قمّة فلوريدا: ترتيب المصالح في المساحات الرّماديّة

مدة القراءة 7 د

لم يسبق أن حظيت اللقاءات الأربعة التي جرت بين الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو بالاهتمام الذي رافق لقاءهما في فلوريدا قبل يومين من نهاية سنة 2025، التي حصلت فيها تحوّلات كبيرة في الشرق الأوسط، ومنها سقوط نظام الأسد وتلقّي المشروع الإيرانيّ ضربات استراتيجيّة كبيرة.

 

كانت السيناريوهات والتوقّعات الإسرائيليّة قاتمة قبل اللقاء، وليست نابعة من حجم الملفّات التي كان يحملها نتنياهو في جعبته فحسب، بل من الغموض الذي يكتنف بعض جوانب العلاقات بين الرجلين، ومن التفاوت بين جداول أعمالهما، لا سيما في غزّة وسوريا. يعلم نتنياهو، الذي لم يتوقّف عن التبجّح بـ”الإنجازات” التي حقّقها على الجبهات السبع، في قرارة نفسه العقبات التي تواجهه في تسييل هذه الإنجازات في السياسة، وتحويلها إلى مكتسبات فعليّة تمكّنه من صرفها في الانتخابات النيابيّة المقبلة. لا تحجب حاجتُه إلى ترامب لتكريس هذه الإنجازات حقيقةً واضحةً، وهي أنّه لا يزال بعيداً عن “الانتصار المطلق” في غزّة، وبالتالي عاجز عن فرض إملاءاته. لا نقلّل من أهميّة “الغلّة السياسيّة” التي عاد بها من لقائه مع ترامب في ما يتعلّق بإيران ولبنان وغيرهما من الملفّات، لكنّ تصميم ترامب على الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتّفاق غزّة، وتأكيده دور تركيا، وعدم الربط بين إعادة الإعمار وتسليم سلاح “حماس”، تؤكّد أنّ الطريق من فلوريدا إلى تل أبيب فيها الكثير من المساحات الرماديّة. تأكيد ترامب الدور التركيّ المحوريّ في سوريا وغزّة أمام نتنياهو أعاد إليه كابوس صورة اللقاء الذي جمع ترامب ووليّ عهد المملكة العربيّة السعوديّة الأمير محمّد بن سلمان في تشرين الثاني الماضي في البيت الأبيض.

ترامب المتحمّس لتوسيع جغرافية إسرائيل، والذي اعترف بسيادتها على القدس والجولان، لا يبدو مرناً في بسط السيادة الإسرائيليّة على الضفّة الغربيّة

الصّورة المعقّدة في لقاء فلوريدا

بالتأكيد ما من أحد يتوقّع من رئيس أميركيّ، جمهوريّ أو ديمقراطيّ، الخروج عن سياسة اعتبار إسرائيل حجر الزاوية في الاستراتيجية الأميركيّة في الشرق الأوسط، والتزام تفوّقها لا سيما في المجالين الأمنيّ والعسكريّ. لكنّ ترامب، الأشدّ التزاماً لتفوّق إسرائيل العسكريّ، والذي يغدق على نتنياهو الأسلحة النوعيّة لاستخدامها على الجبهات ودون أيّة قيود، يولي أهميّة بالغة أيضاً لمصالحه الشخصيّة في العلاقة بينه وبين نتنياهو وفي علاقاته الدوليّة كافّة. ويبدو أنّه لن يسمح له بتبديد فرص نجاحه في غزّة والمناورة عليه في إبعاد الدور التركيّ أو في فرض شروط تقيّد الانتقال إلى المرحلة الثانية، ولذلك تبدو الأمور معقّدة ورماديّة على هذا الجانب. وفي هذا السياق كتبت آنا برسكي في “معاريف” في مقالة بعنوان “بين التوقّعات والواقع: ماذا جنى نتنياهو من ترامب؟”:

فلوريدا

“تشكَّل في إسرائيل سيناريو شبه توافقيّ: رئيس أميركيّ مصمّم على التقدّم في ملفّ غزّة بأيّ ثمن، ويدفع نحو المرحلة الثانية حتّى من دون نزع سلاح “حماس” شرطاً أساسيّاً، ويُظهر انفتاحاً مقلقاً على وجود تركيّ في القطاع، والأهمّ من ذلك لا يسارع إلى مواجهة جديدة مع إيران”. وأضافت: “التقدير القائم هو أنّ نتنياهو وصل إلى اللقاء وهو في موقع ضعف: بلا طاقم تمهيديّ قويّ، ويعتمد سياسيّاً ودبلوماسيّاً على ترامب، ومكشوف أمام إمكان الانجراف إلى سلسلة من الخطوات الصغيرة، التي تبدو كلّ واحدة منها معقولةً بحدّ ذاتها، إلى أن يتّضح أنّ الواقع الذي تكشّف في الغرفة لم يكن مريحاً كما تمنّت رئاسة الحكومة، لكنّه أيضاً كان بعيداً عن سيناريو تُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة فوق رأسه”. وخلصت الكاتبة إلى القول إنّ “الاستماع المتأنّي إلى تصريحات ترامب في مستهلّ اللقاء، ووضعها في سياق الخلفيّة التي سبقته يرسمان صورة أكثر تعقيداً كثيراً. فنحن لا نتحدّث عن انقلاب أو استسلام، وإنّما نتحدّث أساساً عن مزيج غير مريح من إنجازات فعليّة، فجوات مبدئيّة، ومساحة رماديّة واسعة ما يزال كلّ شيء فيها مفتوحاً”.

الطريق من فلوريدا إلى تل أبيب فيها الكثير من المساحات الرماديّة

الفجوات بين ترامب ونتنياهو

ترامب المتحمّس لتوسيع جغرافية إسرائيل، والذي اعترف بسيادتها على القدس والجولان، لا يبدو مرناً في بسط السيادة الإسرائيليّة على الضفّة الغربيّة، التي يدّعي وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس أنّها قائمة فعليّاً. لكنّ الفجوة التي ظهرت بين فريق ترامب وفريق نتنياهو في موضوع الضفّة الغربيّة لم تُترجَم إلى موقف أميركيّ حازم من خطط الاستيطان الجاري تطبيقها، والتي ستؤدّي إلى فصل شمال الضفّة عن جنوبها، ولا من خطّة E1 التي تهدف إلى ربط القدس بمستوطنة معاليه أدوميم. فهل يمثّل ترامب؟

الموقف من الدور التركيّ في غزّة يفسّره بعض الإسرائيليّين من زاوية الرضا عن الدور التركيّ في سوريا والحاجة إليه لإقناع “حماس” بتسليم سلاحها، بعدما لعبت تركيا، إلى جانب قطر، دوراً أساسيّاً في إقناع “حماس” بتسليم المحتجَزين لديها، الأمر الذي فتح الباب امام ترامب لإعلان إنجاز كان ينتظره بفارغ الصبر.

ينتظر الجميع عودة نتنياهو إلى إسرائيل والاجتماع مع الحكومة الأمنيّة لمعرفة المسار الذي ستسلكه الأمور في غزّة وغيرها من الجبهات

وفي سياق التفاوت بين ترامب ونتنياهو في الموقف من تركيا والضفّة الغربيّة، نشر معهد دراسات الأمن القوميّ في إسرائيل مقالاً للكاتبين إلداد شافيط وجيسي وينبرغ بعنوان “لقاء نتنياهو-ترامب: إطراءات، رسائل وأسئلة مفتوحة”. أشار الكاتبان إلى أنّ “ترامب أشاد بالرئيس رجب طيب إردوغان، وأكّد أنّ الولايات المتّحدة ترى في تركيا دولة محوريّة لاستقرار المنطقة وتعزيز بنيتها الإقليميّة، ولا سيما في ضوء الخطوات التي اتّخذتها فعلاً في سورية، وتحدّث ترامب بإيجابيّة عن مشاركة تركيا في استقرار القطاع، من دون أن يوضح هل يفرض ذلك على إسرائيل. وصرّح بأنّه يدرس بيع مقاتلات F-35 لتركيا، مع التشديد على أنّها لن تُوجَّه ضدّ إسرائيل”. وتابع الكاتبان: “وفي قضيّة الضفّة الغربيّة، أقرّ ترامب بوجود فجوات في المواقف بين إسرائيل والولايات المتّحدة، وأعرب عن ثقته بأنّ نتنياهو سيفعل الشيء الصحيح. ووفق بعض التقارير، تضغط الإدارة الأميركيّة من أجل ضبط العنف، الذي تعتبره مضرّاً بتوسيع اتّفاقات أبراهام، ومزعزعاً لوقف إطلاق النار في غزّة، ومُضعِفاً لعلاقات إسرائيل مع أوروبا ودول المنطقة”. وفي خلاصة مقالهما كتبا: “خلافاً للتقديرات المسبقة، عكست تصريحات ترامب رغبة في تهدئة الخلافات وإظهار التنسيق. ومع ذلك، يبقى من المشكوك فيه إمكان دفع هدفَي الإدارة، الاستقرار الإقليميّ وتوسيع اتّفاقات أبراهام، من دون تقدّم ملموس على الساحة الغزّيّة، بينما تظلّ أسئلة جوهريّة عن كيفيّة تنفيذ أهداف الإدارة مفتوحة”.

تمكّن الرجلان في لقاء فلوريدا من ترتيب المصالح بينهما على وقع المساحات الرماديّة، لكنّ منطقة الشرق الأوسط لا تزال بعيدة عن الاستقرار والسلام

المنطقة بعيدة عن الاستقرار  

ينتظر الجميع عودة نتنياهو إلى إسرائيل والاجتماع مع الحكومة الأمنيّة لمعرفة المسار الذي ستسلكه الأمور في غزّة وغيرها من الجبهات. الورقة التي أهداها إلى ترامب بالموافقة على فتح معبر رفح في الاتّجاهين، قبض ثمنها موافقة ترامب على بقاء الجيش الإسرائيليّ على الخطّ الأصفر الذي يثبّت سيطرته على نصف مساحة القطاع. والتعهّد الذي أبداه بضبط العنف في الضفّة الغربيّة هو بمنزلة كلام لا محلّ لصرفه، إذ يمضي قدماً في خطط الاستيطان للقضاء على فرص قيام الدولة الفلسطينيّة. أمّا في لبنان فالمخاوف كبيرة من أن يفسّر نتنياهو تشكُّك ترامب في قدرة الحكومة اللبنانيّة على مواجهة “الحزب” بضوء أخضر له كي يتحرّك.

في النهاية، تمكّن الرجلان في لقاء فلوريدا من ترتيب المصالح بينهما على وقع المساحات الرماديّة، لكنّ منطقة الشرق الأوسط لا تزال بعيدة عن الاستقرار والسلام.

* أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانيّة

 

لمتابعة الكاتب على X:

@WalidSafi16

مواضيع ذات صلة

القوّة الأميركيّة المطلقة ومصائر النّظام الدّوليّ!

ليست حالة فنزويلّا التي اختطف دونالد ترامب رئيسها وزوجته، نادرةً أو فريدةً من نوعها. يرجع ذلك إلى هشاشة النظام الدوليّ، وأنّ الدول الكبرى وعلى رأسها…

فنزويلّا مفتاح تحكّم أميركا بحاجات الصّين النّفطيّة

سيكون على العالم أن يتريّث قبل أن تتّضح مآل الأمور في فنزويلّا بعد توقيف نيكولاس مادورو وزوجته في الولايات المتّحدة الأميركيّة. لا ينفي نجاح العمليّة…

أزمة جنوب اليمن: لماذا سكت ترامب؟

لم تظهر أيّ شبهات توحي بدور أميركيّ ما خلف التصدّع الذي داهم علاقات السعوديّة والإمارات بشأن اليمن. برز سؤال موقف واشنطن منذ اللحظات الأولى لقيام…

العالم إلى تحوُّل… من فنزويلّا إلى الشّرق الأوسط

شهد الشرق الأوسط الملتهب، في العام المنطوي، مزيداً من تفاقم الصراعات واستمرار محاولة تغيير الخرائط في نزاعات النفوذ والطاقة. مع إطلالة الربع الثاني من القرن…