تركيا تنصح إيران: العالم كلّه تغيّر

مدة القراءة 7 د

لم تخفِ تركيا خلال العقدين الماضيين تنافر أجنداتها مع أجندات إيران في المنطقة. استبطن الجدل شراسة التنافر في مصالح أنقرة وطهران. تعايش البلدان داخل آليّة “أستانا” لإدارة الصراع في سوريا، لكنّ أنقرة وقفت وراء فصائل تقاتل ضدّ فصائل تقف وراءها طهران. وعلى الرغم من أنّ المنافسة تنهل تاريخها من سياق صفويّ-عثمانيّ قديم، لكنّ أنقرة شديدة القلق هذه الأيّام ممّا قد يحمله تحرّك الشارع في إيران.

 

 

تخلّت تركيا عن عقائد كانت ترى المنطقة ومصالح تركيا من خلال حنين إلى عثمانيّة قديمة، واعتماد دورها في الشرق الأوسط على الإسلام السياسيّ. انتقلت من مبدأ “صفر مشاكل” العزيز على قلب أحمد داوود أوغلو، منظّر حزب العدالة والتنمية الحاكم قبل أن يدير ظهره للحزب وزعيمه، إلى مرحلة “كلّ المشاكل” التي شهدت تراكماً من الخلافات مع المنطقة، ليس مع دمشق وبغداد فقط، حيث كان لطهران المونة والنفوذ، بل أيضاً مع القاهرة والرياض وأبو ظبي وعواصم أخرى أيضاً. لكنّ تركيا الواقفة على تراث عقلانيّ أجادت إعادة قراءة العالم وتخفيف الخسائر واستعادة العافية والرشاقة.

صفعٌ بالكلمات؟

لا تريد تركيا الواقعة على حدود إيران سقوط النظام في طهران. قد يوحي توسّع التظاهرات في إيران باحتمال من هذا النوع. ولا يبدو أنّ دونالد ترامب يدفع نحو ذلك، لكنّه يتمتّع بفلاحة قد تأتيه بحصاد وفير. ولئن تسعى أنقرة إلى تقديم المشورة والدفع بالنصح لمن يريد أن يسمع في طهران، فإنّ الأمر ليس مزاجاً تركيّاً فقط، بل هو ميل عامّ، تعبّر عنه رسائل المملكة السعوديّة والخليج والمنطقة، التي لا تريد مزيداً من الفوضى والعبث، لا سيما إذا كان مصدرهما دولة أساسيّة كبرى مثل إيران.

في فحوى السطور اعتقاد في تركيا بأنّ ما يجري في إيران غير مسبوق منذ قيام الجمهوريّة الإسلاميّة، وأنّ موقف واشنطن أيضاً لم يعد يشبه استراتيجيات التعايش والاحتواء

أمكن لإسرائيل أن تقدّم نفسها من جديد نقيضاً أساسيّاً لمعظم دول المنطقة، بعدما نجحت إيران من خلال سياساتها ومحورها وميليشياتها في تصدّر هذا الدور في السنوات الأخيرة. أبلغت الرياض ضيفها دونالد ترامب في أيّار 2025 أنّ المملكة ودول المنطقة يعتبرون نتنياهو الأكثر خطراً على سلامة واستقرار وازدهار منطقة يريدها ترامب أن تقبل السلام وفق اتّفاقات إبراهيم. ومن يراقب خرائط المنطقة من سوريا إلى القرن الإفريقيّ مروراً باليمن والممرّات المائيّة وأحواض البحار وشبكات نقل الغاز وجبهات لبنان وغزّة وغيرها، سهُل عليه استنتاج ماذا تعنيه تركيا ودول المنطقة في قراءة اللحظة الإسرائيليّة وتحرّي بناء التحالفات لإجهاضها.

جرى في الأيّام الأخيرة الترويج لأنباء تحدّثت عن وساطة على شكل رسالة حملها وزير خارجيّة سلطنة عمان بدر البوسعيدي إلى طهران. تبرّعت بعض التحليلات بالحديث عن شروط أخيرة تمرّرها الولايات المتّحدة، نُقلت في هذه الرحلة، أوحت بأنّ واشنطن ذاهبة لاتّخاذ خيار آخر غير الدبلوماسيّة والتفاوض. وقد تكون هذه المعطيات هي ما دفعت ترامب، الإثنين، للحديث عن استئناف قريب للمفاوضات.

بغضّ النظر عن دقّة الأنباء وحقيقتها أو كونها “كلام جرائد” وحسب، عجّلت أنقرة المتواصِلة مع مسقط وعواصم المنطقة، السبت، من خلال وزير الخارجيّة التركيّ حقّان فيدان في توجيه عناوين إلى إيران توحي بأنّ تركيا تملك معطيات مقلقة تستدرجها، من خلال موقعها الإسلاميّ والأطلسيّ، وحتّى “العثمانيّ” والأتاتوركيّ معاً، إلى تقديم وصفة تتطلّب براغماتيّة لا يوحي بها خطاب المرشد علي خامنئي قبل أيّام.

يقول فيدان، المقرّب جدّاً من إردوغان والذي قاد جهاز الاستخبارات التركيّة لسنوات، إنّ على إيران الدخول في “مصالحة وتعاون حقيقيَّين” مع دول المنطقة. ويسهل استنتاج الدفع بترياق استخدمته تركيا نفسها لإعادة ترميم علاقاتها مع كلّ المنطقة، لا سيما المملكة السعوديّة والإمارات ومصر. تسهل أيضاً ملاحظة أنّ في ثنايا النصيحة تقويماً تركيّاً يتّهم إيران بأنّها ما تزال بعيدة عن ذلك السلوك على الرغم من الواجهة التي يتحرّاها الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارجيّته عبّاس عراقجي، ومن إبرام الرياض وطهران برعاية الصين “اتّفاق بكّين” في آذار 2023.

يصفع فيدان طهران بالكلمات، لكنّه يعالج الوجع بمداواته بالإقرار، وهذا يتوافق مع رواية خامنئي، بأنّه يجري التلاعب بالاحتجاجات في إيران من الخارج، ومن إسرائيل بالذات، من دون توجيه التهمة نفسها إلى واشنطن. كان خامنئي اعتبر أنّ وراء التظاهرات من يريدون مراضاة ترامب، فيما في تواصل إردوغان وترامب ما لا يدعم فرضيّات شعبويّة متعجّلة من هذا النوع.

يقول فيدان إنّه يجب على إيران أن تقتنع أنّ العالم ليس كما تراه بالضرورة طهران، ولسان حاله يقول إنّ المنطقة تغيّرت منذ “طوفان الأقصى”، والعالم تغيّر منذ حرب أوكرانيا

مواجهة اللّحظة الإسرائيليّة

لا تحبّ تركيا وأيّ من بلدان المنطقة حراك الشوارع وما يمكن أن يولّده من عبث وتحوّلات غير محسوبة. يرى فيدان أنّ إسرائيل تعلن رسميّاً تشجيعها للمتظاهرين، لكنّه في سطور النصيحة يرسل سهاماً مفادها أنّ إسرائيل تستغلّ وجود “علّة إيرانيّة” أصلاً للاصطياد في ما يتعكّر من مياه. وإن أبلغت تركيا نظام طهران أنّه هو العاجز عن اجتراح الحلول، يغامر فيدان بالإشارة إلى أنّ طهران ستصغي للمطالب وتستجيب لصدى الشوارع.

يقدّم فيدان مبادئ عامّة أوّلها المصالحة مع المنطقة، موحياً أنّ المنطقة يقلقها ولا يريحها وضع إيران، سواء ما يظهر من ضغوط الشوارع، وما تتوعّد به واشنطن وتل أبيب من حرب مقبلة، أو ما يخلقه غياب اتّفاق بين إيران والمجتمع الدوليّ من حالة عدم يقين مدمّرة للمنطقة ولإيران نفسها. لكنّ في وصايا فيدان أيضاً “مكيافيلّيّة” تدعو إلى قراءة العالم وموازين قواه ودروس السنوات الأخيرة وعدم التعويل على ما يسمّى حلف وحلفاء.

يقول فيدان إنّه يجب على إيران أن تقتنع أنّ العالم ليس كما تراه بالضرورة طهران، ولسان حاله يقول إنّ المنطقة تغيّرت منذ “طوفان الأقصى”، والعالم تغيّر منذ حرب أوكرانيا، لكن أيضا منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية. يحمل الوزير التركيّ رسالة ملأى بالمعطيات، كاشفاً أنّ شروطاً تراها إيران غير مقبولة في أيّة طاولة مفاوضات مقبلة صار يجب التمعّن في تأمّلها. يهمس بين السطور في تصريحاته: “إذهبوا إلى الاتّفاق مع الفاعلين الرئيسيّين، وفي مقدَّمهم الأميركيّون، لأنّ استقرار المنطقة يمرّ عبر ذلك”.

إقرأ أيضاً: رسائل عراقجي من بيروت: تفادي الحرب بالتّحضير لها

هل تلتقي مسقط وأنقرة صدفة على بعث رسائل متقاطعة إلى طهران؟ هل يمتلك فيدان وأنقرة معطيات جديدة جادّة عن شيء مقبل أو عن آذان باتت صاغية في إيران؟

في فحوى السطور اعتقاد في تركيا بأنّ ما يجري في إيران غير مسبوق منذ قيام الجمهوريّة الإسلاميّة، وأنّ موقف واشنطن أيضاً لم يعد يشبه استراتيجيات التعايش والاحتواء التي قادت رونالد ريغن يوماً إلى الهروب بجيشه بعدما ضربت أذرع طهران مقرّ المارينز وسفارة واشنطن في لبنان عام 1983، وبعدما اندفع باراك أوباما يوماً آخر إلى توسّل صفقة نوويّة مع إيران عام 2015 ما تزال المنطقة تدفع ثمنها حتّى الآن. وفي ثنايا القول دعوة إلى مواجهة اللحظة الإسرائيليّة، معاً، بالاستناد إلى لحظة أميركيّة تاريخيّة يمثّلها دونالد ترامب في واشنطن.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

السّؤال الإيرانيّ الكبير على شطّ العرب

قبل مئة عام وبضعة أشهر، رسا يختٌ فاخر في شطّ العرب على مقربة من المحمّرة، عاصمة الأحواز. كان أميرها العربيّ خزعل الكعبيّ قد وطّد حكمه…

اليمن: السّعوديّة من إدارة الحرب إلى هندسة الاستقرار

تنتقل المملكة العربيّة السعوديّة عبر حوار جنوب اليمن الذي دعت إليه وتستضيفه في الرياض قريباً، من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة هندسة الاستقرار.   يأتي…

هل صحيح أنّنا صمدنا 66 يوماً؟

منذ شهور، تحاول ماكينة “الحزب” الإعلاميّة والسياسيّة، أن تسوّق فكرة غير صحيحة إطلاقاً: شباب “الحزب” صمدوا في الجنوب 66 يوماً ومنعوا الاحتلال. وهو ادّعاء لا…

الزيارة الإيرانيّة والزيارات الإسرائيليّة “الجويّة”

لم تصحّ التوقّعات التي راهنت على منح لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه، على الرغم من الإيجابيّة النسبيّة التي عكستها التصريحات الأميركيّة والإسرائيليّة بشأن تحرّكات الجيش في…