إيران بين اللّاءات الإسرائيليّة ودبلوماسيّة واشنطن؟

مدة القراءة 8 د

في اللحظة التي أعلن فيها رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو “لاءاته الثلاث” الحاسمة بشأن أيّ اتّفاق محتمل مع إيران، بدا المشهد وكأنّه يعود إلى نقطة الصفر: لا تخصيب، لا بنية تحتيّة نوويّة، ولا صواريخ بعيدة المدى، ولا للأذرع. غير أنّ هذه الشروط، مع حدّتها، لم تكن موقفاً تفاوضيّاً إسرائيليّاً تقليديّاً وحسب، بل محاولة لإعادة رسم حدود الممكن ذاته في العلاقة بين إيران والولايات المتّحدة.

 

لا تكتفي إسرائيل بمنع القنبلة، بل تسعى إلى محو القدرة على الاقتراب منها. هنا تحديداً يتشكّل المأزق الإيرانيّ: كيف يمكن لدولة بنت جزءاً كبيراً من ردعها على “القدرة الكامنة” أن تقبل تفكيكها دون أن تفقد معنى قوّتها؟ وكيف يمكنها في الوقت نفسه أن تتحمّل كلفة البقاء خارج النظام الاقتصاديّ العالميّ إلى ما لا نهاية؟

لا تكمن المعضلة الإيرانيّة في توازن القوى العسكريّ المباشر، بل في توازن المعنى الاستراتيجيّ. لم يعد البرنامج النوويّ في الوعي السياسيّ الإيرانيّ مشروعاً تقنيّاً أو ورقة مساومة وحسب، بل أصبح رمزاً للسيادة ومصدراً لهيبة الدولة بعد عقود من العزلة والعقوبات.

لذلك مطلب إخراج اليورانيوم المخصّب أو تفكيك البنية التحتيّة لا يُقرأ في طهران كإجراء رقابيّ، بل كدعوة إلى التخلّي عن أحد أعمدة الردع النفسيّ والجيوسياسيّ. لكنّ المفارقة أنّ هذا العمود نفسه بات عبئاً اقتصاديّاً وسياسيّاً داخليّاً، لأنّ استمرار العقوبات يقوّض القدرة التنمويّة للدولة ويضعها أمام جيل شابّ لا يرى في الردع النوويّ بديلاً عن فرص العمل والاستقرار. هكذا تقف إيران بين حاجتين متناقضتين: الحاجة إلى الحفاظ على القدرة، والحاجة إلى استعادة الاقتصاد. كلّما ازداد الضغط الإسرائيليّ على واشنطن لتبنّي شروط التفكيك الكامل، ضاقت مساحة المناورة بين هاتين الحاجتين.

لا ترى الرؤية الجديدة خارج الصندوق إيران كدولة ينبغي كسرها أو احتواؤها فحسب، بل كقوّة إقليميّة يمكن إعادة دمجها في نظام توازن

التّباين الأميركيّ – الإسرائيليّ

غير أنّ قراءة المشهد من زاوية واحدة، أي من زاوية الصراع الإيرانيّ – الإسرائيليّ، تُغفل التناقض الأعمق الذي يمنح طهران مجال الحركة: التباين البنيويّ بين الرؤية الإسرائيليّة والرؤية الأميركيّة.

ترى إسرائيل إيران تهديداً وجوديّاً مباشراً ينبغي إزالته جذريّاً، بينما تنظر واشنطن إليها بوصفها قوّة إقليميّة مزعجة لكنّها قابلة للاحتواء ما دامت لا تمتلك سلاحاً نوويّاً. ليس هذا الفرق تفصيلاً، بل هو الفجوة التي تتحرّك فيها السياسة الإيرانيّة منذ سنوات.

لا ترغب الإدارة الأميركيّة، أيّاً كان رئيسها، في حرب شاملة جديدة في الشرق الأوسط، ولا في انهيار دولة بحجم إيران مع ما يحمله ذلك من فوضى إقليميّة. لذلك تميل واشنطن تاريخيّاً إلى حلول وسط: تقييد لا تفكيك، تجميد لا اجتثاث. أمّا إسرائيل فتدفع دائماً نحو الحدّ الأقصى: إزالة القدرة لا ضبطها فقط. في هذه المسافة بين الاحتواء والتفكيك، تجد إيران فرصة صياغة مخرج لا يبدو استسلاماً كاملاً ولا تحدّياً مطلقاً.

إيران

لا تمرّ الطريقة، التي يمكن لطهران أن تعيد بها تعريف المأزق، عبر رفض الشروط أو قبولها، بل عبر تغيير طبيعة السؤال نفسه. بدل أن يبقى الملفّ النوويّ مسألة تقنيّة ثنائيّة بين إيران والولايات المتّحدة، يمكن تحويله إلى جزء من معادلة أمن إقليميّ أوسع، حيث لا يعود التخصيب أو الصواريخ شأناً إيرانيّاً معزولاً، بل عنصر في نظام توازن شامل.

في مثل هذا الإطار، يصبح مطلب تقييد الصواريخ أو التخصيب جزءاً من حزمة متبادلة تشمل قيوداً وتسويات في المنطقة كلّها، لا تنازلاً أحاديّاً من طهران. تغيِّر هذه النقلة من “ملفّ نوويّ” إلى “نظام أمنيّ” موقع إسرائيل في المعادلة لأنّها تحوّل شروطها من معايير عالميّة إلى مطالب طرف إقليميّ ضمن منظومة أوسع، وتجعل رفضها لأيّ تسوية شاملة يبدو كأنّه رفض لبنية أمن جماعيّ لا دفاع منفرد عن الذات.

 ليس المأزق الإيرانيّ مأزقاً عسكريّاً بقدر ما هو مأزق تعريف

العتبة من دون المرور

لكن حتّى من دون الوصول إلى معادلة إقليميّة كاملة، تستطيع إيران صياغة مخرج أكثر واقعيّة عبر تثبيت مفهوم “العتبة من دون العبور”، أي قبول قيود صارمة وطويلة الأمد على مستويات التخصيب والاستخدام العسكريّ، مقابل الاحتفاظ بالمعرفة والبنية العلميّة والصناعيّة التي تجعلها دولة قادرة نظريّاً دون أن تتحوّل فعليّاً إلى دولة نوويّة.

تمنحها هذه الصيغة ردعاً نفسيّاً واستراتيجيّاً كافياً، وفي الوقت نفسه تتيح رفعاً تدريجيّاً للعقوبات، وهي صيغة أثبت التاريخ النوويّ أنّها قابلة للاستمرار لأنّها تخلق منطقة رماديّة بين السلاح وعدمه، وهي المنطقة التي تفضّلها القوى الكبرى عادةً لأنّها تمنع الانفجار من دون فرض استسلام كامل. في هذه المنطقة الرماديّة تحديداً يمكن لإيران أن تقول إنّها لم تتخلَّ عن حقّها، بينما تستطيع واشنطن القول إنّها منعت القنبلة، حتّى لو بقيت إسرائيل غير مقتنعة بأنّ الخطر زال نهائيّاً.

ليس السؤال الأهمّ ما إذا كانت إيران قادرة على فرض شروطها، بل ما إذا كانت قادرة على جعل تجاهل مصالحها مكلفاً. الدولة التي تمتلك موقعاً جغرافيّاً مركزيّاً في طرق الطاقة، ونفوذاً إقليميّاً متعدّد الساحات، وقدرة تقنيّة نوويّة متقدّمة، لا يمكن التعامل معها كطرف هامشيّ في الترتيب الإقليميّ. لا تمنح هذه الأوراق طهران تفوّقاً على الولايات المتّحدة أو إسرائيل، لكنّها تمنحها وزناً يمنع فرض شروط قصوى عليها دون ثمن.

تسوية وسطيّة مقبولة

لذلك أقصى ما يمكن لإسرائيل تحقيقه هو رفع سقف التفاوض الدوليّ، لا ضمان الوصول إليه. في المقابل، أقصى ما يمكن لإيران تحقيقه هو منع الوصول إلى ذلك السقف، لا قلب الطاولة بالكامل. ليست النتيجة الطبيعيّة لهذا التوازن انتصاراً حاسماً لأيّ طرف، بل تسوية وسطيّة لا يرضى عنها أحد تماماً لكنّها مقبولة من الجميع نسبيّاً.

حتّى من دون الوصول إلى معادلة إقليميّة كاملة، تستطيع إيران صياغة مخرج أكثر واقعيّة

من هنا يبرز احتمال الصفقة التي لا ترضي إسرائيل تماماً لكنّها تبقى ممكنة أميركيّاً. قد تقبل واشنطن اتّفاقاً يفرض قيوداً مشدّدة ورقابة واسعة مقابل تخفيف كبير للعقوبات، من دون تفكيك كامل للبنية النوويّة أو تقييد جذريّ للصواريخ. سيُقرأ مثل هذا الاتّفاق في إسرائيل كخطر مؤجّل لا خطر مُزال، لكنّه سيُقرأ في واشنطن كنجاح في منع السلاح دون حرب.

هذا التباين في التقويم هو ما يسمح أصلاً بوجود مساحة تفاوض. لو كانت المصالح متطابقة تماماً، لما وُجد مجال للمناورة الإيرانيّة. غير أنّ السياسة الدوليّة لا تعمل بمنطق التطابق، بل بمنطق التوازنات المتداخلة، حيث تستطيع قوّة متوسّطة مثل إيران أن تستثمر التباينات بين قوى أكبر منها لتخفيف الضغوط القصوى.

المفارقة أنّ خطاب “اللاءات الثلاث” نفسه قد يكون جزءاً من لعبة رفع السقف لا الوصول إليه. يخدم التشدّد الإسرائيلي أهدافاً داخليّة واستراتيجيّة في آن: إظهار القيادة الأمنيّة، توحيد الجبهة السياسيّة، والضغط على واشنطن كي لا تعود إلى نموذج الاتّفاق المحدود. لكنّ التاريخ التفاوضيّ مع إيران يظهر أنّ الفجوة بين السقف الإسرائيليّ والنتيجة الفعليّة غالباً ما تكون كبيرة. لذلك لا يعني التشدّد العلنيّ بالضرورة أنّ كلّ الشروط قابلة للتحقيق، بل قد يكون أداة لضمان أنّ أيّ اتّفاق نهائيّ سيكون أقرب ما يمكن إلى الرؤية الإسرائيليّة، حتّى لو لم يبلغها بالكامل.

دمج إيران في نظام التّوازن

لا ترى الرؤية الجديدة خارج الصندوق إيران كدولة ينبغي كسرها أو احتواؤها فحسب، بل كقوّة إقليميّة يمكن إعادة دمجها في نظام توازن. في عالم متعدّد الأقطاب ومتغيّر الأولويّات، لم تعد استراتيجية العزل الكامل قابلة للاستدامة، خاصّة مع دول كبيرة ذات موارد ونفوذ. إذا قبلت واشنطن، ولو جزئيّاً، فكرة دمج إيران في توازن إقليميّ بدل إخراجها منه، فإنّ شكل الصفقة سيتغيّر جذريّاً: إيران بلا سلاح نوويّ لكن بلا حصار خانق، نفوذ إقليميّ مُنظَّم بدل نفوذ مفكّك، وتوازن قوى بدل صراع صفريّ.

تقف إيران بين حاجتين متناقضتين: الحاجة إلى الحفاظ على القدرة، والحاجة إلى استعادة الاقتصاد

مثل هذه الصفقة لن تُرضي إسرائيل تماماً لأنّها لا تزيل القدرة الإيرانيّة بل تضبطها، لكنّها قد تبدو للولايات المتّحدة الخيار الأقلّ كلفة مقارنةً بحرب أو سباق تسلّح نوويّ.

في النهاية، ليس المأزق الإيرانيّ مأزقاً عسكريّاً بقدر ما هو مأزق تعريف: تعريف القوّة، تعريف التنازل، وتعريف الأمن. إذا بقيت المعادلة محصورة بين خيارين مطلقين، التفكيك أو المواجهة، فإنّ طهران ستبقى في زاوية ضيّقة. أمّا إذا نجحت في نقل النقاش إلى منطقة التوازن المنظّم، حيث لا يُطلب منها الاستسلام الكامل ولا يُسمح لها بالاندفاع الكامل، فإنّ المخرج سيظهر كتحوّل في شكل الصراع لا كتنازل في نتيجته.

إقرأ أيضاً: “مجلس السّلام” يضبط نتنياهو تحت السّقف؟

عندها قد تنشأ تلك التسوية غير المثاليّة التي لا تحقّق أحلام أيّ طرف، لكنّها تمنع كوابيس الجميع. في السياسة الدوليّة، كثيراً ما تكون هذه التسويات الرماديّة، التي تبدو ناقصة لكلّ الأطراف، هي بالضبط ما يجعلها قابلة للحياة.

 

*كاتب وصحافي أردني

مواضيع ذات صلة

في لبنان “الحزب حزبان” وفي طهران “إيرانان”؟

تزداد القناعة بأنّ “الحزب” في لبنان بات “حزبين”، لكلّ منهما توجّهه حيال تحوّلات المنطقة، واستطراداً حيال خطّة الحكومة لحصر سلاحه بيد الدولة. يوازي ذلك الانطباع…

بعد إيران: تركيا وإسرائيل بين التّحدّي والتّوازن

لن يترك أيّ تحوّل جذريّ في موقع إيران، سواء أكان ضعفاً أو احتواءً، فراغاً محايداً في الشرق الأوسط، بل سيقود إلى إعادة توزيع الثقل الاستراتيجيّ…

انتخابات أيّار: بالتّراضي أم فرض أمر واقع؟

المعروف عن تجارب الانتخابات النيابيّة منذ ما بعد اتّفاق الطائف وصولاً إلى هذا اليوم، وجود تواطؤ بين السلطتين الاشتراعيّة والإجرائيّة على وضع قانون انتخاب يُقدِّم…

“الحزب” عند تقاطع الانتخابات والمفاوضات

“هل تموت أنت ومن معك… أم تموت وحدك؟”. عندما وجّه الجنديّ الإسرائيليّ هذا السؤال لأحمد ترمس ابن بلدة طلوسة، كان جوابه بديهيّاً وعقلانيّاً في لحظة…