اتّخذ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، بناء على “نصائح ووساطات”، قراراً بـ”تعليق” الضربات العقابيّة التي كانت البنى العسكريّة الأميركيّة في الشرق الأوسط قد استعدّت لتنفيذها. أعلن أنّ ما لديه من معلومات يفيد بأنّ قتل المتظاهرين قد توقّف، وأن لا إعدامات في إيران ستنفَّذ. في لبنان تنفّس “الحزب” الصعداء موارياً هلعه خلف ستار نكد يمارسه ضدّ رئيس الجمهوريّة.
بدا أنّ إيران خضعت لتهديدات زعيم “الاستكبار” في العالم، والتزمت بدقّة تحذيراته، على الرغم من مزاعم منابرها، من قائد “ثورتها” إلى وزير خارجيّتها مروراً برئيس جمهوريّتها، أنّ هذا “الاستكبار” بالذات يقف وراء احتجاجات البلاد. لم يرَ “المرشد” في “فعلة” المحتجّين إلّا مراضاة للرئيس الأميركيّ. اعتبرهم عملاء تحرِّكهم الأجهزة الإسرائيليّة ويموتون فداء لهذا الخارج. راح وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي بعيداً في مخيّلته. اكتشف دواعش يقطعون الرؤوس، وسط ذهول متخيَّل للعواصم المعنيّة من مستوى الهراء الذي انحدرت إليه قيادة الجمهوريّة الإسلاميّة.
عفو مؤقّت؟
لا نعرف من صاحب مدرسة تخوين الناس لأنّ لهم رأياً مغايراً ومعارضةً وخصومة. أهو “الحزب” في لبنان الذي مارس غيّه وتسلّطه وبرّر ارتكاباته، من رفيق الحريري إلى لقمان سليم، بإصدار شهادات سلوك تلوك الاتّهامات، تروّجها وتلمّح إليها بسوقيّة داخل صفوف “المحور” و”البيئة” أم هي مدرسة مستورَدة من منابعها في طهران، عمادها تأليه من أنعم الله عليهم باتّباع هديْ جمهوريّة الوليّ الفقيه وطاعة قائدها، وتسفيه وتكفير وتخوين من يجوز ضدّهم الاغتيال والقتل والشنق حتّى الموت.
يعلّق ترامب ضرباته ولا يلغيها. لا يهمّ الرجل سلامة المحتجّين ولا مصيرهم ولا حتّى زخم غضبهم. ما يهمّه هو ما تقدّمه طهران وتتنازل عنه. قرّر رجل أميركا “العفو” المؤقّت عن إيران وتجاوز جريمة ارتكاب مجزرة بحقّ المتظاهرين في الشوارع.
وسط فاجعة إيران والإيرانيّين، يجرؤ “الحزب” على تسريب امتعاض من رئيس يسعى منذ خطاب القسم إلى بناء دولة “عاديّة” لا سلاح فيها إلّا لجيش الدولة
لم يأتِ قرار ترامب بسبب وقف طهران للمقتلة، بل لأنّ الحاكم في طهران أظهر لواشنطن ما لا يقرّ به المرشد والرئيس ووزير الخارجيّة التوّاق للتواصل مع ستيف ويتكوف مبعوث ترامب الشخصيّ ليلقي عليه قصائد اكتشاف فضائل الدبلوماسيّة حلّاً للنزاع.

في لبنان يأخذ “الحزب” علماً كلّ يوم بمستجدّات يوميّات إيران ومؤشّرات متانة نظامها. والأرجح أنّ “الحزب” ما يزال ينهل من قوّة إيرانيّة متخيَّلة سعى عراقجي إلى الإيحاء بها في زيارته الأخيرة للبنان. لا يصدّق “الحزب” برعب احتماليّة زوال الجمهوريّة ووليّها. وهو في تظهير حرده على مواقف الرئيس جوزف عون الأخيرة حيال السلاح وحامليه والمتيّمين ببقائه، ينهل من سمعة طهران والمحور و”العواصم الأربع” الضائعة حتّى لو بات كلّ هذا تاريخاً على طريق الاندثار.
وإذ يدّعي “الحزب” الدهشة من كلام للرئيس عون قاله قبل عام على هامش قَسمٍ افتتح به عهده، تكمن هزيمته المستمرّة في تنامي سطوة الدولة، سواء في ثبات رئيس الحكومة على قواعد بناء الدولة ومؤسّساتها، أو في تكرار رئيس الجمهوريّة التأكيد لخارطة طريق تقود إلى سقوط حتميّ للسلاح وتقليعاته.
ماذا يبقى إذا زال السّلاح؟
يراهن “الحزب” على “مكيافيليّة” إيرانيّة جديدة كتلك التي فجّرت “الكونترا غيت” في الثمانينيّات، أو التي أقامت تحالفاً مع واشنطن لإسقاط نظامَي أفغانستان والعراق (2001-2003)، أو الأخرى التي أنتجت الصفقة النوويّة عام 2015 مع إدارة باراك أوباما في واشنطن. يعوّل كثيراً على حذاقة “الثورة” في مجاراة ضغوط ذلك الرجل الذي لم يرفّ له جفن حين أمر باغتيال قاسم سليماني قرب مطار بغداد مطلع عام 2020. وكما أتاحت صفقة أوباما “المجيدة” لإيران وحزبها استباحة لبنان وبلدان “الهلال”، لا شيء يمنع إيران بما تملكه من أناة “حائكي السجّاد” من إقناع ترامب بتجارة يكون فيها رابحاً، ولا شيء يعيق منابر “المحور” وفتاوى مرشدها من اعتبارها نصراً مبيناً ودائماً “على طريق القدس”.
فوق رأس “الحزب” خيمة تهتزّ في إيران حتّى لو لم تسقطها الفاجعة الحاليّة
وسط فاجعة إيران والإيرانيّين، يجرؤ “الحزب” على تسريب امتعاض من رئيس يسعى منذ خطاب القسم إلى بناء دولة “عاديّة” لا سلاح فيها إلّا لجيش الدولة ومؤسّساتها الأمنيّة. يستنتج “الحزب” أنّه لم يبنِ صيته ونفوذه على ثقافة بناء وعمار وما يمتلكه من أوراق علاقات مع المحيط والعالم، بل نهل حكايته حصريّاً من قدرة سلاحه بالذات على الفتك بالدولة، وتقويض مؤسّساتها، وانتهاك قواعد العيش المشترك وتقاليد الخصوصيّات اللبنانيّة.
حتّى استقواء “الحزب” بجمهور يدعمه، ينتخب نوّابه، ويملأ تجمّعاته، ويهلّل لغزواته من “7 أيّار” إلى الروشة، لم يقُم إلّا بناء على قوّة السلاح وفائضه. فماذا يبقى لـ”الحزب” إذا زال السلاح؟ وما الذي سيسوّقه للناس إذا ما زالت دولة السلاح في طهران، سواء بالسقوط، أو بالإذعان لشروط بات ترامب، بعد مشهديّة فنزويلّا، أكثر تمسّكاً بها، حتّى لو أدّى الأمر إلى تجاوز جهود الوسطاء والذهاب إلى “الحلّ النهائيّ” ولو قيل إنّ بعده الطوفان؟
إقرأ أيضاً: عراقجي في بيروت: ضجيج من دون حجيج
فوق رأس “الحزب” خيمة تهتزّ في إيران حتّى لو لم تسقطها الفاجعة الحاليّة. والأرجح أنّ “الحزب”، وربّما بنصائح من مخلصين في طهران بالذات ما دام لا يملك قراره، وجد نفسه مجبراً على الرضوخ لقدر خيمةٍ يكرهها، نصبتها الدولة في لبنان. وقد لا يكون “الحرد” إلّا من عُدّة شغل متقادمة ما يزال “الحزب” يأنس لها، أو لا يملك غيرها، لتحسين موقعه تحت خيمة لبنان دون غيره.
لمتابعة الكاتب على X:
