لا تنحصر أزمة اللبنانيين بسلوك وتصريحات الشيخ نعيم قاسم وما تبقّى من حزبه، بل تشمل أيضاً واقع السلطة اللبنانية وسلوكها في مواجهة سلاح الحزب وحصريته. ففي الوقت الذي يمتهن فيه قاسم ومن معه غواية الهزيمة، تتمسّك السلطة اللبنانية، بكل مكوّناتها السياسية والأمنية والعسكرية، بعزلتها، مستسلمة لفكرة فقدان القدرة على المبادرة وممارسة مهمتها الأساسية في الحكم والتحكّم.
اللافت أنّ السلطة اللبنانية، عبر الرؤساء الثلاثة، التزمت الصمت حيال مواقف الشيخ نعيم قاسم الأخيرة، التي أعلن فيها نيته مساندة إيران ومرشدها علي خامنئي في مواجهة أي عدوان أميركي أو إسرائيلي محتمل. فاقتصرت الردود على قوى سياسية وحزبية ونيابية اعتادت انتقاد الحزب ومواجهته إعلامياً وسياسياً، فيما بدت السلطة وكأنها على الحياد حيال ما يحصل.
لا تنحصر أزمة اللبنانيين بسلوك وتصريحات الشيخ نعيم قاسم وما تبقّى من حزبه، بل تشمل أيضاً واقع السلطة اللبنانية وسلوكها في مواجهة سلاح الحزب وحصريته
أوجه الشبه
تتشابه الأمور بين نعيم قاسم وحزبه من جهة، والسلطة اللبنانية وأجهزتها من جهة ثانية، عبر ثلاثة عناوين أساسية:
1-منطق الانتظار
يمارس الحزب وقيادته، في مواجهة التحوّلات والضغوط، سياسة الانتظار وشراء الوقت، على أمل تبدّل الأحوال عبر حدث مفاجئ، أو وعد عقائدي بظهور المهدي أو هلاك الأعداء والخصوم. في المقابل، تمارس السلطة اللبنانية بدورها لعبة انتظار “المخلّص” القادم من الخارج، مهما اختلفت هويته ولونه. الحزب ينتظر الوعد الإلهي وفق منطق ولاية الفقيه، والدولة اللبنانية تنتظر إصرار الخارج على نزع سلاح الحزب سلماً أو حرباً.
2- الظاهرة الصوتية
تحوّل الحزب في هذه المرحلة، وتحديداً بعد حرب الإسناد والهزيمة التي تلقّاها، إلى ظاهرة صوتية، بعدما تقطّعت السبل التنفيذية أمامه، من فقدان معظم قيادات الصف الأول العسكرية، مروراً بفرقة الرضوان، وصولاً إلى الاغتيالات الإسرائيلية اليومية والدقيقة لكوادره منذ قرار وقف إطلاق النار. بات الحزب عبارة عن خطابات لنعيم قاسم وكتائب من الإعلاميين الموالين المنتشرين على الشاشات والمنابر.
في المقابل، لم تكن الدولة اللبنانية في حال أفضل. فهي أيضاً مارست لغة الكلام في المواجهة، تارة عبر رئيس الحكومة نواف سلام، وطوراً عبر رئيس الجمهورية العماد جوزف عون. تصريحات مفصلية وقاسية، لكنها تبقى تصريحات. فالسلطة هي قول وفعل، ولم تكن يوماً، ولن تكون، بأدائها، شبيهة بأداء ناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. المعركة في لبنان اليوم هي معركة صوت فقط، بين محور الاحتفاظ بالسلاح ومحور نزع السلاح.
3- فقدان الوظيفة الإقليمية
منذ اغتيال السيد حسن نصر الله في 27 أيلول 2024، ثم توقيع قرار وقف إطلاق النار، فسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، أفقد الحزب وظيفته الإقليمية، وتحول في ليلة وضحاها من “حليف في مواجهة داعش” إلى متّهم بالإرهاب على شاكلة داعش. ولم يعد له مكان على طاولة الكبار كما كان يتفاخر بذلك الراحل السيّد نصر الله.
في المقابل، ومع سقوط نظام بشار الأسد وانفتاح “العالم المفيد” على سوريا الجديدة بقيادة أحمد الشرع، ينزف لبنان من دوره الوظيفي في الشرق الأوسط، سياسياً واقتصادياً، وهو نزف ستظهر تداعياته سريعاً مع الأيام. لم يعد لبنان ذا أهمية في لعبة الكبار، بعدما فقد الكثير من وزنه بسبب التردد في مباشرة المستقبل، سواء في العلاقة مع سوريا الجديدة أو في الالتزام بما تعهّد به المسؤولون في السلطة.
يمارس الحزب وقيادته، في مواجهة التحوّلات والضغوط، سياسة الانتظار وشراء الوقت، على أمل تبدّل الأحوال عبر حدث مفاجئ، أو وعد عقائدي بظهور المهدي أو هلاك الأعداء والخصوم
لبنان والفخ
بات لبنان، على خلفية كل هذه الوقائع، معتقلاً بين شيخ مهزوم اسمه نعيم قاسم، ودولة عاجزة تتأرجح بين مفردات الأزمة، من احتواء السلاح وتجميده، إلى الاختباء خلف شعارات المحافظة على العيش المشترك والاستقرار العام. المطلوب ليس حرباً داخلية لتثبت الدولة وجودها، بل تطبيق القوانين بمنطق الدولة، وتقديم نموذج جديد.
ومن المؤكد أنّ غراسيا القزي ليست من هذا النموذج، ولا ملف كازينو لبنان، ولا نمط التعاطي مع إضاءة صخرة الروشة.
لبنان كله اليوم، كما نعيم قاسم وحزبه، وكما الدولة ومؤسساتها، ينتظر “غودو”. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي جنسية “غودو”؟
إقرأ أيضاً: خطاب قاسم: فائض الجنون.. مرة أخرى ودائمة
لمتابعة الكاتب على X:
