لبنان: مرحلة ما بين النهرين تحت المهجر الأميركي

مدة القراءة 6 د

دخل الملف اللبناني مرحلة دقيقة بعد زيارة قائد الجيش إلى الولايات المتحدة، حيث بدت واشنطن أكثر انخراطاً في رسم ملامح المرحلة المقبلة، سواء على مستوى الدعم العسكري أو الشروط السياسية المرتبطة بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سيادتها. وتفتح هذه الزيارة الباب أمام استحقاقات مفصلية تتعلق بحصرية السلاح، ومستقبل القوات الدولية في الجنوب، وطبيعة العلاقة بين لبنان والمجتمع الدولي في ظل التوازنات الإقليمية المتغيرة.

 

 

شكّلت زيارة قائد الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة محطة مفصلية في مسار التعاطي الدولي مع الأزمة اللبنانية، إذ عكست اهتماماً أميركياً متزايداً بالملفات السياسية والعسكرية والمالية المرتبطة بلبنان. وتوزعت اللقاءات التي أجراها الوفد اللبناني بين المؤسسات التشريعية والعسكرية والأمنية، إلى جانب البحث في آليات الدعم المالي وملفات مكافحة الفساد.

جاءت هذه الزيارة في سياق حراك دولي أوسع، يتقاطع مع مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية، ومع نشاط اللجنة الخماسية والآليات الدولية العاملة في بيروت. وقد أسست الزيارة لمرحلة جديدة يُتوقع أن ينتقل خلالها لبنان إلى تطبيق عملي لخطة حصرية السلاح ضمن منطقة تمتد بين نهري الليطاني والأولي، وهي منطقة تتميز بخصوصية أمنية وديموغرافية تفوق تعقيد منطقة جنوب الليطاني، نظراً لتداخلها السكاني وانتشار المؤسسات الرسمية فيها.

تُعد هذه المرحلة اختباراً لقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها تدريجياً، في ظل استمرار النقاش حول حرية حركة القوى المسلحة غير الشرعية في هذه المنطقة.

شكّلت زيارة قائد الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة محطة مفصلية في مسار التعاطي الدولي مع الأزمة اللبنانية، إذ عكست اهتماماً أميركياً متزايداً بالملفات السياسية والعسكرية والمالية المرتبطة بلبنان

الدعم الأميركي المشروط وتحديات العلاقة مع “الحزب”

عكست لقاءات قائد الجيش في واشنطن تفاوتاً في المقاربات الأميركية تجاه لبنان. فقد حملت بعض الاجتماعات أجواء إيجابية ركزت على استمرار دعم المؤسسة العسكرية، بينما اتسمت لقاءات أخرى بحدة في الطرح، خاصة في ما يتعلق بضرورة وضع جدول زمني واضح لتنفيذ خطة حصر السلاح شمال الليطاني.

أكد الجانب اللبناني خلال الاجتماعات التزامه بسياسات الحكومة، مشدداً على أن المؤسسة العسكرية تنفذ القرارات السياسية ولا تتخذها، وأن أي خطوات في ملف السلاح تحتاج إلى توافق وطني وإطار دستوري واضح. في المقابل، أبدت الإدارة الأميركية استعدادها لمواصلة الدعم العسكري، مع التشديد على ربطه بمدى التقدم في تنفيذ الإصلاحات وتعزيز سيادة الدولة.

تُظهر المقاربة الأميركية تفهماً نسبياً لحرص الجيش اللبناني على تجنب الصدام الداخلي، في ظل تمسك “الحزب” بسلاحه واستعداده لمواجهة أي محاولة لانتزاعه بالقوة. لذلك يُرجح استمرار الدعم الأميركي للجيش ضمن إطار تدريجي ومشروط، يترافق مع خطط لتعزيز قدراته العسكرية، بما في ذلك احتمال تزويده بتجهيزات ومروحيات جديدة.

ضغوط الكونغرس ومسار إعادة تشكيل الدولة اللبنانية

تزامنت الزيارة مع تصاعد النشاط التشريعي في الكونغرس الأميركي بشأن لبنان، حيث عُقدت جلسات استماع تناولت مستقبل السياسة الأميركية تجاهه. وركزت المداخلات على ضرورة مواجهة ما تعتبره واشنطن نفوذاً متزايداً لـ”الحزب” داخل مؤسسات الدولة، إضافة إلى الدعوة لتعزيز الإصلاحات الاقتصادية ومكافحة الفساد.

مع دخول لبنان ما يُعرف بمرحلة “ما بين النهرين”، سيواجه اختباراً صعباً يتمثل في قدرته على تنفيذ خطة حصرية السلاح تدريجياً ومن دون انفجار داخلي

اجتمع قائد الجيش والوفد المرافق بالإضافة إلى صقور من الكونغرس، مع عدة شخصيات سياسية ودبلوماسية، هم من غير الأعضاء في الكونغرس الأميركي، كان من أبرزهم مايك لولر والذي شغل في السابق رئاسة اللجنة الفرعية للشرق الأوسط في مجلس النواب، وأشار ان لبنان أمام فرصة تاريخية لبناء الدولة،  وقد لا تكرر في الخمسين سنة القادمة. اجتمع الوفد أيضا مع ديفيد شينكر الدبلوماسي ومساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأدنى مركزا على نقطة استمرارية الحزب في التهديد والحركة البطيئة لمسيرة حصرية السلاح. وتمحورت مداخلة حنين غدار الباحثة في معهد واشنطن للسياسة الشرق الأدنى على الموضوع المالي والاقتصاد الكاش وعن خطورة شركات تحويل الاموال والصرافة غير المنظمة والمراقبة، والتي أضحت بيئة موازية لتمويل الحزب. وتحدثت نائبة وزير الدفاع الأميركي السابقة لشؤون الشرق الأوسط “دانا سترول” عن أن الوقت المتاح لفرصة مساعدة لبنان ليست مفتوحة بالكامل إلى الأبد، فهي مشروطة مع جدية عمل الحكومة التراكمي مع ضرورة ان يكون التركيز  على خطوات الاصلاح الشاملة بالتوازي مع خطوات حصرية السلاح.

تشمل المبادرات التشريعية المطروحة مشاريع قوانين تتعلق بحماية نزاهة الانتخابات، وفرض عقوبات على معرقلي الاستحقاقات الدستورية، وتعزيز الدعم المشروط للجيش اللبناني، فضلاً عن دعم مشاريع إعادة الإعمار وعودة السكان إلى المناطق المتضررة.

في موازاة ذلك، جرى بحث مستقبل وجود القوات الدولية في جنوب لبنان، حيث تتجه المقترحات إلى الإبقاء على آليات رقابية ودولية بصيغ جديدة أو موسعة، لضمان استقرار المنطقة ومواكبة انتشار الجيش اللبناني تدريجياً، ومنع حدوث فراغ أمني قد يؤدي إلى تدهور الأوضاع.

إقرأ أيضاً: ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

مرحلة اختبار حاسمة؟

تشير المعطيات التي أفرزتها الزيارة إلى أن لبنان يقف أمام مرحلة انتقالية مفصلية، لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع الدولي على أسس جديدة تقوم على الشفافية والإصلاح. كما تمهد هذه المرحلة لمؤتمرات دعم دولية مرتقبة يُعوّل عليها للمساعدة في إنعاش الاقتصاد وتعزيز قدرات المؤسسات الرسمية.

مع دخول لبنان ما يُعرف بمرحلة “ما بين النهرين”، سيواجه اختباراً صعباً يتمثل في قدرته على تنفيذ خطة حصرية السلاح تدريجياً ومن دون انفجار داخلي، بالتوازي مع الحفاظ على الدعم الدولي واستثماره في تثبيت الاستقرار السياسي والأمني.

يبقى نجاح هذه المرحلة مرهوناً بقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين الضغوط الدولية والاعتبارات الداخلية، في ظل تحولات إقليمية متسارعة قد ترسم مستقبل لبنان لسنوات مقبلة.

مواضيع ذات صلة

بعيداً عن طاولة مسقط: مفاوضات سرّيّة بين أميركا وإيران؟

بات إنقاذ النظام المعيار الذي يتحكّم بالموقف الإيرانيّ حيال التفاوض. ما دون هذا الهدف “الأسمى” لدى القيادة قابل للبحث والأخذ والردّ بين طهران وواشنطن، حسب…

طهران الحائرة: ترامب يخدعنا والحرب حتمية

حين قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن اتفاق فيينا النووي لعام 2015 الذي دبّره سلفه باراك أوباما هو “أسوء اتفاق في التاريخ”، كانت إيران ملتزمة،…

كسوة الكعبة عند إبستين: تناقض المقدّس مع اقتصاد النفوذ

لم تكن الصورة التي خرجت من وثائق وزارة العدل الأميركية مجرّد تفصيل غريب في أرشيف قضية مالية ـ جنسية معقّدة، بل كانت صدمة رمزية مكثّفة:…

إيران المحشورة بين الدّور والموقع: انكماش أم انكسار؟

تنحشر إيران تاريخيّاً بين الموقع والدور، فالهضبة الإيرانيّة حين تتوحّد تُقيم دولةً كبرى ثمّ إمبراطوريّة. لكن في العصر الحديث انكمشت وقامت فيها دولة وطنيّة. وجاء…