هل بات العنف خياراً سياسيّاً مفضّلاً؟ وكيف يمكن مقارنة ما يجري في مدينة أميركيّة بما يحدث في غزّة المحاصَرة؟ وهل تتحوّل القوّة العارية، حين تُستخدم بلا مساءلة، إلى أداة انتخابيّة تتقدّم على السياسة والأخلاق معاً؟
يشبّه الكاتب والمحلّل السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان ما يحدث اليوم في مينيابوليس في الولايات المتّحدة بما يحدث في غزّة من حيث الإسراع إلى استخدام العنف بدل الحلول السياسيّة. فعلى الرغم من اختلاف الجغرافيا والثقافة والأنظمة السياسيّة، يرى فريدمان أنّ القاسم المشترك بين الساحتين هو التبنّي المتزايد لمنطق العنف السريع بدل الحلول السياسيّة المتأنّية، وتفضيل القادة للقوّة والترهيب والإكراه على التفاوض والمساءلة وضبط النفس الأخلاقيّ، وحرصهم على تحقيق مكاسب انتخابيّة أو سلطويّة قصيرة المدى أكثر من حرصهم على مصلحة المجتمع على المدى البعيد.
يقرّ فريدمان بحيرته اليوميّة أمام فيض مقاطع الفيديو الصادمة من مينيابوليس، مسقط رأسه، ومن غزّة التي كانت محوراً أساسيّاً في مسيرته الصحافيّة الممتدّة لعقود: فهل يركّز على مشاهد إطلاق النار في مينيابوليس، حيث أُصيبت سيّدة أثناء محاولتها إخلاء المكان، أو على مشهد ممرّض أُطلق عليه الرصاص لأنّه حاول حماية امرأة من رذاذ الفلفل أم على مشاهد الغارات الإسرائيليّة في غزّة التي قتلت صحافيّين فلسطينيّين كانوا يوثّقون توزيع مساعدات إنسانيّة أم على مشاهد “حماس” وهي تعدم خصومها وترفض الاستسلام، على الرغم من أنّ الحرب التي أشعلتها في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 لم تُسفر إلّا عن كوارث للفلسطينيّين؟
يشبّه الكاتب والمحلّل السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان ما يحدث اليوم في مينيابوليس في الولايات المتّحدة بما يحدث في غزّة من حيث الإسراع إلى استخدام العنف بدل الحلول السياسيّة
وجوه مقنّعة: حماس والبوليس الفدرالي
هذه الصور، على الرغم من اختلاف أماكنها، تعبّر، في رأي فريدمان، عن منطق واحد: الاستسهال المفرط للعنف. ويرى أنّ هذه الأحداث ليست أخطاء فرديّة أو حوادث معزولة، بل مدفوعة بقادة سيّئين يُفضّلون الحلول السهلة والعنيفة على العمل الجادّ لحلّ المشكلات بالتفاوض، قادة يرون في أسلوب القبضة الحديديّة أفضل وسيلة للفوز في الانتخابات المقبلة: الرئيس دونالد ترامب في انتخابات التجديد النصفيّ لعام 2026، رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، الذي يُتوقّع أن يدعو إلى انتخابات في الفترة نفسها تقريباً، و”حماس”، في سعيها اليائس إلى قيادة الحركة الفلسطينيّة في مرحلة ما بعد الحرب، على الرغم من خسارتها الحرب.
من أوجه الشبه بين ما يحدث في مينيابوليس وغزّة، يشير فريدمان إلى الاستخدام الواسع النطاق للأقنعة من قِبل معظم عناصر “حماس” ووكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركيّة، الأمر الذي يُعدّ رمزاً صارخاً لهذه العقليّة العنيفة المشتركة. ويتذكّر رؤيته للمقاتلين الملثّمين خلال سنوات تغطيته للأحداث في بيروت وغزّة، الذين غالباً ما يشير إخفاء هويّتهم إلى أنّهم يُخطّطون لأمر سيّئ ولا يريدون أن تُصوَّر وجوههم.
بينما يتفهّم فريدمان سبب إخفاء مقاتلي “حماس” وجوههم خوفاً من الانتقام لأفعالهم، يجد من المقلق للغاية أن يشعر عملاء الحكومة الفدراليّة الأميركيّة بالحاجة نفسها. ويقول إنّه لو تمّ وضع صورة ضابط من إدارة الهجرة والجمارك بجانب صورة أحد عناصر “حماس” في مسابقة إخباريّة، لما أمكن التمييز بينهما.
بالنسبة لفريدمان، يمثّل مشهد عناصر من وكالة الهجرة والجمارك الأميركيّة وهم ينفّذون عمليّات داخلية بوجوه مغطّاة انهياراً خطِراً لمبدأ الشفافيّة والمحاسبة الذي تقوم عليه الدولة الديمقراطيّة. ويسأل وزيرة الأمن الداخليّ كريستي نويم: ما الذي تُخفينه؟ ومنذ متى شعرت قوّات الشرطة الداخليّة الأميركيّة، المكلّفة حماية الدستور وسيادة القانون، بالحاجة إلى إخفاء هويّاتها؟
ما يحدث بالفعل، في رأي فريدمان، هو أنّ لدى نتنياهو حافزاً سياسيّاً لإطالة أمد الحرب واستفزاز “حماس” لمواصلة القتال، وهو أن يضمن عدم اضطرار إسرائيل إلى التراجع
ينتقد فريدمان إصرار إدارة ترامب على تبرئة وكالة الهجرة والجمارك بالكامل، ويحذّر من أنّ هذا الإنكار لا يؤدّي إلّا إلى تقويض الدعم لإنفاذ قوانين الهجرة، فالحكم الفعّال يتطلّب الشرعيّة وضبط النفس وثقة الشعب، وهي أمور لا تُبنى على العنف العشوائيّ. ويقارن بين ما يجري في مينيابوليس، حيث الضحايا لم يكونوا مسلّحين ولا يشكّلون خطراً، بل كانوا مراقبين أو مدافعين عن آخرين، ومع ذلك جرى التعامل معهم بإطلاق نار مباشر، وبين ما يجري في غزّة، ومقتل ثلاثة صحافيّين فلسطينيّين كانوا يوثّقون نشاطاً إنسانيّاً خلال وقف إطلاق نار، معتبراً أنّ المنطق هو نفسه: “أطلق النار أوّلاً ثمّ دقّق لاحقاً”. ويتساءل كيف لدولة قادرة على تنفيذ اغتيالات دقيقة في دول بعيدة أن تعجز عن التمييز بين صحافيّ ومقاتل في وضح النهار؟
الانزلاق إلى الظّلام
ما يحدث بالفعل، في رأي فريدمان، هو أنّ لدى نتنياهو حافزاً سياسيّاً لإطالة أمد الحرب واستفزاز “حماس” لمواصلة القتال، وهو أن يضمن عدم اضطرار إسرائيل إلى التراجع. إنهاء الحرب في ظلّ الظروف الراهنة سيعرّضه لهجمات سياسيّة قبيل الانتخابات المتوقّعة عام 2026. أمّا “حماس” فهي مدفوعة بدورها بالبقاء السياسيّ. على الرغم من خسارتها الحرب عسكريّاً، ترفض التخلّي عن أسلحتها لأنّ السيطرة المسلّحة هي مصدر سلطتها. وحتّى لو تحوّلت رسميّاً إلى حزب سياسيّ، فستسعى إلى تقويض أيّ حكومة فلسطينيّة تكنوقراطيّة قد تظهر، لضمان استمرار هيمنتها من وراء الكواليس، بما يفرغ أيّ تسوية من مضمونها.
إقرأ أيضاً: فريدمان عن ترامب: أنا أوّلاً
على الساحة الأميركيّة، يرى فريدمان أنّ ترامب يراهن على الفوضى في مينيابوليس لتعزيز خطابه الانتخابيّ القائم على “القانون والنظام”، الذي تغذّيه المشاعر المعادية للهجرة، على الرغم من أنّ استطلاعات الرأي العامّ تُظهر استياءً واسع النطاق من أساليب إدارة الهجرة والجمارك. ويدعو سكّان مينيسوتا إلى الاستمرار في توثيق الانتهاكات والدفاع عن جيرانهم، مع تأكيد ضرورة ربط ذلك بمطالبة واضحة بإصلاح شامل للهجرة.
يخلص فريدمان إلى التأكيد مجدّداً أنّ كلّاً من ترامب ونتنياهو و”حماس” يتطلّعون إلى الفوز في انتخابات عام 2026. وعلى سكّان مينيسوتا وإسرائيل وغزّة أن يضعوا هذا في اعتبارهم. فإذا حافظ ترامب على سيطرته على الكونغرس، وإذا فاز نتنياهو بولاية ثانية، وإذا سيطرت “حماس” على الحركة الفلسطينيّة، فإنّ المجتمعات الثلاثة في مينيسوتا وإسرائيل وغزّة ستنزلق إلى ظلام يصعب الخروج منه.
لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا
