في يوم ربيعيّ من شهر أيّار من عام 2003، وبينما كانت واشنطن تعيش نشوة إسقاط بغداد، وصل إلى فاكس السفير السويسريّ لدى إيران، تيم غولديمان، بريد من صفحتين من السفير الإيرانيّ في باريس، صادق خرازي، يعرض ما عُرف لاحقاً بـ “المقايضة الكبرى”.
كانت إدارة المحافظين الجدد في واشنطن قد قسمت العالم إلى فسطاطين بعد هجمات أيلول 2001، واضعة إيران على رأس “محور الشر”، ومتوعّدة بتغيير نظام الملالي عندما تنتهي من نظام البعث في العراق. دبّج جناح التسوية بأمر من خامنئي الصفحتين واضعاً “كلّ شيء على الطاولة”، وأفضت المشاورات بين ممثّل إيران حينها في الأمم المتّحدة محمد جواد ظريف، ورئيس الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّية محمد البرادعي، وبعض المبعوثين الإيرانيّين من السويد وبريطانيا، إلى الاتّفاق على عرضها على الأميركيّين كمقايضة كبرى تحمل بذور معاهدة سلام إقليميّة دوليّة بين إيران ومحيطها، بما فيها إسرائيل.
قدّمت إيران مقترحها التفاوضيّ على ساعة ترامب، وهو بحسب التسريبات يقتصر على الملفّ النوويّ
مُهملات وتوبيخ؟
تنصّ الوثيقة المنشورة في كتاب تريتا بارسي “الحلف الغادر: التعاملات السرّيّة بين إسرائيل وإيران والولايات المتّحدة” على عرض متكامل:
- في الملفّ النوويّ، تعرض إيران فتح البرنامج النوويّ كاملاً أمام التفتيش الدوليّ وقبول البروتوكول الإضافيّ لمعاهدة عدم الانتشار النوويّ ومشاركة أميركيّة واسعة كبادرة حسن نيّة.
- في الأمن الإقليميّ تعاون كامل ضدّ جميع المنظّمات الإرهابيّة وعلى رأسها تنظيم القاعدة والمساعدة على استقرار العراق.
- في ملفّ الأذرع وقف الدعم لحركتَي حماس والجهاد الإسلاميّ والضغط عليهما لوقف الهجمات على إسرائيل ونزع سلاح “الحزب” وتحويله إلى حزب سياسيّ.
- في القضيّة الفلسطينيّة القبول بمبادرة السلام العربيّة، الذي يعني تلقائيّاً الاعتراف بإسرائيل وإقامة سلام معها، مقابل رفع العقوبات وإنهاء التعامل العدائيّ والاعتراف بشرعيّة المصالح الأمنيّة لإيران.
وقتها كانت إيران تحبو في برنامجها النوويّ ولم يكن لديها برنامج يذكَر لتصنيع الصواريخ البالستيّة، وكانت الساحات فكرة لم تنضج بعد، ولم يكن العالم يتصوّر أنّه بعد أكثر من عشرين عاماً سيقف مجدّداً عند القضيّة نفسها مع اللاعبين أنفسهم تقريباً. رفضت واشنطن، وتحديداً الثلاثيّ العقائديّ من صقور المحافظين الجدد “تشيني” و”رامسفيلد” و”ولفوفيتز”، العرض الإيرانيّ حينها، وبدل النظر إليه على أنّه “صفقة العصر” رُمي في سلّة المهملات ووُبّخ السفير السويسريّ على تجاوز صلاحيّاته الدبلوماسيّة.
كان مشروع الشرق الأوسط الجديد في ذروة تشكّله، وكان يبدو أنّ الطريق معبّد من كابول إلى الشام. ظنّ الأميركيّون أنّ خامنئي بعرضه كلّ شيء على الطاولة يجثم على ركبتيه بانتظار رصاصة الرحمة، وقرأت طهران في الرفض الأميركيّ تأكيداً لصحّة العداء الوجوديّ وأنّ الحرب آتية بلا شكّ.
أدركت طهران سريعاً ومعها دمشق أنّ إغراق الأميركيّين في وحول العراق وأفغانستان بضخّ السلاح والميليشيات العقائديّة من كلّ حدب وصوب هو السبيل الوحيد لإطالة عمر نظامَيهما. نجحت الاستراتيجية إلى حدّ كبير واستعار النظامان عقدين ونيّفاً من عمرهما الافتراضيّ من حساب شعوب المنطقة ودماء أبنائها. اعتقد أحدهم في هذا المحور أنّ لحظة السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل ستشكّل لحظة التحوّل الاستراتيجيّ الكبرى. كان محقّاً في تقدير خطورة التحوّل لكنّ كلّ حساباته كانت مخطئة في تحديد من سيكون المستفيد منه. أدّى تعامد الصهيونيّة الدينيّة في تل أبيب مع المسيحيّة الصهيونيّة والأحفاد العقائديّين للمحافظين الجدد في واشنطن مجدّداً إلى اصطفاف مشابه للحظة 2003. تهاوى كلّ ما بُني منذ لحظة الفاكس الشهير فيما يُنتظر أن يفتح آخر أبواب الجحيم على طهران إن لم تقبل بالصيغة التي كانت هي من اقترحتها في 2003. فهل فعلاً يمكن العودة إلى تلك اللحظة؟ وهل يجهضها العقائديّون كما فعلوا في المرّة الأولى؟ وهل دعاة الصفقة قادرون على الوصول إلى صيغة ترضي الجميع؟
يعرف الفريق البراغماتيّ في العاصمتين أنّ الصفقة الشاملة هي وحدها القابلة للحياة، لكنّه يدخل التفاوض بملفّ مبتور
دجاجة تبيض ذهباً
قدّمت إيران مقترحها التفاوضيّ على ساعة ترامب، وهو بحسب التسريبات يقتصر على الملفّ النوويّ. يدرك معسكر الصفقة في إيران أنّ سقف عرضها النوويّ لا يرقى إلى قعر المطالب الأميركيّة الشاملة، وأنّ بوناً مفاهيميّاً وعقائديّاً شاسعاً لا يزال يفصل بين الجانبين، وأنّه قد يتحوّل إلى ثقب أسود يبتلع الجميع إن سُمح للعقائديّين من الطرفين بالإمساك بزمام المبادرة. لذا يضعون فوقه “حبّة مسك” لترامب. أسواق بكر ومنجم من العقود تزرع إيران في قلب الاقتصاد الأميركيّ، وهذا هو تحديداً الرابط الذي كان مفقوداً في اتّفاق 2015 وفي عرض 2003.
يدرك هؤلاء أنّ وجود الشركات والاستثمارات والخبراء الأميركيّين على أرض إيران هو بوليصة التأمين الوحيدة التي يمكن أن تحمي النظام وتقنع ترامب في آن. تخلق حبّة المسك هذه مصلحة أميركيّة ماديّة مستقلّة عن المصلحة الإسرائيليّة وموازية للمصلحة الأمنيّة الأميركيّة بحيث لا يصبح كسر الاتّفاق مكلفاً لطهران فقط بل ولواشنطن نفسها. أمّا حماة العقيدة المتشدّدون وأمراء اقتصاد العقوبات الأثرياء من الحرس الثوريّ وزبانيته فينظرون إلى أيّ اتّفاق يفتح إيران على الأسواق العالميّة ويطبّع العلاقات الاقتصاديّة مع المؤسّسات المصرفيّة الدوليّة على أنّه إنهاء لاحتكارهم للثروة والسلطة. وبين دعاة الصفقة الذي يعملون بتوجيهات من المرشد الأعلى ودعاة الحرب الذين ينتظرون تكليفه الشرعيّ، يجلس خامنئي مقلّباً إرثه ومكانه في صفحات التاريخ، فهل يكون المنقذ للجمهوريّة الإسلاميّة أم آخر أوليائها؟
أمّا في واشنطن فيتحرّك دعاة الدبلوماسيّة من موقف مبدئيّ تحكمه عقيدة أميركا أوّلاً الترامبيّة التي باتت تستقطب شريحة واسعة من الأميركيّين ويعبّر عنها بشكل واضح نائب الرئيس جي دي فانس والإعلاميّ تاكر كارلسون الذي يحارب بشراسة فكرة انصياع صانع القرار الأميركيّ للمصالح الإسرائيليّة. يصطدم هؤلاء بمعسكر المحافظين الجدد والمسيحيّة الصهيونيّة الذي يرى كما يقول بنيامين نتنياهو أنّ هذه الفرصة التاريخيّة السانحة الآن للقضاء على رأس الأخطبوط المنهك قد لا تتكرّر أبداً. وبينهما يفكّر ترامب في صفقات تريليونيّة تضخّ عقوداً وتفتح أسواقاً وتغلق جسور الصين نحو أسواق الطاقة الرخيصة فيما يمتنع جنرالاته عن إسماعه معزوفة الضربة السريعة القاضية.
يعرف الفريق البراغماتيّ في العاصمتين أنّ الصفقة الشاملة هي وحدها القابلة للحياة، لكنّه يدخل التفاوض بملفّ مبتور. يرسل الإيرانيّون عرضاً نوويّاً لأنّهم يدركون أنّ هذا هو الباب الوحيد الذي لا يزال موارباً في واشنطن، ويطالب الأميركيّون بسقف يتجاوز المشروع النوويّ لأنّهم يعرفون أنّ أصل المشكلة لم يعد في أجهزة الطرد وحدها، بل في جوهر النظام الذي لم يفكّكوا طلاسمه على مدى 47 عاماً. لكن إن استطاع ترامب أن يبرم اتّفاقاً يمنع إيران من امتلاك سلاح نوويّ (وهي لا تمتلك أصلاً هذا السلاح) ويؤبّد التخصيب عند حدوده الدنيا ويحوّل إيران إلى دجاجة تبيض له ذهباً فسيخرج للناس شاهراً انتصاراً “كما لم ينتصر أحد من قبل”، وسيقول لنتنياهو “Live with it!، يمكنك أن تتسلّى بتدمير “الحزب” لكن ممنوع الاقتراب من إيران”.
إقرأ أيضاً: أميركا وإيران: من الصّبر الاستراتيجيّ إلى لحظة الحسم
العودة إلى 2003 ممكنة من حيث المنطق ومستحيلة من حيث الشروط، فلا مفرّ من مقايضة كبرى ولا سبيل واضحاً للوصول إليها، وقد بدأت كلّ الحروب الكبرى في المنطقة من نقطة اعتقد عندها كلّ طرف أنّ الآخر سيرتدع عند حدّ ما، فاكتشف الجميع متأخّرين أنّهم عبروا العتبة. ما كان يبدو في 2003 تنازلاً إيرانيّاً هائلاً هو اليوم، بعد كلّ الدم والخراب، الحدّ الأدنى العقلانيّ للجميع. لكنّ التاريخ لا يعيد نفسه إلّا على شكل فرصة أكثر كلفة وأضيق زمناً. وهذه المرّة، إن سقطت “المقايضة الكبرى” ثانية، فلن تُرمى في سلّة مهملات فاكس دبلوماسيّ، بل قد تُدفن تحت ركام عواصم كاملة.
* كاتبة صحافيّة وإعلاميّة لبنانيّة حاورت شخصيّات عربيّة وعالميّة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربيّ”. وقد تخصّصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة.
