ترامب على خطى القيصر: الدّفع نحو حرب عالميّة!

مدة القراءة 4 د

تتماهى مبادرة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لتغيير النظام العالميّ من جانب واحد مع مبادرة قيصر ألمانيا وليم الثاني لتغيير النظام الدقيق الذي أقامه المستشار فيلهام بسمارك. ذلك أنّ انهيار هذا النظام بدا وكأنّه سقوط لأوّل حجر من سلسلة حجارة لوحة الدومينو. إذ توالى بعد ذلك سقوط الأحجار الواحد تلو الآخر حتّى انفجرت الحرب العالميّة ودفعت الإنسانيّة كلّها الثمن الباهظ جداً من البشر والحجر… هل نتعلّم من التاريخ؟

 

عام 1890 اتّخذ قيصر ألمانيا وليم الثاني قراراً بإبعاد المستشار (الرئيس) فيلهام بسمارك من منصبه. حدث ذلك بعد مرور عشرين عاماً على قيام الرايخ الثاني. نتيجة لذلك بدأت شبكة العلاقات التي أقامها بسمارك بحرفيّة راقية وبُعْد نظر ثاقب بالتمزّق والانهيار. اعتمد القيصر سياسة متشدّدة، فأثار القلق، وحتّى الخوف لدى جيران ألمانيا. كانت في مقدَّمهم فرنسا وبريطانيا في الغرب، وروسيا في الشرق.

وضع هذا القلق المشترك الأساس الذي قام عليه تحالف الشرق (الروسيّ) مع الغرب (الفرنسيّ – البريطانيّ) ضدّ ألمانيا. ذهبت روسيا في قلقها إلى درجة فقدت معها الثقة بالنمسا المتحالفة مع ألمانيا. دفع ذلك النمسا إلى غزو صربيا مطمئنّة إلى دعم ألمانيا، بذريعة الانتقام من اغتيال وليّ العهد النمساويّ في مدينة سراييفو (عاصمة البوسنة اليوم). أدّى هذا الغزو إلى إشعال فتيل الحرب العالميّة الأولى التي دمّرت أوروبا شرقاً وغرباً وقضت على الملايين من أبناء شعوبها. هكذا بحركة غير محسوبة بشكل جيّد، سقط ملايين القتلى وانهارت دول وتدمّرت مدن.

تجربة مماثلة؟

تقف العلاقات الأميركيّة – الأوروبيّة اليوم أمام تجربة مماثلة. الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من خلال مشروعه في غرينلاند، وفي ضوء موقفه من حلف شمال الأطلسيّ، يحاول فرض معادلة جديدة للنظام العالميّ تتجاوز حتّى دور منظّمة الأمم المتّحدة.

الرئيس ترامب مصرّ على المضيّ قدماً في نسف قواعد النظام العالميّ القائم، وفرض قواعد جديدة لنظام عالميّ جديد

خفّف نائبه ماركو روبيو (وهو من أصل كوبيّ هاجر طفلاً مع عائلته بحراً إلى فلوريدا) من وطأة التحوّل في الموقف الأميركيّ من حلف شمال الأطلسي ومن الدول الأعضاء في الحلف في الخطاب الذي ألقاه في مؤتمر الأمن الدوليّ في ميونيخ بألمانيا. لكنّ الرسالة بقيت: الرئيس ترامب مصرّ على المضيّ قدماً في نسف قواعد النظام العالميّ القائم، وفرض قواعد جديدة لنظام عالميّ جديد يريد من دول الحلف الأطلسيّ أن تكون شريكاً فيه.

بعد الحرب العالميّة الثانية وهزيمة النازيّة، ثمّ بعد سقوط جدار برلين وتمزّق الشيوعيّة، أُعيدت الحياة إلى نظام عالميّ على قاعدة احترام ميثاق الأمم المتّحدة (مجلس الأمن الدوليّ والجمعيّة العامّة). صحيح أنّ دولاً عديدة تجاوزت مراراً هذا النظام (جورج بوش الابن في غزو العراق وفلاديمير بوتين في اجتياح أوكرانيا وبنيامين نتنياهو في تدمير غزّة والضفّة الغربيّة)، إلّا أنّ تلك التجاوزات لا تزال تخضع للمساءلة والمحاسبة، على الأقلّ، أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة.

تتماهى مبادرة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لتغيير النظام العالميّ من جانب واحد مع مبادرة قيصر ألمانيا وليم الثاني لتغيير النظام

فنزويلّا عنوان المرحلة

غير أنّ العمليّة العسكريّة التي قام بها الرئيس الأميركيّ ترامب في فنزويلّا (من أجل السيطرة على ثروتها النفطيّة الضخمة) تشكّل عنواناً لمرحلة جديدة من مراحل فرض نظام عالميّ جديد. تكاد تتحوّل المبادرات الأميركيّة في فنزويلّا في حدّ ذاتها إلى سابقة يقوم عليها النظام العالميّ الجديد.

إلى جانب هذا التوسّع الأميركيّ في فنزويلا وعبرها في أميركا اللاتينية، هناك التوسّع الروسيّ في أوكرانيا وعبرها في شرق أوروبا. هناك التوسّع الإسرائيليّ في غزّة والضفّة الغربيّة وعبرها في جنوب لبنان والجولان السوريّ. هناك قضايا دوليّة عديدة أخرى تشكّل قنابل موقوتة تهدّد السلام العالميّ والنظام العالميّ المترنّح:

إقرأ أيضاً: معركة وراثة ترامب: فانس ضدّ روبيو

ماذا يحدث إذا بادرت اليابان مثلاً إلى استرجاع الجزر الشماليّة التي احتلّتها روسيا خلال الحرب العالميّة الثانية؟ ماذا يحدث إذا حاولت الصين استرجاع جزيرة تايوان التي انفصلت عن الوطن الصينيّ الأمّ؟ ماذا يحدث إذا حاولت الفليبين (بإيعاز أميركيّ) المطالبة بالجزر الصخريّة في بحر الصين التي يقع بعضها داخل حدود مياهها الاقليميّة والتي تعتبرها الصين امتداداً لها وجزءاً منها؟ ماذا يحدث إذا جدّدت الأرجنتين مطالبها باسترجاع فوكلاند التي تحتلّها بريطانيا حتّى اليوم؟

مواضيع ذات صلة

عن غضبة ياسين جابر: الشّيعة في الحكم… والمسؤوليّة

ستظلّ فورة غضب وزير الماليّة ياسين جابر في مجلس النوّاب، بوجه نائب رئيس المجلس الياس أبو صعب، في الذاكرة طويلاً، باعتبارها اللحظة الفارقة بين تاريخَيْن…

العالم تغيّر: ألوية إندونيسيّة “إسلامية” في غزّة؟

أعلنت إندونيسيا، أكبر دولة إسلاميّة، استعدادات تُجريها لإرسال قوّة من 8 آلاف جنديّ إلى قطاع غزّة. الخبر لافت لأنّه أوّل إعلان رسميّ من دولة مرشّحة…

فرصة النّظام الإيرانيّ… صفر

يعتبر الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أنّ إيران خسرت فرصتها سابقاً عندما تمّ الوثوق بها في ما يتعلّق بنسبة تخصيب اليورانيوم، إذ لم تحترم التزاماتها وتخطّت…

طرابس الشّام وطرابلس لبنان

كنتُ أَهِمُّ بالكتابة عن طرابلس بعد المصيبة التي نزلت بفقرائها عندما قرأتُ تهنئةً للزميل الكبير الدكتور عمر تدمري بمولده. ارتبطت طرابلس المدينة والتاريخ والعلم الدينيّ…