وحدة الصّومال خطّ أحمر مصريّ

مدة القراءة 7 د

ليست العلاقة بين مصر والصومال وليدة الانتماء المشترك إلى جامعة الدول العربيّة، بل هي علاقة ضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا. ليست مصر وادي النيل فقط، بل هي أيضاً البحر الأحمر. المسّ بمياه النهر هو مسّ بشريان حياتها، والمسّ بالبحر الأحمر هو مسّ بأنفاسها ورئتها الثانية. إذا كانت مصر تمثّل البوّابة الشماليّة لهذا البحر عبر قناة السويس، فإنّ الصومال واليمن يشكّلان بوّابته الجنوبيّة من خلال السيطرة على مضيق باب المندب.

 

منذ العصور الفرعونيّة، شكّلت منطقة بلاد بونت (الصومال حاليّاً) امتداداً طبيعيّاً للمجال الحيويّ المصريّ عبر البحر الأحمر، كما توثّقه بعثة الملكة حتشبسوت التجاريّة التي خُلّدت على جدران معبد الدير البحريّ، في دلالة مبكرة على ترابط المصالح البحريّة والتجاريّة بين الضفّتين.

في العصر الحديث، استعاد هذا الترابط زخمه مع دعم مصر لحركة التحرّر الصوماليّة ضدّ الاستعمارين الإيطاليّ والبريطانيّ، إذ لعبت القاهرة، في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، دوراً محوريّاً في تسليح الصوماليّين ودعمهم سياسيّاً وبناء مؤسّسات دولتهم الناشئة. انعكس هذا التأثير في الخطاب السياسيّ الصوماليّ الذي اعتبر ثورة الصومال امتداداً لثورة 23 يوليو/تموز.

غير أنّ انهيار الدولة الصوماليّة بعد سقوط نظام سياد بري أدخل العلاقات في مرحلة من الفتور، مع تراجع الحضور العربيّ والمصريّ في تسعينيّات القرن الماضي، وترك الصومال ساحة مفتوحة للتدخّلات الإقليميّة والدوليّة. على الرغم من الأهميّة الجيوسياسيّة للصومال بالنسبة لمصر، لم يكن للقاهرة دور فاعل، وهو ما أتاح لإثيوبيا وكينيا الإمساك بملفّ الصومال. زادت الهوّة مع صعود التيّارات الجهاديّة، والتدخّل الإثيوبيّ بدعم أميركيّ، ثمّ بعثات الاتّحاد الإفريقيّ، إضافة إلى الاضطرابات التي أعقبت “الربيع العربيّ” في مصر.

ليست العلاقة بين مصر والصومال وليدة الانتماء المشترك إلى جامعة الدول العربيّة، بل هي علاقة ضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا

تعمّق التباعد مع تجاذبات الخليج داخل الساحة الصوماليّة، ووقوف مقديشو إلى جانب قطر خلال أزمة 2018، علاوة على حيادها في ملفّ سدّ النهضة، وهو ما شكّل خيبة أمل للقاهرة. بلغ التوتّر ذروته مع وصول آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء في إثيوبيا، وإعلان تحالف ثلاثيّ مع إريتريا والصومال في خضمّ أزمة السدّ.

إثيوبيا وإسرائيل أعادتا مصر إلى الصّومال

لكنّ المشهد انقلب رأساً على عقب مع توقيع مذكّرة التفاهم بين أديس أبابا وإقليم “أرض الصومال” الانفصاليّ، التي تتيح لإثيوبيا استئجار قاعدة عسكريّة في ميناء بربرة المطلّ على باب المندب. عندها عاد التقارب المصريّ – الصوماليّ بقوّة، وتُوّج بتوقيع اتّفاق دفاع مشترك بين الرئيسَين عبدالفتّاح السيسي وحسن شيخ محمود.

الصومال

إذا كان الاعتراف الإثيوبيّ بـ”أرض الصومال” يمثّل نكسة جيوسياسيّة لمصر، فإنّ أيّ اعتراف إسرائيليّ بالإقليم يُعدّ خطّاً أحمر لا حياد عنه. بالنسبة للقاهرة، يشكّل التمركز الإسرائيليّ المحتمل على ساحل يمتدّ 850 كيلومتراً تهديداً مباشراً للأمن القوميّ، لما يحمله من أبعاد استخباريّة وعسكريّة قد تؤدّي إلى عسكرة باب المندب وتحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوح، بما يهدّد الملاحة وقناة السويس.

لن يقتصر الوجود الإسرائيليّ على وجود سياسيّ أو دبلوماسيّ، بل سيمتدّ ليشمل ترتيبات أمنيّة تتيح للدولة العبريّة نشر أنظمة رصد وملاحقة للطائرات المسيّرة والصواريخ الحوثيّة
أو غيرها عند مدخل باب المندب، الأمر الذي يمنح تل أبيب نفوذاً عسكريّاً مباشراً في منطقة نفوذ عربيّ خالص.

سيُجبه الوجود العسكريّ الإسرائيليّ أيضاً بتهديدات من “حركة الشباب” الصوماليّة والحوثيّين، وهو ما ينذر بتحويل القرن الإفريقيّ إلى ساحة لتصفية الحسابات الدوليّة والحروب بالوكالة. بالنسبة للقاهرة، يعني هذا المشهد “عسكرة” الممرّ المائيّ الحيويّ المؤدّي إلى قناة السويس، وزيادة مخاطر العمليّات العسكريّة والقرصنة. يمنح الوجود الإسرائيليّ عند باب المندب، المدخل الجنوبيّ للبحر الأحمر، إضافة الى الوجود في إيلات شمالاً، إسرائيل “كمّاشة استراتيجيّة” تتيح لها التحكّم بالملاحة في البحر الأحمر، وخسارة العرب لمفاتيح أمنهم القوميّ في البحر الذي يعدّه الجغرافيّون بحيرة عربيّة.

إذا كان الاعتراف الإثيوبيّ بـ”أرض الصومال” يمثّل نكسة جيوسياسيّة لمصر، فإنّ أيّ اعتراف إسرائيليّ بالإقليم يُعدّ خطّاً أحمر لا حياد عنه

التجربة الإسرائيليّة في إريتريا وجنوب السودان تُظهر نمطاً متكرّراً: دعم كيانات هامشيّة، ثمّ تحويلها إلى نقاط نفوذ أمنيّ واستخباريّ، قبل أن تتحوّل إلى أوراق ضغط إقليميّ. من هذا المنظور، لا ترى القاهرة في أرض الصومال حالة استثنائيّة، بل حلقة جديدة في سلسلة مجرّبة.

لا تكمن خطورة عسكرة باب المندب في البعد الأمنيّ فقط، بل في إعادة توجيه سلاسل التجارة العالميّة. كلّما ارتفعت المخاطر في البحر الأحمر، زادت الضغوط الدوليّة لخلق بدائل لوجستيّة، سواء عبر الموانئ الإسرائيليّة أو الممرّات البرّية والبحريّة المنافسة لقناة السويس، وهو ما يهدّد أحد أعمدة الاقتصاد المصريّ، علاوة على التقارير المتداولة عن خطط لتوطين مهجّرين فلسطينيّين في الإقليم، وهو سيناريو ترى فيه القاهرة خطراً استراتيجيّاً مضاعفاً.

تعزيز الحضور العسكريّ المصريّ

من هنا عزّزت مصر حضورها العسكريّ في الصومال ضمن أطر تعاون رسميّة، مؤكّدة أنّ أهدافها تنحصر في دعم الجيش الصوماليّ، الحفاظ على وحدة أراضيه، والمساهمة في تأمين باب المندب وقناة السويس، مع نفي إقامة قواعد عسكريّة دائمة.

لمصر حاليّاً نحو عشرة آلاف جنديّ مهمّتهم المساهمة في ضمان بقاء الدولة الصوماليّة الموحّدة ودعم حكومة الرئيس حسن شيخ محمود. تستعدّ للمشاركة في بعثة الدعم التابعة للاتّحاد الإفريقي التي حلّت محلّ بعثة الاتّحاد الإفريقيّ الانتقاليّة في مقديشو، وعزّزت علاقاتها مع جارتَي الصومال، جيبوتي وإريتريا، اللتين أبرمت معهما اتّفاقات لتطوير ميناء دوراليه في جيبوتي وميناء عصب الاستراتيجيّ في إريتريا على البحر الأحمر، بهدف زيادة طاقتهما واستيعاب سفن حربيّة مصريّة، في إعادة تنظيم استراتيجيّ واسع النطاق في منطقة القرن الإفريقيّ.

في مواجهة المحور الإثيوبيّ – الإسرائيليّ، برز تحالف ضرورة يضمّ القاهرة ومقديشو وأنقرة، بدعم وتنسيق مع السعودية، دفاعاً عن وحدة الصومال ورفضاً لتكريس سابقة انفصاليّة خطِرة في إفريقيا.

لا تكمن خطورة عسكرة باب المندب في البعد الأمنيّ فقط، بل في إعادة توجيه سلاسل التجارة العالميّة

المعركة الدّبلوماسيّة الجبهة الأولى

تبقى المعركة الدبلوماسيّة الجبهة الأولى لمصر في الصومال، والأقلّ كلفة والأكثر شرعيّة، عبر تثبيت مبدأ وحدة الدولة داخل الاتّحاد الإفريقيّ وجامعة الدول العربيّة والأمم المتّحدة، ومنع أيّ شرعنة دوليّة لـ”أرض الصومال”، بالتوازي مع إعادة بناء النفوذ المصريّ في القرن الإفريقيّ وتفعيل منظومة أمن البحر الأحمر. ينتهك الاعتراف الإسرائيليّ مبادئ القانون الدوليّ وميثاق الأمم المتّحدة لأنّه يتعارض مع مبدأ “حرمة الحدود الموروثة” الذي يتبنّاه الاتّحاد الإفريقيّ.

لكن هنا لا يمكن قراءة أيّ تموضع إسرائيليّ في “أرض الصومال” بمعزل عن الموقفين الأميركيّ والغربيّ، اللذين يتعاملان ببراغماتيّة مع الكيانات غير المعترف بها إذا خدمت مصالح أمنيّة أو لوجستيّة. لا يعني هذا الصمت الغربيّ تبنّي الانفصال، لكنّه يمنح إسرائيل هامش حركة مقلقاً، ويجعل المعركة الدبلوماسيّة المصريّة أكثر تعقيداً، لا سيما داخل مجلس الأمن والمؤسّسات الدوليّة.

لا تواجه مصر إسرائيل مباشرة في “أرض الصومال”، بل تعمل على منع شرعنة التمدّد، وملء الفراغ السياسيّ والاقتصاديّ، ورفع كلفة أيّ اختراق. إنّذها معركة نفس طويل، ومن يكسبها ليس من يطلق النار أوّلاً، بل من يفرض قواعد اللعبة.

إقرأ أيضاً: “مثلّث قوّة إسلاميّ” لكسر احتكار القوّة الإسرائيليّ

ما يجري في “أرض الصومال” ليس شأناً إفريقيّاً محليّاً، بل اختبار لإرادة العرب حماية عمقهم الجنوبيّ. سيُترجم التراخي اليوم إلى خسارة أدوات الردع والسيادة في البحر الأحمر غداً، تماماً كما حدث في ملفّات عربيّة سابقة جرى التعامل معها بوصفها أزمات بعيدة.

مواضيع ذات صلة

برّي لـ”أساس”: السّعوديّة مع القرار للدّولة وهذا موقفنا

يؤكّد رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لـ”أساس” أنّ “السعوديّين يشدّدون على أن يكون القرار للدولة اللبنانيّة (تمكينها)، أي على تنفيذ خطاب القسم والبيان الوزاريّ، ونحن…

أحمد الشّرع للأقلّيّات: سورية موحّدة

انفجر الوضع في الحيَّين الشيخ مقصود والأشرفية شرقيّ حلب. وتبادل الجيش ومسلّحو الأكراد الاتّهامات. لكن حصل فجأةً ما كان قد حصل قبل عام عند خروج…

ترامب وإيران: عندما يصبح السّقوط أخطر من البقاء

منذ قيام الجمهوريّة الإسلاميّة عام 1979، لم تواجه الولايات المتّحدة تحدّياً مستمرّاً ومعقّداً مثل التحدّي الإيرانيّ. سبعة رؤساء أميركيّين تعاقبوا على البيت الأبيض، من جيمي…

ترامب يحشر إيران في زاوية اللايقين

لا تُقاس قرارات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بميزان السياسة التقليديّة. فبينما كان العالم ينتظر، يوم الأربعاء الماضي، ضربة “صدمة وترويع” على غرار العراق عام 2003،…