التحالف الخيالي لنتنياهو

مدة القراءة 5 د

حين يكون الهدف المركزي لحروب نتنياهو إلغاء الدولة الفلسطينية، فإن أقصى ما يستطيع تأجيل قيامها بعد أن بلور العالم كله مقدّماتٍ سياسيةً وعمليةً لحتمية قيامها، ليس فقط بدافعٍ من اكتمال شروطها، كالأرض والشعب والشرعية الدولية، وإنما بفعل ما أجمع العالم عليه من وعيٍ لارتباط قيامها بالاستقرار المنشود والضروري في المنطقة، إن لم نقل في العالم.

 

تدمير غزة بالكامل، وقتل وجرح مئات الألوف من أهلها، وتواصل الحرب عليها لأكثر من عامين، وكذلك شنّ حربٍ على الضفة سخّرت لها إسرائيل كل ما لديها من قوىً عسكريةٍ نظاميةٍ واستيطانيةٍ وأمنية، لم تكن هذه مجرد حربٍ انتقاميةٍ مما حدث في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ولم تكن حرباً لتوفير الأمن لسكّان مستوطنات غلاف غزة، وإنما لتدمير الإمكانات المادية والسياسية لقيام الدولة الفلسطينية على أرضها.

كان الأمن ودرء الخطر هما العنوان والذريعة، أمّا الهدف فكان أوسع وأبعد من ذلك بكثير، فقد تجاوز البعد الفلسطيني ليصل إلى إنعاش حلم أو وهم إسرائيل الكبرى، وهذا أمرٌ لم يصدر عن فئةٍ هامشيةٍ في إسرائيل، بل صدر عن نتنياهو بالذات وبصوتٍ عالٍ ومباشرٍ سمعه العالم كله. وفي السياق ذاته جاء الحديث الغريب للسفير الأميركي في إسرائيل مايك هكابي، الذي لا ينبغي له أن يتحدث بهذا كسفيرٍ لدولةٍ عظمى، إنه لم يتحدث عن حاجة إسرائيل الأمنية، وضمان أميركا لها، بل تحدث عن إسرائيل الكبرى.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أدمن موقع الرجل الأول في إسرائيل، وصار احتفاظه به أقصى أمنيات حياته، اندفع وبأقل قدرٍ من الضوابط إلى حرب الجبهات السبع، وطلب من إسرائيل تفويضاً مفتوحاً كي يفعل ما يشاء وما يراه لازماً لنصره المطلق، وحصل على ما طلب، ونجح في إلغاء دور معارضيه واستهلك وزراء وقادةً كباراً بعزلهم من مناصبهم تحت ذريعة أنهم يعيقون تحقيق نصره المطلق، وبفعل الحرب كرّس نفسه كزعيمٍ أعلى وأوحد في إسرائيل، وأن النصر على غزة سيكون مجرد تفصيلةٍ في انتصاره المنشود على الشرق الأوسط.

في إسرائيل هنالك موسم حصادٍ دائم، يُظهر الفرق بين حسابات الحقل وحسابات البيدر، وهو الانتخابات البرلمانية، التي وحدها من يقرر حكم إسرائيل واتخاذ القرارات الرئيسية فيها بما في ذلك إعلان الحرب أو الذهاب إلى أي مشروعٍ آخر، ومنذ تأسيسها ظلّت إسرائيل محكومةً لمعادلة الفوز والخسارة في الانتخابات، ولأن نتنياهو الأذكى من بين أقطاب الطبقة السياسية والحزبية في إسرائيل، والأكثر كفاءةً في اللعب على التناقضات والخلافات الداخلية فيها، وتطويعها لمصلحة تطلعه للبقاء على سدة الحكم، فقد كانت حملاته الانتخابية من الأولى حتى السابعة هي المحرّك لعمله الداخلي والخارجي.

كان فرض على إسرائيل أن يمتد موسمها الانتخابي منذ أول يومٍ تُعلن فيه نتائج الانتخابات حتى أول يومٍ تجري فيه الانتخابات الجديدة، وهكذا كرّس نتنياهو نفسه كرجلٍ أول لأطول مدةٍ في تاريخ إسرائيل.

بقي على الانتخابات شهورٌ قليلةٌ، ما جعل من حملته الانتخابية أشدّ حرارةً من كل حملاته السابقة، ونظراً لأنه يقرأ نتائج الاستطلاعات التي تُنظّم كل يومٍ مع تناوله قهوته الصباحية، فقد انتابه قلقٌ جدي اقترب من اليقين بحتمية خسارته، نظراً لما تراه أغلبية الجمهور وجميع القوى الساعية لإسقاطه، فشلاً من جانبه في أمورٍ أساسيةٍ بالنسبة لإسرائيل، فهو… لم يحقق النصر المطلق الذي وعد به في غزة، ولم ينهِ حكاية الدولة الفلسطينية التي حصلت على دعمٍ دوليٍ غير مسبوق، خصوصاً من الدول التي اعتبرتها إسرائيل حاضنةً لها ولتفوقها وحتى لحروبها العدوانية في المنطقة.

وبدل أن يحلّ المشاكل الداخلية في إسرائيل لعب دوراً فعّالاً في تفاقمها، وتأجيج الصراع بشأنها، وخصوصاً ما تعتبره إسرائيل أيقونتها الدائمة، مؤسسة القضاء، وكذلك مسألة تجنيد الحريديم، مع اتهامٍ دائمٍ ومتنامٍ بأنه يستخدم كل إمكانات الدولة العميقة لخدمة حاجاته الزعامية الخاصة. وهو متهم كذلك بتغيير نظام الدولة ليحصل على إعفاءٍ من حكمٍ ينتظره، إمّا بالذهاب إلى السجن أو إلى البيت أو في أفضل الحالات إلى مقاعد المعارضة أو بالحصول على رقمٍ ثانٍ في تراتبية الحكم، لو أدخل نفسه في اصطفافٍ مع بعض قوى المعارضة.

آخر محاولةٍ من جانبه لتعزيز أوراقه الانتخابية، لجوؤه إلى ادعاءٍ بأنه يؤسس تحالفاً سداسي الأضلاع من دولٍ آسيوية وأفريقيةٍ وحتى عربيةٍ كما يقول، متكئاً على الزيارة التي سيقوم بها رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي والتي سيلقي خلالها خطاباً في الكنيست، ومن أجل الاستثمار الانتخابي قال إن العلاقة الشخصية بينه وبين مودي هي أساس التحالف الذي أعلنه من جانبٍ واحد. وفي الجلسة ذاتها تحدث عن علاقته الشخصية بالرئيسين ترمب ومودي كأساسٍ لما وصفه بالتحالف القديم والمستجد.

هل يستفيد نتنياهو من دعايته لنفسه بأن يفوز بالانتخابات على عكس ما تُنبئ به الاستطلاعات؟ أم أنه سيفشل هذه المرة كي تكون الأخيرة في حياته السياسية… لننتظر ونرَ.

مواضيع ذات صلة

أذرع إيران لن تنجو..

هل تقع الحرب أم لن تقع؟ ثمّ هل هي حرب بين طرفين أم حرب أميركيّة على إيران؟ ثمّ لمن المصلحة الغالبة في الحرب؟ لأميركا أم…

إخفاء خامنئي مخرج لحفظ النّظام بالتّنازل؟

هل تستلحق تصريحات وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي بأنّ “التوصّل لاتّفاق مع واشنطن ما يزال متاحاً”، الخطّ البيانيّ المتصاعد لإنذارات دونالد ترامب بالحرب؟ يتوقّف الجواب…

واشنطن تعود إلى لبنان من بوّابة التّحوّلات الكبرى

انخرطت أميركا في السياسة الدوليّة إثر الحرب العالميّة الأولى. كان انخراطها ظرفيّاً، إذ سرعان ما عادت إلى الخطّ الانعزاليّ التقليديّ بعد انتهاء الحرب. أطلق الرئيس…

هل حماكم السّلاح؟

أحيا القصف الإسرائيليّ على البقاع، والروايات الأولى المبالَغ فيها عن استهداف مدنيّين وأطفال، الحجّةَ ذاتها في أوساط جمهور الممانعة: “الدولة الوقحة التي تريد نزع السلاح…