جاء نشوء الدولة في لبنان في سياق تحوّلات ما بعد الحرب العالميّة الأولى وتفكّك السلطنة العثمانيّة. وساهمت التحوّلات في نشوء دول أخرى في المنطقة، منها تركيا الحديثة. وحدها مصر في العالم العربيّ لم تشهد تبدّلات سياسيّة أو جغرافيّة، وظلّت تحت الحكم الملكيّ والنفوذ البريطانيّ. مسار مختلف شهدته فلسطين حيث انطلق مشروع الحركة الصهيونيّة بدعم بريطانيّ وأنتج دولة في 1948، بعد مواجهات وحرب إقليميّة.
بدأت محطّة أخرى بعد الاستقلال وأفول الانتداب. خلافاً لدول المنطقة، جاء الاستقلال في لبنان متلازماً مع الميثاق الوطنيّ. شارك لبنان في حرب 1948، إلى جانب مصر وسوريا والأردن، ووقّع اتّفاقيّة الهدنة مع إسرائيل أسوة بالدول المعنيّة.
شهدت الخمسينيّات تحوّلات جرّاء المدّ الناصريّ واحتدام الحرب الباردة في المنطقة وحرب السويس. جاءت أزمة 1958 في لبنان في سياق سلسلة من الأزمات في دول المحيط العربي. إلّا أنّها أفرزت واقعاً مختلفاً بالمقارنة مع دول الجوار، بعيداً من الثورة والأيديولوجية.
في عهد الرئيس شهاب، انطلقت الدولة بزخم إصلاحيّ وإنمائيّ جديد، بلا فساد أو إفساد. تحوّلت البلاد مركزاً اقتصاديّاً وماليّاً للمنطقة وتعزّز الدور الرقابيّ للدولة. فتحت محاولة انقلاب فاشلة الباب لتدخّل العسكر (المكتب الثاني) في الشأن السياسيّ. ازدادت التجاوزات وانتظمت المعارضة، ووصلت إلى السلطة في الانتخابات الرئاسيّة عام 1970 بفارق صوت واحد، كان كافياً لإقصاء قادة المكتب الثاني.
في مطلع الثمانينيّات دخلت إيران الإسلاميّة الساحة، حاملة أوّل “صادراتها” الثوريّة إلى لبنان
رياح التّغيير
هبّت رياح التغيير في المنطقة بعد حرب 1967 إثر هزيمة الجيل الذي ثار بوجه “جيل الهزيمة” في 1948. بعد 1967 بات الصدام بين الدولة والثورة مسألة وقت. انطلق الكفاح المسلّح بقيادة ياسر عرفات لا من أجل تحرير فلسطين فحسب، بل أيضاً لإسقاط “الأنظمة الرجعيّة” العربيّة تمهيداً للتحرير. وقع الصدام المسلّح في الأردن، ثمّ في لبنان، بينما الكفاح المسلّح محظور في دولتَي الطوق الأخريَين مصر وسوريا.
في دولة غير سلطويّة وغير معسكرة ومجتمع منقسم كلبنان كانت الغلبة للقوّة العسكريّة. اتّفاق القاهرة في 1969، و”اتّفاق ملكارت” في 1973، الذي تصدّى لثغرات ما بعد 1969، بقيا حبراً على ورق. ثمّ جاءت حرب 1973 لتزيد الطرفان اللبنانيّ والفلسطينيّ تهميشاً ولتضعهما في مواجهة مباشرة، فيما أصبح لبنان ساحة وحيدة للنزاع العسكريّ مع إسرائيل.
خلال سنوات الحرب تلاشى دور الدولة وانقسم الجيش وتمدّدت الميليشيات، ونشأت الصدامات داخل الصفّ الواحد وفيما بين الميليشيات. أخذت المواجهات العسكريّة مداها بين سوريا ومنظّمة التحرير، مدعومة من أنظمة عربيّة متصارعة. أمّا إسرائيل فكان دخولها مدوّياً: مواجهات مع منظّمة التحرير ولاحقاً مع سوريا واحتلال الجنوب بعد اجتياح 1978، الذي تبعه الاجتياح الأوسع في 1982 الذي قلب المعادلات اللبنانيّة والفلسطينيّة.
بعد انتهاء الحرب، اقتصر حضور الدولة على النواحي الشكليّة، فيما القرار النافذ في السياسة والأمن والعسكر بيد سوريا
في مطلع الثمانينيّات دخلت إيران الإسلاميّة الساحة، حاملة أوّل “صادراتها” الثوريّة إلى لبنان، فبرز “الحزب” مدعوماً من الحرس الثوريّ الذي رعته منظّمة “فتح” في لبنان. سرعان ما حصل انشقاق داخل حركة “أمل” وانضمّت “أمل الإسلاميّة” إلى “الحزب”. وقع الصدام أيضاً بين “الحزب” واليسار، لا سيما في الوسط الشيعيّ. ثمّ جاءت “حرب المخيّمات” بين “أمل”، مدعومة من سوريا، والجماعات الفلسطينيّة بقيادة ياسر عرفات، تبعها صدام أوسع بين “الحزب” وحركة “أمل” تمّ تطويقه بوساطة إيرانيّة – سوريّة والاتّفاق على تقاسم السلطة والنفوذ بين الطرفين.
على المقلب الآخر، صدام بين العماد ميشال عون وسوريا، ثمّ مع “القوّات اللبنانيّة” في المناطق المسيحيّة. انتهت المرحلة بحسم عسكري قادته دمشق بأدوات محليّة. في الموازاة، تمّ إقرار اتّفاق الطائف بشقّيه الإصلاحيّ والسياديّ الذي جاء مطابقاً للإرادة السوريّة بغطاء إقليميّ ودوليّ.
حضور شكليّ ومحطّة فاصلة
بعد انتهاء الحرب، اقتصر حضور الدولة على النواحي الشكليّة، فيما القرار النافذ في السياسة والأمن والعسكر بيد سوريا. انحصرت المقاومة العسكريّة للاحتلال بـ”الحزب”، واقتصرت وظيفة الدولة على توفير الغطاء الرسميّ للمواجهات الدائرة. هكذا جاء تفاهم نيسان 1996 الذي نظّم الحرب بين “الحزب” وإسرائيل. استطاع “الحزب” أن يجعل الاحتلال بالغ الكلفة وأن يجبر إسرائيل على الانسحاب عام 2000، وتعامل مع مرحلة ما بعد التحرير بدراية.
خلال سنوات الحرب تلاشى دور الدولة وانقسم الجيش وتمدّدت الميليشيات، ونشأت الصدامات داخل الصفّ الواحد وفيما بين الميليشيات
بعد انسحاب الجيش السوريّ في 2005 وانتفاضة الاستقلال تأقلم “الحزب” مع الواقع الداخليّ المستجدّ، فيما ظلّ العمل العسكريّ خارج نطاق الدولة. استعادت الدولة حضورها في الجنوب عبر انتشار الجيش اللبنانيّ بعد حرب 2006 والقرار 1701 الذي أٌشبع انتهاكاً. اختلف زخم ما بعد 2006 عن إنجاز التحرير في الاتّجاهين: وظّف “الحزب” فائض القوّة خارج لبنان، بينما استعدّت إسرائيل للحرب الآتية. بات لـ”الحزب” موقع مؤثّر داخل الدولة وخارجها تمّ تثبيته عسكريّاً في أيّار 2008، ثمّ سياسيّاً في اتّفاق الدوحة.
إقرأ أيضاً: إيران أضعف والمطالب أشدّ
بدأت محطّة أخيرة فاصلة مع حرب الإسناد التي اختلفت في دوافعها وغاياتها عمّا سبق. تشكّلت محاور ثلاثة: المحور العسكريّ لجهة الحرب مع إسرائيل التي أخذت مداها في 2024، والمحور الاقتصاديّ والماليّ الضاغط بعد انهيار 2019، والمحور المرتبط بالحاجة إلى دولة تتحمّل المسؤوليّة بعد تحوّلات غير مسبوقة، داخليّاً وخارجيّاً، لا سيما أنّ تعامل الخارج محصور بالدولة. “من دولة بلا حدود إلى دولة تمارس سلطتها على أرضها وتضبط حدودها”: إنّها معادلة جديدة حتّمتها ظروف وتحوّلات لم تكن قائمة منذ أكثر من نصف قرن.
