باكستان تُغيّر جلدها: صعود عسكري ودبلوماسية هجومية

مدة القراءة 9 د

أثارت باكستان حنق الهند حين جلس رئيس وزرائها شهباز شريف إلى طاولة واحدة في منتدى دافوس، مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، في استجابة منها لدعوة الانضمام إلى مجلس السلام Board of Peace، بينما غابت نيودلهي عن الحدث. لكن لم يكن هذا حادثاً منفصلاً، بل استراتيجية باكستانيّة جديدة للفت الانتباه، فهل تنجح؟

 

 

أثار انضمام إسلام آباد في 22 الشهر الحالي إلى “مجلس السلام” تحت إمرة ترامب سيلاً من الانتقادات داخل باكستان، بسبب تجاوز دور البرلمان في المقام الأوّل. الهدف الابتدائيّ للمجلس هو إدارة غزّة بعد الحرب، وإعمارها بعد نزع سلاح “حماس”. أمّا الهدف الاستراتيجيّ فهو أن يكون المجلس المذكور كياناً موازياً للأمم المتّحدة وبديلاً منها. هو عبارة عن تحالف دوليّ بقيادة الولايات المتّحدة، ومهمّته تنظيم شؤون العالم وحلّ نزاعاته. بالمقابل، غابت الهند، العدوّ التاريخيّ لباكستان، عن المشهد، وفي الوقت نفسه تتمسّك بحلّ الدولتين.

يُعتبر الظهور الجديد لباكستان على المسرح الدوليّ، في مجلس ترامب للسلام، علامة فارقة من ضمن استراتيجية جديدة، جعلت إسلام آباد، خلال سنوات قليلة، في موقف دبلوماسيّ متقدّم بالنسبة إلى الولايات المتّحدة، بالمقارنة مع الهند. مع أنّ التوازن بين البلدين غير متكافئ لا عسكريّاً ولا اقتصاديّاً، بأيّ شكل من الأشكال (الاقتصاد الهنديّ أكبر بحوالى 10 أضعاف من الاقتصاد الباكستانيّ من حيث الحجم الإجماليّ للناتج المحلّي).

هذا ويناقض التقارب الأميركيّ – الباكستانيّ الجديد الرهانات الجيوسياسيّة الأميركيّة التقليديّة على الهند كقوّة موازنة للصين في آسيا، وباكستان من الشركاء التاريخيّين للصين في عدّة مجالات، لا سيما المجال الدفاعيّ. بالمقابل، تتعثّر العلاقات الأميركيّة الهنديّة بسبب فرض ترامب رسوماً جمركيّة مرتفعة على بعض صادراتها إلى الولايات المتّحدة. من المحتمل أن تنخفض قيمة الصادرات الهنديّة إلى السوق الأميركيّ بين 40% و45%، أي من حوالي 87 مليار دولار إلى نحو 50 مليار دولار.

تشير تقارير عسكريّة إلى طفرة قياسيّة في صادرات الدفاع تصل قيمتها إلى أكثر من 10 مليارات دولار في 2025، أو نحو 3.7% من الناتج المحلّي الإجماليّ لباكستان

الاستراتيجية الجديدة

تبتعد باكستان في هذه الأثناء عن الصورة النمطيّة التقليديّة الموروثة منذ الانفصال عن الهند عام 1947، بوصفها دولة منعزلة ومنشغلة إلى حدّ كبير بأمنها وسلامة أراضيها من أيّ أخطار خارجيّة بإزاء الهند خاصّة، أو أيّ اضطرابات داخليّة نتيجة النزعات القوميّة الانفصاليّة البشتونيّة أو البلوشيّة أو التيّارات الأصوليّة مثل حركة طالبان باكستان.

ما هي عناصر الاستراتيجية الباكستانيّة الجديدة، التي أنتجت حتّى الآن مكاسب لافتة، على صعيد إعادة تظهير باكستان كدولة ذات تأثير إقليميّ؟

– أوّلاً: انتقال الجيش من دوره الداخليّ المركزيّ في صنع السياسات الداخليّة والتحكّم بمساراتها، منذ الاستقلال، إلى صنع سياساتها الخارجيّة، وذلك في عهد قائد الجيش فيلد مارشال، المشير عاصم منير، الذي نال الترقية العسكريّة الأرفع حتّى الآن منذ منح الجنرال أيّوب خان (توفّي عام 1974) نفسه هذه الرتبة عام 1965، عقب وصوله إلى الرئاسة.

حصل منير على هذه الترقية بعد قيادته الناجحة للحرب القصيرة بين الهند وباكستان في شهر أيّار الماضي، وكانت فرصة ذهبيّة لباكستان لإثبات قدرتها العسكريّة وتفوّق سرديّتها للأحداث، ولا سيما تواصلها الاستراتيجيّ مع واشنطن.

خسرت باكستان حروبها الأربع مع الهند (1947، 1965، 1971، 1999)، إلّا أنّ باكستان في الصدام الأخير حقّقت نقاطاً تكتيكيّة لافتة في سلاح الطيران، وسائط الدفاع الجوّيّ، والضربات المضادّة على الرغم من التفوّق الهنديّ الواضح. كانت مغامرة على حافة الخطر النوويّ، وفرصة لدونالد ترامب كي يدّعي إنجازاً آخر له بوقفه الحرب بين البلدين النوويّين، مع أنّ الهند تنفي أيّ دور أميركيّ في إيقاف الصراع قبل استفحاله. المهمّ أنّ القيادة السياسيّة والعسكريّة الباكستانيّة استثمرت هذا النجاح في انتهاج سياسة خارجيّة هجوميّة، إن صحّ التعبير، باتّجاه الإدارة الأميركيّة ودول الشرق الأوسط.

توسيع دور الجيش

– ثانياً، بروز شخصيّة قائد الجيش الباكستانيّ عاصم منير على المستويَين الداخليّ والخارجيّ. هو من أهمّ القادة الذين سعوا لتوسيع دور الجيش في مجالَي السياسة الخارجيّة والتخطيط الاستراتيجيّ. أقرّ البرلمان الباكستانيّ في تشرين الثاني الماضي التعديل الدستوريّ الـ27، الذي يمنح الجيش وقائده صلاحيّات موسّعة، تشمل دمج جميع فروع القوّات تحت قيادة واحدة، وتوسيع دوره الاستراتيجيّ في التخطيط والقرار الدفاعيّ الأعلى.

بناء عليه، أصبح المشير عاصم منير القائد الأعلى للقوّات المسلّحة، مع استحواذه على حصانة قانونيّة مدى الحياة. كان لافتاً الحدث غير المسبوق، في حزيران الماضي، من حيث مستوى اللقاء بين رئيس أقوى دولة في العالم دونالد ترامب وقائد الجيش الباكستانيّ ومضمونه. في هذا اللقاء، أشاد ترامب بالمشير منير، واصفاً إيّاه بأنّه شخصيّة استثنائيّة ومُلهمة ساهم في وقف تصعيد الصراع مع الهند.

ترامب مُعجب عادة بالأشخاص الناجحين، حتّى الشجعان من أعدائه، إلّا أنّ اللقاء بحدّ ذاته لا يدلّ فقط على الاعتراف الأميركيّ بقدرات المؤسّسة العسكريّة الباكستانيّة ودورها في الاستقرار الإقليميّ، بل على أنّ الجيش الباكستانيّ هو الحاكم الفعليّ للبلاد، لا سيما حين ناقش المشير منير مع الرئيس ترامب مسائل خارجة عن صلاحيّات أيّ مؤسّسة عسكريّة في العالم، مثل توسيع التعاون الثنائيّ في التجارة، التنمية الاقتصاديّة، التعدين، الذكاء الاصطناعيّ، الطاقة، العملات المشفّرة، وأمور أخرى هي من عمل الحكومات المدنيّة.

خسرت باكستان حروبها الأربع مع الهند (1947، 1965، 1971، 1999)، إلّا أنّ باكستان في الصدام الأخير حقّقت نقاطاً تكتيكيّة لافتة في سلاح الطيران، وسائط الدفاع الجوّيّ، والضربات المضادّة على الرغم من التفوّق الهنديّ الواضح

العلاقات الخارجيّة

– ثالثاً، حرْص باكستان على التوازن في علاقاتها الخارجيّة، فهي قريبة تاريخيّاً من المملكة العربيّة السعوديّة، وقد عقدت معها اتّفاقاً دفاعيّاً في أيلول الماضي نصّ على أنّ “أيّ اعتداء على أيٍّ من البلدين هو اعتداء على كليهما”.

لكنّها بالمقابل تحتفظ بعلاقات وثيقة مع إيران. تتلقّى الدعم الأميركيّ منذ سنوات طويلة، واستجابت لدعوة ترامب إلى الانضمام إلى مجلس السلام، لكن تربطها في الوقت نفسه شراكة استراتيجيّة عميقة مع الصين. عقدت أخيراً صفقة تسليح مع حكومة خليفة حفتر في الشرق الليبيّ، ومع السودان بقيادة الجنرال عبد الفتّاح البرهان بتمويل سعودي، علماً أنّ حفتر يدعم قوّات الدعم السريع في قتالها ضدّ الجيش السودانيّ بقيادة البرهان.

هذا يعني بالإجمال أنّها محاولة باكستانيّة للابتعاد عن الخلافات بين الدول والاستقطابات الجارية، وانتهاج سياسة براغماتيّة نفعيّة.

– رابعاً، انضمام باكستان أخيراً إلى نادي الدول المصدّرة للسلاح. جذبت صناعة الدفاع الباكستانيّة اهتماماً عالميّاً غير مسبوق بعد الاشتباك الجوّيّ العام الماضي مع الهند، حين تجاوزت طائراتها من طراز JF-17  ومسيّراتها وصواريخها اختبارها الميدانيّ بنجاح لافت. وتبعاً لذلك، أجرت إسلام آباد مباحثات أوّليّة مع 13 دولة لتوريد أسلحة إليها، لا سيما طائرات JF-17 ذات الإنتاج المشترك مع الصين التي يراوح ثمنها بين 30 و40 مليون دولار، أي أقلّ من ثلث سعر المقاتلات الغربيّة المماثلة.

هذا ما يجعلها جذّابة للدول التي تبحث عن منصّات قتاليّة جاهزة بأسعار أقلّ، إضافة إلى منح المشترين فوائد إضافيّة، وهي التدريب، التمارين المشتركة، والدعم الاستشاريّ، لا سيما الدول التي لديها قوّات دفاعيّة هشّة أو في طور التوسّع، وبالأخصّ في إفريقيا والشرق الأوسط. العقبة الرئيسة هي بلوغ الإنتاج السنويّ الحاليّ نحو20  طائرة فقط، في حين أنّ توسيع قدرة المصنع الرئيس قد يُضاعف هذا العدد بحلول 2027.

تشير تقارير عسكريّة إلى طفرة قياسيّة في صادرات الدفاع تصل قيمتها إلى أكثر من 10 مليارات دولار في 2025، أو نحو 3.7% من الناتج المحلّي الإجماليّ لباكستان. كانت صادرات الأسلحة الباكستانيّة قبل سنوات قليلة بعشرات الملايين فقط، وهو ما يجعل هذا النموّ تحوّلاً اقتصاديّاً مهمّاً، وقيمة إضافية معتبرة مقارنة بالمستويات السابقة في هذا القطاع.

ستؤدّي زيادة الإنتاج في القطاعات العسكريّة تلبيةً للطلب المتزايد إلى استحداث وظائف، زيادة النشاط الصناعيّ في قطاعات متقدّمة، رفع مستوى احتياطي العملات الأجنبيّة، دعم النموّ الاقتصاديّ، والاستغناء تدريجاً عن عادة الاستدانة من الخارج.

إقرأ أيضاً: الشّرع يربك “قسد”: صفعة عسكريّة وقنبلة سياسيّة

التّخلّي عن حروب الوكالة

– خامساً، تخلّي باكستان في السنوات الأخيرة عن أسلوب “حروب الوكالة”، أي القتال بجماعات مدعومة منها، والانخراط مباشرة في المجابهات العسكريّة مع الدول المجاورة عند اقتضاء ذلك.

في كانون الثاني 2024، ردّت باكستان على إيران بقصف مواقع في إقليم سيستان وبلوشستان الإيرانيّ بالصواريخ مستهدفة مواقع حركة بلوشيّة انفصاليّة، بعدما كانت إيران قد قصفت بالصواريخ والمسيّرات مواقع في إقليم بلوشستان الباكستانيّ، تابعة لـ جيش العدل، وهو جماعة سنّيّة جهاديّة.

اشتعلت الحدود الباكستانيّة الأفغانيّة، في تشرين الأوّل الماضي، بتبادل النيران والقذائف بين الجيشين الباكستانيّ والأفغانيّ، على الرغم من العلاقة التاريخيّة بين باكستان وحركة طالبان، في تسعينيّات القرن الماضي، بسبب اتّهام إسلام آباد كابول باحتضان أفراد طالبان باكستان على أراضيها، وقد جعلوا من أفغانستان ملاذاً ونقطة انطلاق لشنّ هجمات داخل باكستان.

هذه النقلة النوعيّة في أسلوب الجيش الباكستانيّ في مواجهة التهديدات الأمنيّة من الدول المجاورة قد تكون مؤشّراً إلى سياسة دفاعيّة جديدة لا تعرف التردّد، وهو ما يثير مخاوف نيودلهي بطبيعة الحال، ويغرز في الوقت نفسه صورة مختلفة عن باكستان.

مواضيع ذات صلة

مجلس الوزراء: كسب الوقت على صفيح ساخن

بانتظار تداعيات المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة، يبدو لبنان كالسفينة التائهة في البحر تضربها الأمواج من كلّ صوب. لا يزال لبنان كياناً لا يقوى على الوقوف…

لا حماسة دوليّة لتعويم مؤتمر دعم الجيش

على وقع السباق بين الحرب والمفاوضات النوويّة، يتحرّك الملفّ اللبنانيّ، الذي سيكون واحداً من ساحات تجلّيات النتيجة التي ستخلص إليها مفاوضات عُمان، سواء سلكت طريق…

“الحركة” تخسر كلّ أوراقها: هل وقعت في فخ ترامب؟

حركة حماس خارج السلطة في غزّة رسميّاً، إلّا أنّ خطابها السياسيّ بات أيضاً خارج الواقع الذي صنعته عمليّة طوفان الأقصى في 7 تشرين الأوّل 2023….

أسرار إدراج الكويت 8 مستشفيات لبنانيّة على القائمة السّوداء

لا يأتي قرار الكويت إدراج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمتها الخاصّة بمكافحة الإرهاب من خارج السياق. سبق لوزير داخليّتها الشيخ فهد اليوسف أن كان واضحاً…