبات. لكنّ البديل قد يكون أشدّ خطورة: تفتيت إيران نفسها. إيران متنوّعة عرقيّاً، حيث لا يُمثّل الفرس سوى حوالي 60% من السكّان. ترتبط جماعات أخرى، كالآذريّين والأكراد والعرب والبلوش، بمناطق مجاورة. في حال انهيار الحكومة المركزيّة، قد تسعى هذه الجماعات إلى الانفصال، فتتفكّك البلاد.

3- يؤكّد فريدمان أنّ مدّة الحرب ونتائجها لن تعتمدا فقط على التطوّرات العسكريّة، بل أيضاً على القوى الاقتصاديّة العالميّة، ولا سيما أسواق الطاقة. يعاني الاقتصاد الإيرانيّ أصلاً من هشاشة، مع ضعف العملة والعقوبات الشديدة.

مع ذلك، قد تدفع أيّ اضطرابات في صادرات النفط الإيرانيّة إلى ارتفاع حادّ في الأسعار العالميّة لتصل ربّما إلى 150 دولاراً للبرميل. ستؤثّر هذه الصدمات الاقتصاديّة على الحسابات السياسيّة في الولايات المتّحدة وغيرها، وتثير غضب مؤيّدي ترامب السياسيّين، الذين يخشى الكثير منهم اندلاع حرب أخرى في الشرق الأوسط.

لهذا يعتقد فريدمان أنّ هناك ضغوطاً قويّة لإنهاء الصراع سريعاً عبر المفاوضات وإجراء محادثات دبلوماسيّة بين واشنطن وطهران. قد يرغب ترامب نفسه في تجنّب حرب طويلة الأمد أو ركود اقتصاديّ قبل الانتخابات الأميركيّة.

4- يحذّر فريدمان من أن يؤدّي السعي إلى تعزيز الديمقراطيّة في إيران إلى تجاهل التحدّيات الديمقراطيّة في الولايات المتّحدة وإسرائيل. ينتقد فريدمان ترامب لترويجه للمُثل الديمقراطيّة في الخارج، بينما يُقوّض، في رأيه، المعايير الديمقراطيّة في الداخل، على سبيل المثال من خلال ممارسات إنفاذ قوانين الهجرة المثيرة للجدل والخطاب المتعلّق بتقييد حقوق التصويت.

أهداف نتنياهو..

في الوقت نفسه، يرى فريدمان أنّ نتنياهو قد يستغلّ الصراع لتعزيز موقفه السياسيّ في إسرائيل. إذا عزّزت الحرب مكانته السياسيّة، يخشى فريدمان أن تُسرّع وتيرة سياسات مثيرة للجدل، مثل ضمّ الضفّة الغربيّة، إضعاف المحكمة العليا الإسرائيليّة، ودفع إسرائيل نحو نظام يُشبه نظام الفصل العنصريّ. من شأن هذه التطوّرات أن تضرّ بمصالح الولايات المتّحدة في المنطقة حتّى لو ضعف النظام الإيرانيّ.

يبني فريدمان تحليله على أربعة محاور رئيسة للصراع الأميركيّ – الإسرائيليّ – الإيرانيّ

قوّة إمبرياليّة

يُذكّر فريدمان بالسياق الإقليميّ الأوسع لهذا الصراع. منذ عام 1979 لعبت إيران دور قوّة إمبرياليّة رئيسة في الشرق الأوسط من خلال بناء شبكات من الميليشيات والحركات السياسيّة المتحالفة معها في العديد من الدول العربيّة.

من خلال جماعات مثل “الحزب” وغيرها، وسّعت نفوذها في سوريا ولبنان والعراق واليمن. أدّت هذه الاستراتيجية في كثير من الأحيان إلى تعميق الانقسامات الطائفيّة وإضعاف الحركات السياسيّة الإصلاحيّة في تلك الدول.

يشير فريدمان في هذا السياق إلى قول المحلّل الاستراتيجيّ اللبنانيّ–الإماراتيّ نديم قطيش له: “ليس من قبيل الصدفة أن يكون أحد أكثر الهتافات شيوعاً بين المتظاهرين المناهضين للنظام في إيران: “لا لغزّة، لا للبنان. حياتي فداء لإيران”. شعر العديد من الإيرانيّين بالاشمئزاز لرؤية موارد بلادهم تُهدر على الميليشيات التي تقاتل إسرائيل”. وليس من قبيل المصادفة أنّ إيران أطلقت أخيراً صواريخ على مطارات وفنادق وموانئ دول الخليج العربيّ الحديثة. إنّه الشرق الأوسط القديم يهاجم الشرق الأوسط الجديد. ويُؤمل أن يكون موت خامنئي “نهاية لفكرة خامنئي القائلة إنّ الشرق الأوسط يجب أن يُعرَّف بالمقاومة لا بالاندماج والتكامل”.

يحذّر فريدمان أيضاً من تداعيات الصراع على الصعيد العالميّ، ويقول: “في بكين، لا بد أنّ الرئيس شي جين بينغ يتساءل عن مدى فعاليّة أنظمة أسلحته مقارنةً بتلك التي زوّدت بها الولايات المتّحدة تايوان، بعدما رأى طائرات مقاتلة وصواريخ ذكيّة أميركيّة الصنع تتفادى أو تدمّر بسهولة أنظمة الدفاع الجوّي الإيرانيّة الروسيّة، وتغتال العديد من نخبة الأمن القوميّ الإيرانيّ في منازلهم ومكاتبهم. ربّما ليس هذا هو الأسبوع المناسب لغزو تايوان، ولا حتّى الأسبوع المقبل. بل قد يكون هذا الأسبوع مناسباً لأن تنظر بكين إلى الشعب الإيرانيّ وهو يرقص تلقائيّاً في الشوارع احتفالاً بوفاة خامنئي، وتتساءل عمّا إذا كان ينبغي لجمهوريّة الصين الشعبيّة دعم نظامه بشراء النفط طوال هذه السنوات. ربّما كان عليها أن تقف إلى جانب الشعب الإيرانيّ”.

يرى الكاتب والمحلّل السياسيّ توماس فريدمان أنّ إضعاف النظام الإيرانيّ أو إزاحته قد يُحسّن الوضع في الشرق الأوسط

انتخابات حاسمة

على الرغم من أنّ من السابق لأوانه التنبّؤ بتأثير هذه الحرب على استحقاقَي انتخابات حاسمة في عام 2026، أحدهما في إسرائيل والآخر في الولايات المتّحدة، يكتب فريدمان: “بالنسبة لترامب، الأمر بسيط. لا يريد أن يرى كلمة “مستنقع” في أيّ عنوان يحمل اسمه قبل انتخابات التجديد النصفيّ في تشرين الثاني. أمّا نتنياهو فأتصوّر أنّه قد يدعو إلى انتخابات مبكرة مستغلّاً سقوط النظام الإيرانيّ للبقاء في السلطة. لكنّ الانتصار على إيران قد يعقّد سياسته أيضاً”.

يضيف: “صحيح أنّ نتنياهو حقّق هزائم عسكريّة قصيرة الأجل على “حماس” و”الجهاد الإسلاميّ” و”الحزب” وإيران، لكنّه لم يترجم أيّاً منها إلى مكاسب دبلوماسيّة أو سياسيّة طويلة الأمد. ولتحقيق ذلك، عليه الموافقة على التفاوض مجدّداً مع الفلسطينيّين على أساس حلّ الدولتين لشعبين. وقد تكون الفرصة أمام إسرائيل هائلة: إذا سقطت الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة أو تمّ تحييد نفوذها، فلا شكّ لديّ أنّ المملكة السعوديّة ولبنان وسوريا وعُمان وقطر والكويت، وربّما حتّى العراق، ستشعر براحة أكبر في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بشرط ألّا يضمّ نتنياهو غزّة أو الضفّة الغربيّة، وأن يوافق بدلاً من ذلك على خطّة للفصل وحلّ الدولتين. فهل يغتنم نتنياهو هذه الفرصة؟ وهل يعاقبه الناخبون الإسرائيليّون إن لم يفعل؟”.

عدم اليقين

يخلص فريدمان إلى أنّ المنطقة تمرّ بلحظة شديدة السيولة وعدم اليقين، ربّما الأكثر تقلّباً منذ عام 1979. في ظلّ هذا التعقيد، تبقى كلّ الاحتمالات ممكنة: من الإصلاح السياسيّ في إيران إلى الفوضى الإقليميّة أو تحوّلات جيوسياسيّة كبرى. لذلك يؤكّد أنّ فهم ما يحدث يتطلّب الاعتراف بأنّ “كلّ شيء ونقيضه  ممكنان”.

مواضيع ذات صلة

سجادبور: الرجل الذي دمر إيران

وصف المحلل السياسي الأميركي الإيراني الأصل كريم سجادبور، المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي بأنه” الرجل الذي دمر إيران”، أدى تمسكه بعقيدة “المقاومة” وعدم قدرته على…

هيكل سري لسلطة خامنئي لضمان ديمومة نظامه

“أين المرشد الأعلى؟” يتكرّر هذا السؤال في ظل تصاعد التوترات وبدء المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران والولايات المتحدة الاميركية.   في الأشهر الأخيرة، قلّ ظهور…

بترايوس يحذّر: ضربة إيران ليست نزهة

حذّر قادة عسكريّون أميركيّون سابقون من المخاطر التي قد تواجه القوّات الأميركيّة والقوى الحليفة لها في المنطقة إذا أعطى الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الضوء الأخضر…

الحمام المسيّر أحدث أسلحة بوتين ضدّ أوكرانيا

يُتوقّع أن تضُمّ روسيا “طيور الحمام” إلى ترسانتها المتنامية من الأسلحة غير التقليديّة في ساحة المعركة الأوكرانيّة، وأن تستخدمها لأغراض التجسّس والعمل العسكريّ، لا سيما…