في غمار تظاهرةٍ دوليّةٍ كبرى، من هندسة وتنفيذ الرئيس الأميركيّ دونالد ترمب، ينعقد اليوم مجلس السلام الذي أسّسه ووضع نظامه وحدّد من يحظى بعضويّته ومن يُستبعَد. لم تُفلح الدعاية المهولة التي رافقت تطوّرات تشكيل المجلس في إخفاء العيوب التي ولدت معه، وهي كثيرةٌ وأساسيّةٌ في تقرير النجاح أو الفشل.
أوّل العيوب انكفاء أوروبا عن المشاركة فيه. آخر ما حدث في هذا المجال أنّ إيطاليا قرّرت مشاركةً منقوصةً كمراقب، والاتّحاد الأوروبيّ كلّف مندوبةً عنه بحضور المناسبة للحديث بشأن غزّة فقط. غنيٌّ عن التذكير أنّ ترامب يتعمّد مجدّداً إهمال الدور الأوروبيّ الذي استبعدته الإدارات الأميركيّة جميعاً عن جهودها بشأن السلام في الشرق الأوسط، محدّدة له تسديد الكلفة الماليّة من دون أيّ نفوذٍ في المجال السياسيّ. ما دفع الجارة الأقرب للشرق الأوسط (أوروبا) إلى الحذر من مجلس السلام ومقاطعته بذريعة الدراسة والتمحيص والاختبار.
إذا ما دقّقنا في التركيبة التي تبلورت حتّى الآن، لم تدخل الدول المشارِكة في المجلس إليه كي تُؤمَر وتطيع، فلكلّ دولةٍ حساباتها المستقلّة عن حسابات ترامب، ويهمّنا بالمقام الأوّل الدول العربيّة والإسلاميّة التي تعرف بالضبط لماذا شاركت.
كذلك إسرائيل التي التحقت أخيراً بناءً على ضغطٍ أميركيّ، وفُسِّر هدف هذا الالتحاق بأنّه إنقاذٌ للدولة العبريّة من العزلة، لكن تحت تبريرٍ مشكوكٍ فيه، وهو احتواء اعتراضها على وجود المجلس أساساً، وترويض تملّصها من الالتزامات المترتّبة عليها في مسألة ملفّ غزّة وما سيليه من ملفّاتٍ يُفترض أن تُفتَح.
السؤال الذي يُطرح على مجلس السلام بصيغته الراهنة: هل يتفادى الرئيس ترامب صاحب المشروع وعرّابه العيوب البُنيويّة والسياسيّة التي ولدت مع المجلس
المشاركة العربيّة
أمّا مشاركة العرب والمسلمين ومن معهم من دول فكانت بفعل ما يحسبون من قدرةٍ أميركيّةٍ متفرّدةٍ على الضغط على إسرائيل لتنفيذ ما هو مطلوبٌ منها، ليس بشأن ملفّ غزّة فقط، وإنّما كلّ ما وعدت به مبادرة ترامب، التي تعزّزت بقرار مجلس الأمن رقم 2803. على هذه القاعدة يشارك العرب والمسلمون، وهذا ما يُفترض أن يتفهّمه الرئيس ترامب ومساعدوه.
أمرٌ آخرٌ يمكن اعتباره عيباً ليس في البنية وإنّما في المضمون السياسيّ، وهو انعدام التوازن بين المهامّ الراهنة للمجلس المتركّزة على الانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية في ملفّ غزّة، وبين التجاهل الواضح من جانب رئيسه لما تفعله إسرائيل في الضفّة الغربيّة، وهو مخالفٌ كلّيّاً لتعهّدات ترامب للزعماء العرب والمسلمين الذين التقاهم في نيويورك وقدّم لهم التزاماً لمنع إسرائيل من ضمّ الضفّة.
طالت إجراءات إسرائيل هذه المرّة أساسات القضيّة الفلسطينيّة، وهي الأرض، وهو ما يعني أنّ ضمّاً فعليّاً يتمّ تنفيذه، لكنّه يخلو فقط من مفردة الضمّ الرسميّ، وكأنّ العالم حيال مصائد مغفّلين نصبتها إسرائيل لتمرير أجنداتها تحت ستار مشاركتها في مجلس السلام.
احتفلت إسرائيل في واشنطن بقبول عضويّتها في مجلس السلام، وانتدبت وزير خارجيّتها لتمثيلها في مؤتمره الافتتاحيّ، لكنّها لم تُقدم على ذلك من منطلق بادرةٍ إيجابيّةٍ للتعاون والالتزام، بل إرضاءً للرئيس ترامب ولتفريغ المجلس من داخله بمنع صدور قراراتٍ لا تناسبها.
تسابق إسرائيل الزمن وتعمل بكلّ طاقتها على خدمة هدفها الأساسيّ، وهو ضمّ الضفّة، سواء سُمّي ضمّاً فعليّاً أو رسميّاً أو قانونيّاً أو زاحفاً كما يحلو لنا وصفه عبر متابعة القرارات وطريقة تنفيذها.
احتفلت إسرائيل في واشنطن بقبول عضويّتها في مجلس السلام، وانتدبت وزير خارجيّتها لتمثيلها في مؤتمره الافتتاحيّ
الفصل بين غزّة والضّفّة
إنّ أفضل ما تراه إسرائيل من مقوّمات النجاح لخططها في هذا المجال هو الفصل الأميركيّ بين مسألتَي غزّة والضفّة، وإذا كان مجلس السلام المهتمّ بإنهاء الحروب في المنطقة وإرساء سلامٍ شاملٍ فيها، وفق إعلانات الرئيس ترامب، يتعثّر في أداء مهامّه على مستوى معبر رفح كنموذجٍ راهنٍ من عدّة نماذج، فكيف له أن يُنجز ما وعد به في حلّ قضايا مستفحلةٍ في الشرق الأوسط وأساسها ما يجري تجاهله من قبل العرّاب الأميركيّ: القضيّة الفلسطينيّة بجناحَيها غزّة والضفّة.
السؤال الذي يُطرح على مجلس السلام بصيغته الراهنة: هل يتفادى الرئيس ترامب صاحب المشروع وعرّابه العيوب البُنيويّة والسياسيّة التي ولدت مع المجلس، فلا يكتفي بالاجتماعات والعناوين والوعود والتصريحات كما هو حاصلٌ حتّى الآن، ويتقدّم بخطوةٍ تُقنع العالم بأنّ السلام الحقيقيّ أصبح ممكناً؟ هل يستخدم النفوذ الأميركيّ في المنطقة والعالم لتحقيقه أم يمنح إسرائيل حقّ النقض في كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ في شأن السلام المنشود؟
إقرأ أيضاً: “مجلس السّلام” يضبط نتنياهو تحت السّقف؟
لكي لا نُغلق الأبواب أمام احتمالات تغيّرٍ في الرؤية والموقف الأميركيّ، فلنراقب ما سيصدر عن المجلس من قرارات، مذكّرين إدارة ترامب بما يعرفه العالم كلّه وبما أصبح قاعدةً ومبدأ، وهو أنّ السلام يبدأ في فلسطين ولا يتحقّق إلّا بفلسطين. إذ لا مجال لتجاهل اعتراف العالم كلّه بالدولة الفلسطينيّة قبل أن تُقام على أرضها، وهذا ما يحكم على جدّيّة المجلس وجدواه.