انخرطت أميركا في السياسة الدوليّة إثر الحرب العالميّة الأولى. كان انخراطها ظرفيّاً، إذ سرعان ما عادت إلى الخطّ الانعزاليّ التقليديّ بعد انتهاء الحرب. أطلق الرئيس الأميركيّ وودرو ويلسون مبادئ مغايرة للتقليد السائد وقتذاك في مؤتمر السلام بعد الحرب، ودعا إلى إنشاء عصبة الأمم، إلّا أنّ طروحاته لم تلقَ تأييداً في واشنطن. جاء الانخراط الكامل في السياسة الدوليّة بعد الحرب العالميّة الثانية، وتثبّت، تحديداً في الكونغرس، مع اندلاع حرب كوريا.
ظلّت الولايات المتّحدة على ثباتها خلال الحرب الباردة في مواجهة الاتّحاد السوفيتيّ. أقامت تحالفات عسكريّة وأنشأت ترسانة نوويّة متكاملة. حصلت مواجهات بين الجبّارين، أبرزها أزمة الصواريخ في كوبا. قبل ذلك، انشطرت كوريا إلى جزءين وكذلك أوروبا، حيث جاء حائط برلين فاصلاً بين عالَمَين متناقضين. تولّت أميركا حرب فيتنام بعد فرنسا، وأخذت المواجهات مداها حتّى مطلع السبعينيّات، وأدّت إلى انقسامات حادّة داخل المجتمع الأميركيّ.
في الماضي، ارتبط التدخّل الأميركيّ في لبنان بأجندة إقليميّة، إلّا أنّ دوافع اليوم إقليميّة ودوليّة على حدّ سواء
تسليم بالأمر الواقع
في الشرق الأوسط (أو الأدنى)، وصلت الحرب الباردة في البدايات. أقامت واشنطن تحالفات مع اليونان وتركيا وإيران، وصولاً إلى باكستان، وتحرّكت موسكو باتّجاه المنطقة في عهد خروتشوف. أمّا المواجهات فكانت ساحتها العالم العربيّ حيث وقعت حرب السويس في 1956 بدوافع بريطانيّة-فرنسيّة ومشاركة إسرائيليّة. التقت مصالح الأطراف الثلاثة على التصدّي لجمال عبدالناصر. لكن سرعان ما وضعت أميركا حدّاً للحرب وأجبرت الحلفاء على التراجع تأكيداً لمرجعيّتها الدوليّة لا حرصاً على عبدالناصر. ثمّ جاء “مبدأ آيزنهاور” لاحتواء التداعيات السلبيّة لحرب السويس. أمّا إسرائيل فلم تكن أميركا أبرز داعميها في تلك المرحلة، بل فرنسا وبريطانيا وسواهما.
حصل التدخّل العسكريّ الأميركيّ الأوّل في لبنان عام 1958 بعد الانقلاب الذي أطاح النظام الهاشميّ في العراق. أنهت تسوية سياسيّة بين أميركا ومصر أزمة 1958. عاد الاهتمام الأميركيّ بلبنان بعد اندلاع الحرب في ظلّ ظروف أكثر تعقيداً من أزمة 1958. أصبح لبنان في السبعينيّات القاعدة الأساسيّة للتنظيمات الفلسطينيّة المسلّحة، وبالتالي للمواجهة مع إسرائيل، وأيضاً لسوريا ولخصومها من الأنظمة العربيّة. جاءت مهمّة الدبلوماسيّ الأميركيّ دين براون لضمان انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة، ولتأكيد حدود التدخّل العسكريّ بين سوريا وإسرائيل في لبنان إثر الصدام بين الأسد وعرفات عام 1976.
أعاد الاجتياح الإسرائيليّ الواسع عام 1982 أميركا إلى لبنان، لكن هذه المرّة دعماً لإسرائيل ولمواجهة سوريا المدعومة من الاتّحاد السوفيتيّ. بعد سقوط اتّفاق 17 أيّار، الذي تمّ بوساطة أميركيّة، انسحبت إسرائيل إلى الجنوب وخرجت أميركا والقوّات الدوليّة من لبنان بعد تعرّضها لاعتداءات متكرّرة، وتبوّأت سوريا موقعَ نفوذٍ متقدّماً في البلاد. إلى ذلك، دخلت إيران الساحة اللبنانيّة عبر “الحزب” وباتت أقرب الحلفاء لسوريا.
بعد انتهاء الحرب، سلّمت واشنطن بالأمر الواقع في لبنان حيث باتت سوريا صاحبة القرار الحاسم. تواصلت المواجهات بين “الحزب” وإسرائيل، وانتظمت الحرب مع تنفيذ تفاهم نيسان 1996 بإشراف أميركيّ-فرنسيّ، إلى حين تحرير الجنوب عام 2000. في المقابل، أخذت التحوّلات الدوليّة والإقليميّة مداها، بدءاً بانتهاء الحرب الباردة، وصولاً إلى حرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقيّ، وما تبعها من مفاوضات عربيّة-إسرائيليّة بدعم أميركيّ.
أمّا الحدث الفاصل فكان اعتداءات 11 أيلول في عقر دار الدولة العظمى والردّ الأميركيّ في أفغانستان لاستهداف “القاعدة” وحركة طالبان. فُتح ملفّ الإرهاب على مصراعيه، وبلغت العلاقات بين سوريا وأميركا مستوى غير مسبوق من التردّي. في حسابات واشنطن، بات التصدّي للعراق وإيران من الأولويّات. في المقابل، لم تتبدّل الحسابات في لبنان، وما نشأ من فائض قوّة بعد حرب 2006 سرعان ما وظّفه “الحزب” في سوريا والمنطقة.
زمن التسليم الدوليّ والعربيّ بواقع أنّ الدولة مغلوب على أمرها في لبنان لم يعد يجدي نفعاً، وباتت الحاجة ملحّة إلى استعادة دور الدولة عبر قواها الذاتيّة
فتح أبواب الجحيم
في ولايته الأولى، انسحب الرئيس ترامب من الاتّفاق النوويّ مع إيران وأصبحت أميركا أكثر التصاقاً بإسرائيل. استُكمل ذلك مع عودة ترامب إلى السلطة واحتدام حرب غزّة إلى حدّ أنّ المزاج السائد في واشنطن لامس zero tolerance تجاه إيران وحلفائها. بكلام آخر، باتت المواجهة مع إيران مفتوحة ومعلنة مع “أقصى الضغوط” الأميركيّة.
بعد “طوفان الأقصى” وحرب الإسناد، فُتحت أبواب الجحيم، إسرائيليّاً وأميركيّاً، وتبدّلت القواعد كلّها. ما كان ممكناً أو جائزاً في الماضي، لم يعد متاحاً اليوم. ففي حين أنّ سياسات أميركا وإسرائيل غير متطابقة بالكامل في المنطقة، إلّا أنّ الاتّفاق قائم بينهما في لبنان وبدعم دوليّ وعربيّ. بعد سقوط النظام في سوريا وتفاوض سوريا مع إسرائيل وتعرّض إيران للحرب، بالإضافة إلى العلاقات السويّة مع تركيا وانشغال روسيا بحرب أوكرانيا، انقلب فائض القوّة لمصلحة أميركا.
في الماضي، كما اليوم، جاء تدخّل أميركا في لبنان لأسباب تتجاوز واقعه. في الماضي، ارتبط التدخّل الأميركيّ في لبنان بأجندة إقليميّة، إلّا أنّ دوافع اليوم إقليميّة ودوليّة على حدّ سواء. في غزّة “مجلس سلام” مستورَد بديل عن الدولة، بينما في لبنان الدولة قائمة بمعزل عن قدراتها. زمن التسليم الدوليّ والعربيّ بواقع أنّ الدولة مغلوب على أمرها في لبنان لم يعد يجدي نفعاً، وباتت الحاجة ملحّة إلى استعادة دور الدولة عبر قواها الذاتيّة.
اختلفت المعادلات عمّا سبق. ما لم تفعله أميركا في الماضي تصرّ عليه اليوم لأسباب تتجاوز لبنان، ويأتي في سياق تقاطعات جديدة وضعت لبنان في المعسكر المعادي، بينما الجميع يبحث عن مخارج ممكنة.
إقرأ أيضاً: هل حماكم السّلاح؟