كانت إيران الشاه أحد أعمدة العقيدة الإسرائيليّة في السياسة الخارجيّة، فيما يعني محاصرة دول الطوق العربيّ المعادي لإسرائيل بالمثلّث غير العربي: إثيوبيا في الجنوب، وتركيا في الشمال، وإيران في الشرق. فهل تتمكّن إسرائيل من استعادة هذا الركن الأساسيّ بتغيير نظام إيران بالقوّة؟
قبيل وصول رئيس الوزراء الهنديّ ناريندا مودي إلى إسرائيل في 25 شباط الفائت، أطلق بنيامين نتنياهو تصريحات خارج الصندوق، عن تشكيل محور إقليميّ، أو تحالف سداسيّ الأضلاع، مضادّ لما سمّاه “محوراً شيعيّاً راديكاليّاً جريحاً”، و”محوراً سنّيّاً راديكاليّاً ناشئاً”، واصفاً الهند بأنّها قوّة عالميّة صاعدة، وأنّها شريك أساسيّ في مواجهة التطرّف الإسلاميّ الذي يُعيد تشكيل الجغرافيا السياسيّة في غرب آسيا.
الأخطر من ذلك أنّ نتنياهو استخدم تعبيراً توراتيّاً باعتبار أنّ هذا المحور يمتدّ “من الهند إلى كوش”. فإذا كانت الهند هي الطرف الأوّل من هذا الحلف المفترض، فأين منتهاه؟ وأين تقع كوش؟
تُشير الشروح المعاصرة لسفر إستير في التوراة إلى أنّ كوش هي النوبة وكردفان جنوب مصر، وهاتان المنطقتان واقعتان في السودان الحاليّ، وهما في قلب الصراع الدمويّ الآن بين الجيش السودانيّ وقوّات الدعم السريع التي تتلقّى الدعم على أنواعه من إسرائيل والإمارات.
كان الملك الفارسيّ زركسيس (486-465 ق.م) قد سحق ثورة مصريّة، فتعاظمت مملكة مادي وفارس في أيّامه، فامتدّت من الهند إلى كوش. فما ارتباط هذه الإشارات الرمزيّة في خطاب نتنياهو ببدء الهجوم الإسرائيليّ الأميركيّ على إيران في 28 شباط المنصرم، بهدف تغيير النظام الإسلاميّ فيها؟ وما علاقة إطلاق الكلام عن التحالف المذكور قبل أيّام فقط من الحرب على فارس المعاصرة في “سبت الذكرى” الذي يسبق عيد البوريم اليهوديّ؟
تشير الكتابات الإسرائيليّة، التي توثّق المسار التاريخيّ لـ”عقيدة المحيط”، إلى أنّ الحكومات المتعاقبة في تل أبيب اهتمّت بالاستحواذ الاستراتيجيّ على السودان منذ استقلاله عام
عقيدة المحيط
في “سبت الذكرى”، يقرأ اليهود في العالم في سِفر التثنية من التوراة، ويبدأ بكلمة “زاخور” أي تذكّرْ. والنصّ يأمر الشعب اليهوديّ بتذكّر ما فعله العماليق ببني إسرائيل لدى خروجهم من مصر هرباً من فرعون. والعماليق هم قبائل البدو في بلاد الشام والعراق. ويبدأ عيد البوريم أو عيد المساخر، هذا العام بحسب التقويم العبريّ مساء الإثنين في 2 آذار. ومناسبة هذا العيد، الفرح اليهوديّ بهزيمة هامان الذي كان وزيراً كبيراً في الإمبراطوريّة الفارسيّة، وقد أمر بذبح كلّ اليهود. لكنّ موردخاي مستشار الإمبراطور وابنة أخيه إستير أحبطا المذبحة، وأسقطا النظام، وتزوّجت إستير الملك، وكانت تُخفي انتماءها اليهوديّ. وكانت النتيجة قتل 75 ألف فارسيّ على يد اليهود انتقاماً منهم. وأعلن موردخاي وإستير عيد البوريم احتفاء بالنجاة.
بناء على هذا، فإنّ توقيت تصريحات نتنياهو، التي تحيي عمليّاً “عقيدة المحيط” “Periphery Doctrine” (torat haperipheria)، له ارتباط مباشر بمحاولة إسرائيل استعادة إيران إلى هذا الحلف، الذي لا يمكن أن يكون فعّالاً ومؤثّراً، من دون فارس. لكنّ ما هي “عقيدة المحيط”؟ ومن أنشأها؟ وما هي معالم التحالف الجديد؟
اعتمد هذه العقيدة السياسيّة والاستراتيجيّة، أوّل رئيس للحكومة الإسرائيليّة ديفيد بن غوريون (توفّي عام 1973)، وذلك بين عامَي 1957 و1958. وهي عقيدة سياسيّة غير مكتوبة في وثيقة رسميّة، وتولّى تطبيقها في المقام الأوّل جهاز الموساد، الذراع المدنيّ الاستخباريّ الخارجيّ لإسرائيل. ومن المؤشّرات المبكرة لهذا التوجّه، أي التحالف مع دول غير عربيّة ضدّ العالم العربيّ المعادي لإسرائيل، ما نظّر له الصهيونيّ اليمينيّ فلاديمير جابوتنسكي (توفّي عام 1940)، لحماية دولة إسرائيل المستقبليّة. وكان جابوتنسكي يعترض على سياسات اليسار الإسرائيليّ من داخل الحركة الصهيونيّة. واصطدم برئيس الحركة الصهيونية حاييم وايزمان (توفّي عام 1952) بسبب قبوله المطلب البريطانيّ في عام 1922 بسحب إمارة شرق الأردن من خريطة الوطن القوميّ المحتمل ليهود فلسطين.
بعد عدّة عقود من نشر جابوتنسكي مقال “الجدار الحديديّ”، استخدم بن غوريون، الذي كان تاريخيّاً عدوّاً سياسيّاً لجابوتنسكي، خطاباً مشابهاً لتحديد سياسة إسرائيل تجاه جيرانها العرب. أمّا الكاتب والسياسيّ باروخ عوزيئيل (توفّي عام 1977) فهو أوّل من صاغ فكرة “المحيط أو الطرف”، وألّف كتاباً صغيراً بالعبريّة، وعنوانه: “Periphery Alliance: A Suggestion for Israel’s Policy”، أو “تحالف المحيط: اقتراح للسياسة الخارجيّة الإسرائيليّة“. وقد طُبع الكتاب المذكور عقب عام من إطلاق بن غوريون مسار العلاقات السرّية مع إثيوبيا أيّام الإمبراطور هيلاسيلاسي (توفّي عام 1975)، وإيران البهلويّة أيّام الشاه محمّد رضا بهلوي (توفّي عام 1980)، وتركيا الكماليّة العلمانيّة.
كان رؤوفين شيلواه (توفّي عام 1959) هو من صاغ أوّلاً تعبير “عقيدة المحيط”، وهو شخصيّة رئيسة في دبلوماسيّة إسرائيل السرّيّة وأوّل مدير لجهاز لموساد. والهدف من صياغة هذه العقيدة: فكّ عزلة إسرائيل عقب حرب 1948، وبناء تحالفات مع دول غير عربيّة خارج العالم العربيّ من أجل ردع أعداء إسرائيل، وإقامة توازن استراتيجيّ معهم. و”عقيدة المحيط” تطبيق عمليّ لمبادئ السياسة الواقعيّة (realpolitik)، التي سادت في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والتي كانت تعتمد على منطق توازن القوى، بمعنى إقامة تحالفات في القوّة الأوروبيّة لموازنة قوّة صاعدة، وهو ما كانت تفعله بريطانيا على وجه الخصوص.
من الخمسينيّات إلى السبعينيّات من القرن الماضي، تحوّلت هذه العقيدة السياسيّة إلى شبكة واسعة من اتّفاقات تبادل المعلومات، برامج التدريب العسكريّ، والشراكات الاقتصاديّة. وامتدّ التعاون الإسرائيليّ–التركيّ والإسرائيليّ–الإيرانيّ إلى مجالات الصناعات الدفاعيّة والتنسيق الاستخباريّ، وخصوصاً في مواجهة الحركات القوميّة العربيّة والنفوذ السوفيتيّ. وساهم هذا المحور الثلاثيّ في تعزيز هامش المناورة الاستراتيجيّة لإسرائيل خلال الحرب الباردة.
بعد عدّة عقود من نشر جابوتنسكي مقال “الجدار الحديديّ”، استخدم بن غوريون، الذي كان تاريخيّاً عدوّاً سياسيّاً لجابوتنسكي، خطاباً مشابهاً لتحديد سياسة إسرائيل تجاه جيرانها العرب
تفكّك الحلف الإسرائيليّ التقليديّ
كانت سبعينيّات القرن الماضي محطّة فاصلة في انحسار فكرة تحالف المحيط غير العربيّ ضدّ النواة العربيّة المُحدقة بإسرائيل. فمن جهة، سقطت إيران البهلويّة بيد الإمام الخميني (توفّي عام 1989)، فتهاوى أحد أضلاع المثلّث. ومن جهة مقابلة، حيّدت مصر ما بعد الناصريّة نفسها عن الصراع العربيّ الإسرائيليّ بعد عقد اتفاقيّة كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1979. وبذلك انتقلت إسرائيل تدريجاً من منطق الموازنة الخارجيّة ضدّ العالم العربيّ إلى نمط من الانخراط الانتقائيّ داخله. وفي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، لم تختفِ “عقيدة المحيط” بل أُعيد تشكيلها.
أمّا مسار السلام في التسعينيّات، واتّفاقيّة السلام مع الأردن عام 1994، واتّفاق أوسلو مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة عام 1995، والانفتاحات المحدودة في الخليج، فهي معالم على توجّه جديد نحو إعادة التموضع الإقليميّ. غير أنّ تعثّر مسار السلام الشامل مع العرب، وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا عام 2002، ابتعاد رئيس الوزراء التركيّ رجب طيّب إردوغان عن إسرائيل عام 2009، صعود إيران كقوّة إقليميّة، لا سيما مع إسقاط النظام العراقيّ عام 2003، وتحوّلات الربيع العربيّ، وبالأخصّ في اليمن وسوريا عام 2011، هي ما أحيا عناصر من منطقة “المحيط” في ثوب جديد، فوسّعت إسرائيل تنسيقها الأمنيّ مع أطراف غير عربيّة. وبالمقابل، ساهمت “اتّفاقات أبراهام” عام 2020 في تقليص الفاصل بين “النواة” و”المحيط”، من خلال إدماج دول عربيّة في اصطفاف استراتيجيّ جديد يرتبط جزئيّاً بمنطق موازنة إيران.
إقرأ أيضاً: سقوط “عمود الخيمة”: أيّ إيران بعد مقتل خامنئي؟
فما هي لائحة الدول المرشّحة للانضمام إلى منطقة “المحيط” بعد تحديثها، ولو وردت بشكل غامض على لسان نتنياهو؟
هو ذكر الهند لموازنة باكستان المتحالفة بشكل طبيعيّ مع المملكة السعوديّة، واليونان وقبرص اليونانيّة، وهما عدوّتان تاريخيّتان لتركيا، لكنّهما أضعف من أن يردعا حركة أنقرة في المجال الإقليميّ. وأشار نتنياهو إلى بعض الدول العربيّة، وربّما قصد بشكل خاصّ دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، التي تتمتّع بعلاقات وثيقة مع إسرائيل منذ عام 2020، بالإضافة إلى شركاء أفارقة، وقد يكون المراد منهم جنوب السودان، إثيوبيا، كينيا وأوغندا، علاوة على القسم المحتلّ من السودان نفسه على يد قوّات الدعم السريع.
تشير الكتابات الإسرائيليّة، التي توثّق المسار التاريخيّ لـ”عقيدة المحيط”، إلى أنّ الحكومات المتعاقبة في تل أبيب اهتمّت بالاستحواذ الاستراتيجيّ على السودان منذ استقلاله عام 1956، لأنّ ذلك يعزّز السيطرة على منابع نهر النيل ومساراته قبل وصوله إلى مصر. أمّا بالنسبة إلى الدول الآسيويّة التي يراهن عليها نتنياهو، فإنّ آذربيجان المحاذية لإيران شمالاً، ذات علاقات قويّة مع إسرائيل، ولها تأثير سلبيّ في الشمال الإيرانيّ ذي الأغلبيّة الآذريّة، إلّا أنّها تحتفظ أيضاً بعلاقات مميّزة مع تركيا. لذا تغيير النظام الإيرانيّ الإسلاميّ، ونقل السلطة إلى المعارضة الموالية لإسرائيل والولايات المتّحدة، يحيي “عقيدة المحيط” بشكل آخر، ويقوّي من نفوذ إسرائيل في المنطقة، ويعيد تشكيل تاريخ المنطقة لسنوات آتية.
