الإصلاح والسلاح عنوانان أساسيان طَبعا للحراك الدولي الناشط باتجاه لبنان في الأيام الماضية. وما بينهما رغبة دولية بعدم “قطع حبل” الاستحقاقات السياسية والدستورية من خلال قرار لبناني محتمل بتأجيل الانتخابات النيابية، لكن من دون الوصول إلى حدّ فرض “أمر دولي” بإجرائها مهما كلّف الأمر.
لم يكن مجرد تفصيل استباق السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى جلسة مجلس الوزراء التي أقرّت تعيينات الجمارك، بجولة لافتة في مرفأ بيروت أبرزت التوجّه الاميركي الواضح، الذي يتقاطع مع الرغبات الخليجية والأوروبية، بدعم خطوات الدولة اللبنانية في إعادة السيطرة على مرافقها الحيوية ليس فقط لجهة منع إدخال السلاح والأموال، ومنع تهريب المخدرات، إنما بما يوازي ذلك أهمية وقف مزاريب الهدر في كافة المرافئ والمعابر الحدودية، ومكافحة التهرّب الضريبي، ومن استرسال طبقة سياسية برمّتها وأصحاب نفوذ ورجال أعمال من الاستفادة على مدى عقود من خيرات “الدولة الحلوب”.
صحيح أن الزيارة كانت مُحدّدة مسبقاً، لكنها تأتي ضمن سياق تدشين السفير الاميركي لعدّة جولات سيقوم بها إلى بعض المرافق العامّة الأساسية، بداية من مرفأ بيروت الذي شهد تعييناً لطاقم إدارته في 6 تشرين الثاني الماضي، بعد إدارة “مؤقتة” دامت نحو 35 عاماً!
الإصلاح والسلاح عنوانان أساسيان طَبعا الحراك الدولي الناشط باتجاه لبنان في الأيام الماضية. وما بينهما رغبة دولية بعدم “قطع حبل” الاستحقاقات السياسية والدستورية
جُدوِلت زيارة عيسى إلى المرفأ فيما لم تكن “أجهزة السكانر” التي تعمل بآلية الذكاء الاصطناعي قد دخلت مرحلة التطبيق بعد، حيث لا تزال في مراحلها التجريبية، بعد وصولها إلى المرفأ في تشرين الثاني الماضي، حيث تمّ إجراء عملية testing لها الأسبوع الماضي قبل وَصلِها بـ “السيستم” الجمركي.
هذه الأجهزة كفيلة، وفق تصريحات سابقة لوزير المال ياسين جابر، “بمراقبة 60 مستوعباً في الساعة، والاستعانة ببرنامج يعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل محتوى كل مستوعب مع ذاكرة تحفظ لـ6 أشهر، وتقدير أحجامها وقيمتها الفعلية، وتحديد نوع المواد المُستوردة أو المُصدّرة، وإمكانية إرسال الصور إلى مديريات الجمارك في دول أخرى، معنية بأي قضية مشتركة”، مؤكّداً أن “التلاعب بالتصاريح في شأن البضائع المعفاة من الجمارك لم يعد ممكناً”.
مع ذلك، أعرب السفير عيسى عن اندهاشه بالتجهيزات الجديدة وآليات العمل التي “تضاهي المعايير المعتمَدة في الولايات المتحدة”، متحدّثاً عن “ضرورة عودة عائدات المرفأ إلى الدولة اللبنانية فقط”.
بالتأكيد، أتت تعيينات الجمارك، بعد انقضاء عام كامل من عمر العهد أنجزت خلاله معظم التعيينات الأساسية، لتزيل علامات استفهام ارتسمت حول التأخير غير المبرّر في بتّها، وتطوي مرحلياً صفحة الخلاف السياسي الذي استحكم بين رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع على موقع مدير عام الجمارك (موقع ماروني).
مع ذلك، بقيت الضبابية مُسيطرة على هذا التعيين بسبب الدعاوى القضائية العالقة في القضاء بحق غريسيا القزي. في المقابل، حظي تعيين رئيس فرع الإعلام في مديرية المخابرات العميد مصباح خليل، رئيساً للمجلس الأعلى للجمارك، بترحيب ربطاً بسيرته العسكرية ومؤهلاته.
تؤكد المعلومات بأن الجانب الأميركي كان أبلغ شخصياً رئيس الجمهورية بأن إسرائيل لا تضع ضمن حساباتها توسيع الحرب ضد لبنان، إنما تكثيف ضرباتها الموضعية ضمن سياق استكمال مهمّة نزع سلاح الحزب
إصلاح وسلاح
تزامنت زيارة السفير عيسى إلى مرفأ بيروت، التي تعكس مدى الانغماس الاميركي في تفاصيل الداخل، مع معطيين أساسيين مرتبطين بالإصلاح والسلاح:
-إعلان الاتحاد الأوروبي توقيعه مع الحكومة اللبنانية ستّة اتفاقات تمويل جديدة بقيمة 110.5 مليون يورو على شكل هِبات، مُخصّصة لدعم لبنان في قطاع الأمن، والإصلاح، ومسار التعافي في مناطق النزاع التي تضرّرت بفعل الحرب الإسرائيلية.
-الجهوزية الدولية لإنجاح مؤتمر دعم الجيش الذي، وفق مصادر سياسية موثوقة، تبدي السعودية اهتماماً بإنجاحه وتأمين التمويل اللازم لتمكين الجيش من القيام بمهامه في سياق حصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية. هذا ما قاله الموفد السعودي يزيد بن فرحان لبعض الشخصيات التي التقاها، فيما يؤكد بقية أعضاء الخماسية اهتماماً ملحوظاً بإنجاح المؤتمر. كما تفيد المعلومات بأن الرياض دخلت على خط التنسيق الوثيق مع واشنطن من أجل تجنيب طهران أي ضربة عسكرية، واستطراداً الضغط لعدم تجدّد الحرب على لبنان.
تطمين أميركي للبنان
هنا تؤكد المعلومات بأن الجانب الأميركي كان أبلغ شخصياً رئيس الجمهورية بأن إسرائيل لا تضع ضمن حساباتها توسيع الحرب ضد لبنان، إنما تكثيف ضرباتها الموضعية ضمن سياق استكمال مهمّة نزع سلاح الحزب، وهذا ما سمعه الرئيس الاميركي دونالد ترامب من رئيس الوزراء الإسرائيلي شخصياً خلال لقائه به في البيت الأبيض. هذا ما دفع الرئيس عون إلى الإعلان مراراً عن ابتعاد شبح الحرب، وقد كان البابا لاوون الرابع عشر شريكاً أساسياً أيضاً في نقل هذه التطمينات، بعد طرق لبنان باب الفاتيكان.
إقرأ أيضاً: مؤتمر دعم الجيش يَخترق “مناخ الحرب”
لاحقاً أيضاً، وبعدما قرعت طبول الحرب الاميركية بقوة ضد طهران، وتهديد واشنطن “بالمساعدة القادمة”، عادت لغة الدبلوماسية و”العقوبات” والدعم المعنوي لتأخذ مكاناً أكثر تقدّماً في أجندة ترامب حيال نظام طهران.
وفق المعلومات، سَمع الجانب اللبناني ما يُشبه التطمينات من جانب بعض ممثلي الدول في اللجنة الخماسية بأن هناك توجّساً فعلياً من أن تؤدي أي ضربة لإيران إلى إدخال المنطقة برمّتها في حالة من الفوضى لا تستقيم مع أجندات هذه الدول راهناً.
كما أعربت جهات رسمية لبنانية عن ارتياحها الكبير لعدم ربط المانحين مؤتمر دعم الجيش بمراحل تطبيق خطة نزع السلاح، حيث أن مرحلة جنوب الليطاني تعتبر “بداية مشجعة جداً”، بعكس الرأي الإسرائيلي، مع العلم أن عدّة جهات دولية اطلعت على تفاصيل الخطة وتصلها تقارير حول مداولات جلسة مجلس الوزراء بشأن موضوع سحب السلاح.
لمتابعة الكاتب على X:
