اعتقال مادورو: الدّلالات الجيوسياسيّة

مدة القراءة 8 د

لم يكن اعتقال نيكولاس مادورو في كراكاس سابقة في تاريخ علاقات الولايات المتّحدة بالمحيط الأميركيّ. سبق لواشنطن أن تدخّلت عسكريّاً في عدّة بلدان من القارّة (كوبا، جمهوريّة الدومينيكان، نيكاراغوا وغرينادا…) وأوقفت سنة 1989 رئيس باناما مانويل نورييغا الذي حوكم بتهمة تجارة المخدّرات في المحاكم الأميركيّة.

 

بيد أنّ الجديد هو التهمة التي وجّهها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى الرئيس الفنزويلّيّ، وهي “الإرهاب المرتبط بالمخدّرات” narco – terrorism، وهو مصطلح الغرض منه تحويل غزو فنزويلّا لعمليّة بوليسيّة تقليديّة لملاحقة فارّ من العدالة سبق للإدارات الأميركيّة المتتابعة أن أصدرت مذكّرات لإيقافه ومتابعته.

مع أنّ الرئيس ترامب في كلمته لمناسبة اعتقال مادورو أكّد أنّه دكتاتور غير شرعيّ لا تعترف به حكومات العالم الديمقراطيّ، لم يبرّر الاعتقال بالتبريرات المألوفة في الخطاب السياسيّ الأميركيّ، مثل نشر الديمقراطيّة وتغيير نظام الحكم وتحرير الشعوب من الاستبداد.

لم يخفِ ترامب الأهداف الاستراتيجيّة والاقتصاديّة المباشرة للغزو الفنزويلّيّ، من الحرص على التحكّم في المجال الحيويّ الأميركيّ (نصف الكرة الأرضيّة الغربي) والاستيلاء على المخزون النفطيّ (20 في المئة من الاحتياط العالميّ)، بل صرّح بوضوح أنّ بلاده ستدير الأوضاع الانتقاليّة في فنزويلّا ولن تتركها للمعارضة الديمقراطيّة.

لوّح ترامب في المناسبة ذاتها بإمكان استخدام الوسيلة نفسها في أماكن أخرى من المنطقة، وعلى الأخصّ كولومبيا وكوبا، وأشار إلى إمكان استخدام السلاح لحماية الشعب الإيرانيّ من بطش النظام في حال قمع الانتفاضة الحاليّة ضدّ غلاء المعيشة وانهيار الاقتصاد الوطنيّ.

بعد غزو فنزويلّا واعتقال الرئيس مادورو، وجّهت أقلام أميركيّة عديدة انتقادات حادّة لمغامرة التدخّل العسكريّ خارج حدود البلاد

إشكاليّتان متلازمتان

عانت منظومة القانون الدوليّ منذ قيامها من إشكاليّتين متلازمتين:

1- التنافر النظريّ والقيميّ بين مبدأ السيادة الوطنيّة الذي هو مرتكز النظام الدوليّ ومدوّنة  حقوق الإنسان التي هي المرجعيّة العميقة للرابطة الكونيّة الإنسانيّة.

2- ربط معايير القانون الدوليّ عمليّاً بتوازنات القوّة والمصلحة، وهو ما يتجسّد في حصر القرارات العالميّة المصيريّة بالأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدوليّ.

في مقالة مهمّة للفيلسوف الروسيّ ألكسندر دوغين بعنوان “نهاية النظام الدوليّ والعودة للحرب العالميّة” في Press Multipolar، نُشرت في 3 كانون الثاني 2026، بعد حادثة اعتقال مادورو، يذهب الكاتب إلى أنّ الإطار القانونيّ الدوليّ قد انهار لأنّه لم يعُد يعكس واقع علاقات القوّة بين الدول الكبرى. حسب دوغين ما نشهده حاليّاً هو تركّز الصراع بين الهيمنة القطبيّة الغربيّة وعالم متعدّد الأقطاب في طور التشكّل.

في هذا السياق، يبيّن دوغين أنّ الفوضى العالميّة ناتجة عن تعايش عدّة أصناف من المنطق السياسيّ والقانونيّ، من أبرزها القانون الدوليّ التقليديّ الذي ترمز إليه هيئة الأمم المتّحدة ولم يعُد يلائم حقائق العالم الجديد، وبقيّة النظام القطبيّ السابق التي لا تزال جليّة في بعض القضايا مثل الردع النوويّ، الهيمنة الأميركيّة الأحاديّة وصعود قوى عالميّة وازنة مثل روسيا والصين والهند .

الإشكاليّة الأولى هي التي أفرزت ما سمّي بالحروب الحقوقيّة في العقود الثلاثة الأخيرة بداية من حروب البلقان سنة 1991، وقد انتظمت شرعيّتها على أساس مبدأ “الحروب العادلة” في مرجعيّته اللاهوتيّة البعيدة (عدالة القضيّة وليست صياغتها القانونيّة الإجرائيّة). الإشكاليّة الثانية هي التي برزت بقوّة خلال الحرب الأوكرانيّة – الروسيّة بما فرضته من حتميّة البحث عن مخرج من الأزمة المتفجّرة وفق منطق توازن القوّة والمصالح الحيويّة.

لم يكن اعتقال نيكولاس مادورو في كراكاس سابقة في تاريخ علاقات الولايات المتّحدة بالمحيط الأميركيّ. سبق لواشنطن أن تدخّلت عسكريّاً في عدّة بلدان

حرب عالميّة ثالثة؟

ما يخلص إليه دوغين هو أنّ تحلّل القانون الدوليّ سينتج عنه تأجيج صراع القوّة في مناطق عديدة من العالم إلى حدّ اندلاع حرب عالميّة ثالثة سينجم عنها بناء قانونيّ جديد .

ليس من الضروريّ أن نشارك دوغين مقاربته المتشائمة التي تترجم الرؤية الاستراتيجيّة الروسيّة الجديدة لكي نؤكّد أنّ معايير القانون الدوليّ التقليديّة لم تعُد فعلاً تعبّر عن المعادلة الاستراتيجيّة الحاليّة.

الملاحَظ أنّ دول الاتّحاد الأوروبيّ (باستثناء إسبانيا) رفضت إدانة العمليّة الأميركيّة في فنزويلّا، وذهبت إمّا إلى الدفاع عن شرعيّتها (ايطاليا)، أو برّرتها ضمنيّاً انطلاقاً من طبيعة النظام السياسيّ الحاكم في كراكاس. يبدو الموقف ذاته جليّاً في الملفّ الأوكرانيّ، على الرغم من تشبّث الدول الأوروبيّة المعلَن بسيادة أوكرانيا وحقّها في الدفاع عن نفسها ضدّ الاحتلال الروسيّ، إذ أصبح من البديهيّ أنّ العودة إلى حدود 1991 بين روسيا وأوكرانيا مستحيلة عمليّاً.

الاستنتاج هو أنّ رؤية الرئيس ترامب للنظام الدوليّ، على ما يعتريها من استفزاز وشذوذ، قابلة للفهم في إطار التحوّلات النوعيّة التي عرفتها في السنوات الأخيرة المعادلة الجيوسياسيّة العالميّة.

يرى البعض أنّ هذه الرؤية ليست سوى نكوص إلى النزعة الإمبرياليّة الاستعماريّة القديمة ومنطق المجالات الحيويّة للقوى الكبرى. لكنّ الحقيقة أكثر تعقيداً والرهانات مختلفة عن سياسات التوسّع الإقليميّ في القرن التاسع عشر التي حكمت أهداف ومطامح القوى الكبرى في تقاسم النفوذ في الخارطة الدوليّة .

تحوُّل المنظور الاستراتيجيّ الأميركيّ

عندما تحدّث الرئيس ترامب فور تسلّمه للسلطة في كانون الثاني 2025 عن ضمّ غرينلاند واستعادة قناة باناما، بل ودمج كندا في الولايات المتّحدة، كان يعبّر عن نقطة تحوّل كبرى في المنظور الاستراتيجيّ الأميركيّ الذي أصبح يتمحور حول ما أطلق عليه البعض “النزعة الواقعيّة القوميّة”.

تجمع سياسة الرئيس ترامب بين المدرسة الواقعيّة في مبدأ توازن القوّة والمصلحة والمدرسة الانعزاليّة في تركيزها على أولويّة أميركا

هذه النزعة هي توجُّه جديد لا يمكن تصنيفه ضمن المدارس الجيوسياسيّة الأميركيّة التقليديّة: الواقعيّة الكلاسيكيّة (إدارة صراعات القوّة والمصلحة)، الليبراليّة التعدّديّة (ربط مصلحة الولايات المتّحدة بنشر الحرّية والديمقراطيّة) والانعزاليّة (الابتعاد عن قضايا العالم والانكفاء على الذات).

بعدما جرّبت الولايات المتّحدة في عهد الرئيس بيل كلينتون الليبراليّة التعدّديّة، عرفت صعود الاتّجاه المحافظ الجديد الساعي إلى نشر الحرّية في العالم خلال عهد الرئيس جورج بوش الابن مع صياغة يساريّة للتوجّه نفسه في حقبة باراك أوباما التي حاول نائبه جو بايدن إعادتها بطريقة باهتة خلال ولايته الرئاسيّة.

أميركا – ترامب بين الواقعيّة والانعزاليّة

تجمع سياسة الرئيس ترامب بين المدرسة الواقعيّة في مبدأ توازن القوّة والمصلحة والمدرسة الانعزاليّة في تركيزها على أولويّة أميركا. وتتبنّى المقاربة المحافظة دينيّاً واجتماعيّاً، لكنّها تضيف إلى هذه الصياغة التأليفيّة توجّهاً قوميّاً براغماتيّاً ترى أنّه الأفق البديل عن الفكرة الليبراليّة المتآكلة وتبحث له عن نقاط تمدّد في العالم الغربيّ بكامله.

بعد غزو فنزويلّا واعتقال الرئيس مادورو، وجّهت أقلام أميركيّة عديدة انتقادات حادّة لمغامرة التدخّل العسكريّ خارج حدود البلاد، وما قد يترتّب عليها من أضرار جسيمة على غرار مخلّفات الوضع في الشرق الأوسط بعد الحروب الأميركيّة السابقة. بيد أنّ الرئيس ترامب يعتقد أنّه حقّق مسبقاً مكسباً جيوسياسيّاً كبيراً هو استخدام القوّة الاستعراضيّة الساحقة لتغيير الموازين العمليّة على الأرض، بما يشكّل درساً ونموذجاً له آثاره العالميّة الواسعة.

إقرأ أيضاً: القوّة الأميركيّة المطلقة ومصائر النّظام الدّوليّ!

وفق منطق الصفقات المربحة الذي يتبنّاه الرئيس ترامب في الميدان الاستراتيجيّ، يجب البدء باستخدام القوّة لخلق الواقع الجديد، ثمّ الاستفادة القصوى من المعادلة المتولّدة عن الضربة العنيفة. على الرغم من كلّ ما يقال، برزت مؤشّرات جليّة إلى أنّ القيادة الفنزويلّيّة الجديدة مستعدّة لدفع ثمن التحوّل المفروض بحسب حقائق المعادلة الجديدة.

 

 * أكاديميّ وكاتب موريتانيّ له كتب وأعمال منشورة في الفلسفة والفكر السياسيّ، وله أعمال روائيّة منشورة.

مواضيع ذات صلة

روبيو في ميونيخ: الاتّهام المخمليّ لأوروبا

رسم وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، في الخطاب الرئيس الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، قبل أيّام، الخطوط العريضة لرؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب…

إيران وأميركا: طبول الحرب وآفاق التّسوية

تصاعدت وتيرة التحضيرات لعمليّة عسكريّة أميركيّة واسعة النطاق في إيران، ووصلت حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة في مشهد غير مسبوق يختلف نوعيّاً عن أجواء الاحتقان…

معركة وراثة ترامب: فانس ضدّ روبيو

بينما يستقرّ دونالد ترامب في ولايته الثانية، يطفو سؤال واحد فوق المشهد الجمهوريّ: من سيرث حركة “ماغا”؟   حركة “ماغا” التي أعادت تشكيل الحزب الجمهوريّ…

رفيق الحريري… قراءة في المسار لا في الحدث

تمرّ إحدى وعشرون سنة على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا يزال ذلك اليوم من شباط 2005 يبدو كأنّه اللحظة الفاصلة التي انكسر عندها إيقاع لبنان…