اليمين الرّاديكاليّ للأوروبين: نحن قادمون

مدة القراءة 8 د

من الواضح من استطلاعات الرأي المنشورة حديثاً أنّ حظوظ اليمين المتطرّف في السلطة زادت بصفة نوعيّة في معظم الدول الأوروبيّة، بما فيها تلك الديمقراطيّة العريقة.


في فرنسا، أصبح “التجمّع الوطنيّ” الحزب الأوّل من دون منازع، ومن المرجّح أن يكون مرشّحه في الشوط الثاني من انتخابات 2027، بل من المتوقّع أن يفوز رئيسه جوردان بارديلا في هذه الانتخابات. في ألمانيا، تفيد استطلاعات الرأي أنّ حزب “البديل” القريب من الأوساط النازيّة أصبح الحزب الرئيس في الحياة السياسيّة، وسيتقدّم على التشكيلات المحافظة والليبراليّة في أيّ اقتراع مقبل.

في بريطانيا، تزايدت شعبيّة حزب “الإصلاح” اليمينيّ الراديكاليّ فتقدّم على حزبَي العمّال والمحافظين اللذين كانا يتقاسمان الحقل السياسيّ والحكم. في إسبانيا، غدا حزب أقصى اليمين “فوكس” من أهمّ التنظيمات السياسيّة في البلاد، مزاحماً الاشتراكيّين والحزب الشعبيّ اليمينيّ.

في بعض البلدان الأوروبيّة، يتزعّم الاتّجاه اليمينيّ الراديكاليّ الحكم أو يشارك فيه، مثل إيطاليا التي يسيطر عليها حزب “الأخوة الإيطاليّين” بقيادة رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني، أو هنغاريا حيث يرأس الوزراء منذ سنوات فيكتور أوربان زعيم “الاتّحاد المدنيّ المجريّ”. في دول أخرى مثل هولندا وفنلندا وسلوفاكيا تشارك الأحزاب اليمينيّة في الائتلافات الحاكمة.

اختلاف التوجّهات والتقاء المحدّدات

تختلف هذه التشكيلات في كثير من التوجّهات الأيديولوجيّة والميول السياسيّة، لكنّها تلتقي في محدّدات أساسيّة من أهمّها:

– النزعة القوميّة الراديكاليّة، أي الدفاع عن فكرة الهويّة والخصوصيّة بمقوّماتها الثقافيّة والإثنيّة انطلاقاً من تصوّر عضويّ للرابطة الوطنيّة المشترَكة في مقابل أفكار التعدّديّة الثقافيّة والتنوّع العرقيّ.
– النزعة الشعبويّة بما تتأسس عليه من تمييز جوهريّ بين الشعب “الأصيل” والنخب “الفاسدة”، وما يترتّب عليها من رفض لنظام الفصل بين السلطات وللتنظيمات المدنيّة والحقوقيّة التي هي الوجه الآخر غير الانتخابيّ للديمقراطيّة السياسيّة.

لا يتعلّق الأمر بصعود الراديكاليّة اليمينيّة ذاتها بقدر ما يتعلّق بأزمة عميقة تطال الديمقراطيّة الليبراليّة في عموم المجتمعات الغربيّة

– النزعة السلطويّة القائمة على مطلب النظام والتراتب والانضباط في إطار دولة قويّة تتحكّم كليّاً بالحياة السياسيّة والقرارات العموميّة الرئيسة.

– الفصل بين الديمقراطيّة من حيث هي آليّة انتخابيّة تنافسيّة والليبرالية بصفتها منظومة الحقوق والحرّيات في الدولة المدنيّة الحديثة.

يبيّن عالم السياسة الهولنديّ كاس موده في أعماله الرائدة عن اليمين الشعبويّ الجديد في أوروبا أنّ هذه التشكيلات تتّسم بالراديكاليّة من حيث رفضها للّيبراليّة الديمقراطيّة، لكن لا يمكن وسمها بالتطرّف لأنّها تقبل الانتخابات ولا تتبنّى العنف السياسيّ.

3 مرتكزات أيديولوجيّة

بالنسبة لموده، تتّفق هذه الأحزاب في ثلاثة مرتكزات أيديولوجيّة:

– التصوّر النسبيّ (من الرابطة النسبيّة) الضيّق للهويّة السياسيّة، أي النظر إلى الشعب وفق التصوّر القبَليّ “القرابيّ” من حيث كونه وحدة يجمعها الأصل الواحد “النقيّ”. وبالتالي تتمّ محاربة الهجرة الخارجيّة والتعدّديّة الثقافيّة والدينيّة.

اليمين

– الأحاديّة المغلقة التي تُترجَم في القوانين الصارمة والسياسات التحكّميّة والقهريّة الحادّة والعنيفة.
– الديمقراطيّة غير الليبراليّة، بمعنى قبول السيادة الشعبيّة والسباق الانتخابيّ ورفض حقوق الأقليّات والسلطة المضادّة.

على عكس المقاربات التي تربط نجاح هذه الأحزاب الراديكاليّة بالأزمات الاقتصاديّة والخيارات الانتخابيّة غير العقلانيّة، يبيّن موده أنّ السبب الأساسيّ لصعود هذه التيّارات هو تطبيع أفكارها داخل المجتمع، بحيث تنتشر على نطاق واسع وتصبح مألوفة متداولة كما هو الانطباع السائد عن حركيّة الهجرة أو “خيانة” و”فساد” النخب المهيمنة والطلب الواسع للسلطة والانضباط.

الملاحظ أنّ هذه الأفكار لم تعد حكراً على التيّارات اليمينيّة الراديكاليّة، بل تحوّلت إلى شعارات وتمثّلات جماعيّة واسعة، حتّى إنّها تتردّد في الأوساط الموسومة بالاعتدال، وتتبنّاها شتّى الحكومات الأوروبيّة على اختلاف ألوانها.

يبيّن عالم السياسة الهولنديّ كاس موده في أعماله الرائدة عن اليمين الشعبويّ الجديد في أوروبا أنّ هذه التشكيلات تتّسم بالراديكاليّة

هكذا عندما تتقلّص الحواجز بين الأحزاب السياسيّة من حيث الخطاب والبرامج التسييريّة، تنهار كليّاً الحواجز التقليديّة بين اليمين الراديكاليّ وخصومه من الاتّجاهات الليبراليّة في نسختَيها المحافظة واليساريّة.

لا يتعلّق الأمر بصعود الراديكاليّة اليمينيّة ذاتها بقدر ما يتعلّق بأزمة عميقة تطال الديمقراطيّة الليبراليّة في عموم المجتمعات الغربيّة. عبّر عالم الاجتماع والمؤرّخ  الفرنسيّ بيار روزنفالون عن هذه الأزمة بمأزق الديمقراطيّة الانتخابيّة الذي يتزايد على نطاق واسع متجسّداً  في الانزياح بين القاعدة الشعبيّة وممثّليها، مولّداً شعوراً قويّاً بأنّ النخب المسيطرة افتكّت السلطة الحقيقيّة ولم تعد لها شرعيّة فعليّة.

تفاقم الهوّة بين الحاكمين والمحكومين

هكذا تفاقمت الهوّة بين الحاكمين والمحكومين، ولم تعُد لحظات التناوب السياسيّ حاملة لأيّ تغيير جوهريّ في أسلوب الحكم. انبثق نموذج “ديمقراطيّة الاحتجاج” في مقابل “ديمقراطيّة الثقة” واستفادت الأحزاب الراديكاليّة من تلك الوضعيّة.

نبّه روزنفالون إلى أنّ الخيار الذي تعتمده الأحزاب اليمينيّة الراديكاليّة هو “ديمقراطيّة الإذن”، التي تقوم على استخدام الآليّة الانتخابيّة أداة للتحكّم الكلّيّ والقضاء على توازن السلطات الضروريّ في أيّ نظام ديمقراطيّ، وتقويض سلطة القانون التي هي الضمانة الحقيقيّة للحرّية والعدالة في الدولة الوطنيّة الحديثة.

لمحاربة الراديكاليّة اليمينيّة الجديدة، اقترح روزنفالون تطوير المؤسّسات الديمقراطيّة في زمنيّتها السياسيّة ومقوّماتها الشرعيّة وميكانزماتها العمليّة.

نشهد في الحياة السياسيّة الجديدة انزياحاً خطِراً بين زمنيّة السلطة وزمنيّة المجتمع والزمنيّة الإعلاميّة. الزمن السياسيّ قصير ومفكّك، ينتظم حسب اللحظات الانتخابيّة الدوريّة، في حين أنّ الزمن الاجتماعيّ طويل وممتدّ يتطلّب سياسات عموميّة واسعة وشاملة. أمّا الزمن الإعلاميّ فهو لحظيّ مباشر وانطباعيّ.

في بريطانيا، تزايدت شعبيّة حزب “الإصلاح” اليمينيّ الراديكاليّ فتقدّم على حزبَي العمّال والمحافظين اللذين كانا يتقاسمان الحقل السياسيّ والحكم

من هنا ضرورة تطوير الأساليب الديمقراطيّة لكي توازن بين هذه الأنماط الثلاثة من الزمنيّة، بما يقتضي التمييز المؤسّسيّ بين حركيّة الرقابة الدائمة والتعبير الحرّ المستمرّ والتدخّل المباشر والواقعيّ، بدلاً من أن تختزل الإرادة الحرّة في المناسبات الانتخابيّة القصيرة. لم يعد بالإمكان حصر الشرعيّة في العمليّة الانتخابيّة في سياق يشهد تنامي العزوف عن الانتخابات وضعف التأطير الحزبيّ للمجتمع.

3 أنماط من الشّرعيّة

من هنا اقترح روزنفالون ثلاثة أنماط جديدة من الشرعيّة هي:

– شرعيّة التجرّد واللاتحيّز القائمة على الحياد والإنصاف، التي تُترجَم في مؤسّسات دستوريّة وإداريّة وقضائيّة مستقلّة عن العمل السياسيّ.

– شرعيّة التأمّل والتفكير القائمة على التحقّق والنقد متجسّدة في وسائل الإعلام الجديدة وهيئات المجتمع المدنيّ والحركات الاحتجاجيّة الأهليّة.

– شرعيّة القرب القائمة على الإنصات والاعتراف بحيث يكون الحكّام قريبين من المواطنين، مطّلعين على أحوالهم اليوميّة، متعاطفين معهم في أزماتهم ومشاكلهم الظرفيّة .

إذاً ليست الأحزاب الراديكاليّة اليمينيّة الصاعدة انحرافاً داخليّاً تعاني منه المنظومة الديمقراطيّة الليبراليّة في الغرب وحسب، بل هي تعبير عن أزمة مجتمعيّة وفكريّة عميقة يعاني منها النسق الديمقراطيّ نفسه.

قام هذا النسق منذ القرن السابع عشر لحلّ مشكلتين مترابطتين:

– مشكلة التعدّديّة الفكريّة والأيديولوجيّة في مجتمعات لم تعد تحكمها قيم عقديّة مشتركة.

– مشكلة شرعيّة السلطة في سياق تضبطه معايير الإرادة الحرّة والتعاقد الاجتماعيّ المفتوح.

من الواضح من استطلاعات الرأي المنشورة حديثاً أنّ حظوظ اليمين المتطرّف في السلطة زادت بصفة نوعيّة في معظم الدول الأوروبيّة

هكذا استطاعت الديمقراطيّة الليبراليّة لمدّة ثلاثة قرون حلّ هاتين المشكلتين من خلال الآليّة الانتخابيّة المنظِّمة للتداول السلميّ على السلطة ونظام الفصل بين السلطات الذي هو القاعدة المؤسّسيّة للاستقرار الاجتماعيّ والسلم الأهليّ.

إقرأ أيضاً: تركيا تنصح إيران: العالم كلّه تغيّر

مع عودة الحروب والعنف إلى الحياة السياسيّة في البلدان الغربيّة وانهيار الوسائط المؤسّسيّة والمدنيّة للعمل السياسيّ، تبدو الديمقراطيّة الليبراليّة عاجزة عن تحقيق أهدافها المنشودة، ومن هنا نفهم السبب الجوهريّ لصعود الراديكاليّات اليمينيّة.

 

*  أكاديميّ وكاتب موريتانيّ له كتب وأعمال منشورة في الفلسفة والفكر السياسيّ، وله أعمال روائيّة منشورة.

مواضيع ذات صلة

لبنان واحتمال التّفاهم التّركيّ – الإسرائيليّ…

تبدو كلّ دولة في المنطقة، باستثناء لبنان، مستعدّة للذهاب بعيداً من أجل خدمة مصالحها وحلّ مشاكلها الداخليّة حماية لنفسها وللنظام الحاكم فيها، بغضّ النظر عن…

تركيا والسعوديّة وباكستان: ثلاثيّ إعادة التّوازن الإقليميّ؟

ليس التحالف الثلاثيّ الذي يدور الحديث عنه بين تركيا والمملكة السعوديّة وباكستان فكرة حالمة أو طرحاً نظريّاً وحسب، بل يندرج في إطار فرصة استراتيجيّة محتملة…

معاناة الغزّيّين… بؤس لا يتوقف

في زمن حرب الإبادة على غزّة التي وصلت إلى منتصف عامها الثالث، وبموازاتها حرب التصفية السياسيّة في الضفّة، لم تخفَ على الفلسطينيّين والعرب أيّ تفصيلةٍ…

نهاية “قسد”… نهاية تقسيم سوريا

يبدو أنّ الإدارة الأميركيّة حسمت خيارها في الشمال السوريّ بعد تردّد طويل، فتخلّت عن “قسد” وانحازت إلى حكومة الرئيس أحمد الشرع. ستجني الحكومة السوريّة من…