“القرينة الاستنسابيّة”: تعيين مُتّهم وإقالة بريء

مدة القراءة 6 د

وفق التوصيف القانونيّ، رولان خوري متّهم بسوء إدارة الأموال في كازينو لبنان، ولا حكم قضائيّاً بحقّه. كذلك الأمر بالنسبة لغراسيا القزّي، المتّهمة بتلقّي منافع غير مشروعة أو تسهيل معاملات مقابل منافع، علاوة على ورود اسمها كمتّهمة أيضاً في ملفّ انفجار المرفأ، ولا حكم قضائيّاً بحقّها. لكنّ الأوّل “أُحرِج ليخرج” من رئاسة مجلس إدارة الكازينو، فيما الثانية تمّت ترقيتها إلى المديرة العامّة للجمارك! مكيالان فاضحان، تكيل بهما السلطة الإجرائيّة، التعيينات الإداريّة، لتطيح بكلّ المعايير الإصلاحيّة والحكم العادل! الجديد في هذه المسرحية أنّ حاكم البنك المركزي كريك سعيد بصفته المالك لكازينو لبنان استهل تنفيذ رغبات بعبدا في إقالة رولا خوري..

 

لم تهدأ العاصفة التي هبّت على أثر تعيين غراسيا القزّي مديرةً عامّةً للجمارك، على الرغم من التوضيح “البدائي” الذي سجّله رئيس الحكومة نوّاف سلام تاركاً الأمر عند القضاء ليقول كلمته، حتّى نفخ استقبال رئيس الجمهوريّة جوزف عون لمجلس إدارة الكازينو برئاسة رئيسه الجديد شارل غسطين الجمر من جديد. انتهت “فضيحة” التحقيقات في ملفّ المراهنات عبر الإنترنت إلى خروج رولان خوري من الكازينو وبقاء شركة “بيت أرابيا” مشغّلاً لهذه المراهنات، لكنّ الملفّ القضائيّ الذي شغل الرأي العامّ على مدى أشهر، وبدا خلالها أنّ الأمن اللبنانيّ برمّته معلّق على نتائج هذه التحقيقات، ينام في الأدراج.

وافقت الهيئة الاتّهاميّة في جبل لبنان برئاسة القاضي فادي العريضي، في 29 أيلول الماضي، على تخلية سبيل رولان خوري وثلاثة آخرين موقوفين في ملفّ كازينو لبنان، لقاء كفالة ماليّة قيمتها 20 مليار ليرة لبنانيّة عن كلّ شخص من هؤلاء. ومن ذلك الوقت تُبقي الهيئة على الملفّ في أدراجها، ولم تبتّه أو تعكف على دراسته لاتّخاذ قرارها الاتّهاميّ بشأنه.

منذ أن أخلت الهيئة الاتّهاميّة في جبل لبنان سبيله في 30 أيلول 2025، مُنع رولان خوري من استعادة صلاحيّاته رئيساً لمجلس إدارة الكازينو، على الرغم من عدم وجود أيّ مانع قانونيّ يحول دون ذلك. إلّا أنّه مع تقدّمه بطلب استعادة صلاحيّاته قوبل برفض عضو مجلس إدارة الكازينو محمّد شعيب، بصفته أيضاً رئيس مجلس إدارة شركة “أنترا”، التي يملك مصرف لبنان حصّة كبرى فيها، بذريعة أنّ الظروف لا تسمح بممارسة خوري لمهامّه، وصوّت جميع أعضاء المجلس ضدّ إعادة الصلاحيّات لخوري، فيما أبلغه شعيب بضرورة الامتناع عن الحضور إلى كازينو لبنان.

وفق التوصيف القانونيّ، رولان خوري متّهم بسوء إدارة الأموال في كازينو لبنان، ولا حكم قضائيّاً بحقّه

انهيار الثّقة

في المقابل، أعاد قرار مجلس الوزراء تعيين غراسيا يوسف القزّي مديرةً عامّة للجمارك طرح سؤال جوهريّ عن معنى المسؤوليّة العامّة وحدود الملاءمة السياسيّة في دولة تعاني انهياراً عميقاً في الثقة بين السلطة والمجتمع. التعيين، وإن استند رسميّاً إلى مبدأ “قرينة البراءة”، تجاوز كونه لم يعد إجراءً إداريّاً وحسب بل أصبح حدثاً سياسيّاً بامتياز لما يحمله الموقع من رمزيّة وحساسيّة عالية.

إنّ تعيين القزّي فيما لا تزال قيد “الملاحقة”، وفي ظلّ ذاكرة جماعيّة مثقلة بانفجار المرفأ وما سبقه وتلاه من إخفاقات، يعكس عقلاً سلطويّاً يتجاهل أثر القرار، ويختبر ثقة الناس إلى حدودها القصوى.

قرينة البراءة استنسابيّة

تُظهر المقارنة بين تعيين غراسيا القزّي مديرةً عامّةً للجمارك، و”إبعاد” رولان خوري عن رئاسة مجلس إدارة كازينو لبنان، خللاً بنيويّاً في معايير السلطة اللبنانيّة في التعاطي مع مفهوم المسؤوليّة العامّة، وتناقضاً صارخاً في تطبيق مبدأ “قرينة البراءة”.

في حالة رولان خوري، اتُّخذ القرار على الرغم من عدم صدور أيّ حكم قضائيّ بحقّه، بذريعة الحفاظ على سمعة المؤسّسة وتجنّب الإضرار بثقة الرأي العامّ. جرى التعامل مع الموقع على أنّه موقع ثقة، وأنّ الشبهة وحدها كافية سياسيّاً لفرض التغيير في رأس الهرم، من دون انتظار المسار القضائيّ أو خواتيمه.

في المقابل، جاء تعيين غراسيا القزّي في موقع المدير العامّ للجمارك بمنطق معاكس تماماً. تمسّكت الحكومة حرفيّاً بقرينة البراءة لتبرير التعيين، معتبرة أنّ غياب الحكم القضائيّ النهائيّ يتيح المضيّ بالقرار، متجاهلة حساسيّة الموقع، السياق العامّ، والأثر الرمزيّ لتولّي شخصيّة مُدّعى عليها في ملفّات قضائيّة منصباً سياديّاً بالغ الخطورة.

تُظهر المقارنة بين تعيين غراسيا القزّي مديرةً عامّةً للجمارك، و”إبعاد” رولان خوري عن رئاسة مجلس إدارة كازينو لبنان، خللاً بنيويّاً في معايير السلطة اللبنانيّة في التعاطي مع مفهوم المسؤوليّة العامّة

هنا ليس التناقض في الوقائع، بل في المعايير. فإذا كانت الشبهة كافية لإقالة رولان خوري حمايةً لهيبة مؤسّسة عامّة، فلماذا لا تكون كافية لوقف تعيين غراسيا القزّي ريثما يُستكمل المسار القضائيّ؟

تكشف الحالتان أنّ السلطة اللبنانيّة لا تعتمد معياراً ثابتاً، بل تُفصّل قراءتها للقانون وفق الحاجة السياسيّة. تارة تُقدّم الملاءمة على النصّ، وطوراً تختبئ خلف النصّ لتعطيل الملاءمة. وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة: إضعاف الثقة العامّة، وإفراغ مفهوم المسؤوليّة من مضمونه.

ليست المشكلة في الإقالة أو التعيين بحدّ ذاتهما، بل في غياب منطق موحّد يُدير الشأن العامّ. الدولة التي تُبعد مسؤولاً متّهماً بلا صدور حكم وتُرفّع متّهماً قيد المحاكمة، هي دولة فقدت بوصلتها، وتحوّل القانون فيها من مرجعيّة جامعة إلى أداة انتقائيّة.

 إقرأ أيضاً: مهمّة سيمون كرم إلى التّقاعد المبكر؟

الملفّات الاتّهاميّة

يُذكر أنّ غراسيا القزّي مدّعى عليها في أكثر من ملفّ، أبرزها:

– ملفّ انفجار مرفأ بيروت: القزّي من بين المسؤولين الذين شملهم الادّعاء في إطار التحقيقات المرتبطة بالإهمال الوظيفيّ والإداريّ بملفّ الموادّ الخطرة المخزّنة في المرفأ، انطلاقاً من موقعها السابق في إدارة الجمارك.

– ملف الرشوة: تُنسب إليها اتّهامات تتعلّق بتلقّي منافع غير مشروعة أو تسهيل معاملات مقابل منافع، ضمن تحقيقات مرتبطة بعمل الجمارك. لا تزال هذه الاتّهامات قيد الملاحقة ولم يصدر فيها حكم مبرم.

– ملف تبييض الأموال: ورد اسمها في تحقيقات تتّصل بشبهات تبييض أموال، على صلة بملفّات فساد إداريّ وماليّ، وهي ضمن إطار الاشتباه القضائيّ الذي يخضع لإجراءات التحقيق. – الاستغلال الوظيفيّ والإثراء غير المشروع: تشمل الادّعاءات شبهات استخدام المنصب الوظيفيّ لتحقيق مكاسب شخصيّة أو تسهيل منافع للغير، وهو أحدّ الملفّات التي ما تزال قيد النظر القضائيّ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@clairechakar

مواضيع ذات صلة

لا حماسة دوليّة لتعويم مؤتمر دعم الجيش

على وقع السباق بين الحرب والمفاوضات النوويّة، يتحرّك الملفّ اللبنانيّ، الذي سيكون واحداً من ساحات تجلّيات النتيجة التي ستخلص إليها مفاوضات عُمان، سواء سلكت طريق…

“الحركة” تخسر كلّ أوراقها: هل وقعت في فخ ترامب؟

حركة حماس خارج السلطة في غزّة رسميّاً، إلّا أنّ خطابها السياسيّ بات أيضاً خارج الواقع الذي صنعته عمليّة طوفان الأقصى في 7 تشرين الأوّل 2023….

أسرار إدراج الكويت 8 مستشفيات لبنانيّة على القائمة السّوداء

لا يأتي قرار الكويت إدراج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمتها الخاصّة بمكافحة الإرهاب من خارج السياق. سبق لوزير داخليّتها الشيخ فهد اليوسف أن كان واضحاً…

هل يواجه وزير الخارجيّة دعوى جزائيّة؟

على جدول أعمال مجلس الوزراء بند يبدو إداريّاً في ظاهره: تعديل مركز عمل السفيرة جان مراد (التي عيّنها رئيس الجمهوريّة جوزف عون مستشارة دبلوماسيّة في…