لا تتعامل بعض التيّارات السياسيّة في لبنان مع المتغيّرات في المنطقة والعالم إلّا من بوّابة الخوف على مصالحها، وصيانة خطابها ودفاعاً عن وجاهته الدائمة، فكيف و”زلزال” سوريا، الذي ما يزال عصيّاً على فهم العواصم البعيدة، تداهم ارتداداته بلدنا القريب؟ إن يتّخذ المتشكّكون من لازمة الخوف حجّة لعداء يتراكم ضدّ ما يتحقّق في سوريا، فحريّ بنا تفهّم ذلك الخوف وتأكيد أنّه يقين وجب على لبنان القبول بحتميّته.
قد تكون في ذلك الكلام عُدّة تصبّ في ورشة مَن جعلوا مِن الخوف مبرّراً لسياسات قادت البلد إلى مآلات جنونيّة دمويّة أوصلت لبنان إلى درك سفليّ لم يعرفه منذ قيامه. كان شعار “المسيحيّين خايفين” الذي ردّده الزعيم التاريخيّ لحزب الكتائب بيار الجميّل مدخلاً، ربّما له مبرّراته، لبناء ميليشيات مسلّحة تردّ خوف الخائفين. جاء شعار “خوف الشيعة” من أخطار متخيّلة ضخّتها عقائد الجمهوريّة الإسلاميّة منذ عام 1979، مدخلاً لفائض تسلّح نعيش كوارثه في يومنا هذا.
الخوف من “الغريب”، وهو أيضاً له حيثيّاته، قد يكون من الأسباب الخلفيّة التي دفعت بالبلد إلى حرب أهليّة شهيرة لها أسباب أكثر تعقيداً بأبعادها الإقليميّة والدوليّة. المفارقة أنّ رحيل ذلك “الغريب” لم يوقف ذلك الخوف، بل دفع بالاحتراب إلى مستويات أكثر فتكاً وأعمق تدميراً، حيث بات الصدام مسيحّياً-مسيحيّاً وشيعيّاً-شيعيّاً من دون أن يغيب طابعه الثنائيّ (بين شرقيّة وغربيّة) برعاية ومباركة من وصاية نظام الأسد في سوريا.
لا تتعامل بعض التيّارات السياسيّة في لبنان مع المتغيّرات في المنطقة والعالم إلّا من بوّابة الخوف على مصالحها، وصيانة خطابها ودفاعاً عن وجاهته الدائمة
الخوف حجّة المتبرّمين
أنهى اتّفاق الطائف عام 1989 حروب الطوائف بتفاهم أسيادها، إلّا أنّ لازمة الخوف بقيت حجّة المتبرّمين من نصوص الاتّفاق والمستفيدين منه، وحجّة الراضين به والمزدهرين بمفاعيله. بدا أنّ البلد الباحث عن استقلال وسيادة بعد “الثورة” التي فجّرها اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، دخل في مرحلة وصاية جديدة جعلت من الخوف من الاحتلال المندثر مبرّراً لتوسّع وتمدّد نفوذ إيران وحزبها في لبنان.
بسبب الخوف من الإرهاب ودفاعاً عن المراقد المقدّسة و”حتّى لا تسبى زينب مرّتين”، ارتكب “الحزب” باسم حماية الشيعة جرائم ما يزال صعباً على السوريّين نسيانها. بسبب التذرّع بذلك الخوف الوظيفيّ، بات مشروعاً الانخراط في أنشطة مباشرة وغير مباشرة لزعزعة استقرار التحوّل الذي أرسى نظاماً جديداً برئاسة أحمد الشرع في دمشق. تشمل حجّة الخوف التمسُّك بالسلاح شمال نهر الليطاني، واحتضان ما يحكى عن فلول من كبار قادة وجنرالات نظام الأسد الساقط.
ينسحب الخوف هذه الأيّام على تيّارات أخرى في لبنان تهاب حالة إسلاميّة أو سنّيّة تحكم سوريا. بدا في بعض ردود الفعل، ومنها الغرائزيّة الانفعاليّة، ومنذ الساعات الأولى لسقوط الأسد، أنّ لبنان الذي تعوّد بكسل ورتابة على التأقلم مع نمطٍ حَكَم سوريا طوال 60 عاماً منها 54 عاماً تحت سلطة آل الأسد، يريد للسوريّين حُكماً يتّسق مع ذائقة بعض اللبنانيّين ويتناسب مع أساليب عيشهم. فوق ذلك بدا على جماعات البلد، الغارقة في طائفيّتها وفنون مذهبيّتها وتخلّف نظامها السياسيّ، ميل لإعطاء سوريا محاضرات في حسن الحوكمة، قواعد الديمقراطيّة، صون الحقوق، وشروط الحداثة.
دعم التّحوّل السّوريّ
لم يكن ذلك الخوف الهستيريّ تعبيراً عن هواجس المكوّنات في لبنان. اعترى بعض سنّة البلد وشيعته ومسيحيّيه ودروزه… شيء من هذا القبيل، مقابل مواقف حازمة حاسمة صادرة من تلك المكوّنات نفسها تهنّئ نفسها بالتحوّل السوريّ الذي وضع نهاية لكابوسٍ فتك بلبنان كما فتك بسوريا.
بسبب الخوف من الإرهاب ودفاعاً عن المراقد المقدّسة و”حتّى لا تسبى زينب مرّتين”، ارتكب “الحزب” باسم حماية الشيعة جرائم ما يزال صعباً على السوريّين نسيانها
إن تسلّح الخائفون لتبرير خوفهم بأزمة “الساحل” في آذار 2025 ثمّ أزمة السويداء في تمّوز من ذلك العام، لتظهير وجاهة تبرِّر مباشرة عداء وخصومة، فإنّ تفاهم العواصم البعيدة والقريبة على دعم ورعاية التحوّل السوريّ، ساهم في تعميق مشاعر الخوف التي بدت نهائيّة مهما سطعت الأنوار في دمشق وحمص وحلب وإدلب وحتّى فوق الساحل والسويداء.
في المعطيات أنّ على الخائفين أن يخافوا، ذلك أنّ ما تَعِدُ به سوريا وما يُعَدُّ لها من قبل العالم يدعونا جميعاً إلى الخوف.
لن يستطيع البلد الحفاظ على طابعه “السويسريّ” القديم الذي ازدهر في ظلّ نظام سوريا البائد. تبدو عواصم القرار الكبرى العربيّة والدوليّة مهتمّة بمستقبل سوريا معوِّلة على نجاح البلد ونظامه الجديد. الواضح أنّ تجاوز سوريا لهزّات دراماتيكيّة، لا سيما في “الساحل” والسويداء، وحتّى حديثاً في منطقة الجزيرة شرقيّ البلاد، استند إلى ديناميّة شعبيّة متينة وإلى دعم مباشر شفّاف من الولايات المتّحدة وأوروبا وروسيا ومن منظومة عربيّة تقودها المملكة السعوديّة، التي همست في آذان لبنانيّة أنّ الأولويّة لسوريا حتّى إشعار آخر.
وفق هذه المعطيات سيكبر اقتصاد سوريا وسيقوى جيشها وسيستقرّ نظامها السياسيّ وفق قراءة فطنة لموازين القوى في العالم وقواعد العلاقات الدوليّة. إن تكن سوريا أكثر قوّة، فهل من حقّ لبنان أن يخاف ما دام متمسّكاً بفضيلة الضعف (وفق مقولة قديمة أنّها قوّته) ومتدثّراً بتقاليد الخوف.
إقرأ أيضاً: لبنان: سؤال البقاء في لحظة الانكسار الدّوليّ
لإقامة دولة قويّة
إن يُقبل اللبنانيّون أو بعضهم على الخوف بجدارة قد تصبح برنامجاً انتخابيّاً للاقتراع المقبل، فإنّ من مصلحة الخائفين إقامة دولة قويّة تكون ندّاً لجار يقوى، أحببنا ذلك أم كرهناه.
تقوم قوّة لبنان على اقتصاد قويّ يجري ترميمه وإصلاحه وترشيق منظوماته، ونظام سياسيّ يجري تطويره وتحديثه، ومؤسّسات أمن ودفاع تقوم على مناعة داخليّة وعلى سياسة خارجيّة تصل البلد بالدوائر العربيّة والإقليميّة والدوليّة. تقوم قوّة البلد على اندثار الميليشيات وسلاحها، والالتزام الكامل لقرار دوليّ يتخلّص من الدويلات ولا يعترف إلّا بالدول الناظمة لحياة البشر ورخائهم.
قد يكون في الوصفة طوباويّة لا تشبه لبنان. ربّما في سذاجة الدعوة إلى الطمأنينة تساؤلات بشأن البضاعة التي يمكن بيعها للمناصرين والعامّة إذا ما يزال الخوف والتخويف من قاموس نظام سياسيّ اقتات من تلك “الكذبة” ويخشى كسادها.
لمتابعة الكاتب على X:
