الزعيم الموهوم والأمير المزعوم والشيخ المرسوم

مدة القراءة 4 د

لم يغادر الزعيم الموهوم الحياة السياسية انسحابًا عاديًا، ولم يعتزل كما يفعل الزعماء حين تنتهي أدوارهم. ما جرى كان مختلفًا: خروج محسوب مع إبقاء اليد ممدودة داخل الساحة. سياسة بلا حضور، وحضور بلا مسؤولية، وغياب يُدار لا يُترك للصدفة.

 

في هذه اللحظة بالذات، مع إعلان الزعيم تعليق عمله السياسي، بدأ نشاط الشيخ المرسوم بالتوازي مع ظهور الأمير المزعوم. لم يكن هذا مجرد لقاء أو صدفة، بل كان بداية تحرك استراتيجي لإدارة الفراغ السياسي واستغلاله: توجيه الساحة، تثبيت سردية الانتظار، وضرب أي بدائل محتملة قبل أن تتشكل.

في هذا الفراغ المصطنع، لم تُترك الساحة لتبحث عن توازن جديد، بل جرى التعامل معها كمساحة يجب ضبطها ومنعها من إنتاج أي بديل. هنا لا تعود المسألة مسألة قوة غياب، بل قدرة على التعطيل. تعطيل السياسة الطبيعية، وتعطيل نشوء قيادات، وتعطيل أي محاولة لبناء مسار مستقل عن الاسم الغائب.

ضمن هذا السياق، لا يمكن النظر إلى فضيحة الأمير المزعوم كحادثة منفصلة أو خطأ عابر. ما جرى كان انعكاسًا مباشرًا لمناخ سياسي جرى تعميمه عمدًا: مناخ ينتظر “الإشارة الخارجية”، ويُدار على أساس الوهم بدل القرار. فحين تُضرب البدائل في الداخل، يصبح الخارج، أو ما يُشبهه، هو المرجع الوحيد الممكن، حتى لو كان وهمًا.

ظهر الأمير المزعوم في لحظة الفراغ السني المُهيأ لاستقبال أي وعد. لم يكن بحاجة إلى مشروع أو رؤية، بل فقط إلى الإيحاء بامتلاك مفتاح القرار. وهذا بحد ذاته نتيجة مباشرة لاستراتيجية ضرب البدائل: حين لا يُسمح لقيادة داخلية بالنضوج، يصبح أي ادّعاء خارجي قابلاً للتصديق.

لم يغادر الزعيم الموهوم الحياة السياسية انسحابًا عاديًا، ولم يعتزل كما يفعل الزعماء حين تنتهي أدوارهم. ما جرى كان مختلفًا: خروج محسوب مع إبقاء اليد ممدودة داخل الساحة

أما الشيخ المرسوم، فدوره في هذا المشهد يتجاوز الوصف التقليدي للوسيط. خطابه العلني، المتكرر، الذي يروّج لفكرة “العودة على حصان أبيض”، أدّى وظيفة سياسية واضحة: تجفيف أي محاولة لبناء بديل. فالزعيم، بحسب هذا الخطاب، لا يُستبدل، بل يُنتظر. ولا يُناقش، بل يُستعاد. وكل من يفكر بغير ذلك يُصوَّر كمغامر، أو مشوّش، أو خارج عن الإجماع.

بهذا المعنى، لم يكن خطاب الشيخ المرسوم مجرد تعبير عن ولاء، بل أداة ضمن منظومة أوسع هدفها إبقاء الساحة في حالة شلل منظّم. فالترويج المستمر للعودة، من دون أي أفق زمني أو سياسي واضح، يحوّل الزمن نفسه إلى سلاح ضد البدائل. كل مبادرة جديدة تُقتل قبل أن تولد، بحجة أن “الزعيم راجع”، وأن اللحظة لم تحن بعد.

فضيحة الأمير المزعوم، بدل أن تفتح الباب أمام مراجعة عميقة، استُخدمت عمليًا لتكريس الفكرة نفسها: البدائل هشّة، الوسطاء مشبوهون، وكل ما هو خارج الاسم الغائب قابل للانكشاف والسقوط. هكذا تحوّلت الفضيحة إلى رسالة ردع سياسية لكل من يفكر بملء الفراغ.

الزعيم الموهوم، في غيابه، لم يترك الساحة بلا إدارة، بل أدارها من خلال التفكيك لا البناء. لم يسعَ إلى إعداد وريث، ولا إلى إطلاق مسار انتقالي، بل إلى منع تشكّل أي مركز ثقل آخر. الغياب هنا ليس انسحابًا، بل أداة ضغط. والحضور المحتمل يُستخدم كفزاعة: من يقترب من ملء الفراغ يُقال له إن عودة الزعيم ستسحقه سياسيًا.

في هذا الإطار، يصبح دور الشيخ المرسوم شبيهًا بدور “الحارس الرمزي للتعطيل”. يضبط الخطاب، يهدّئ الشارع، ويمنع تحوّل الإحباط إلى فعل سياسي منظم. أما الأمير المزعوم، فكان التجسيد الأكثر فجاجة لنتيجة هذا التعطيل: حين تُقتل السياسة، يزدهر الوهم.

المفارقة القاتلة أن هذه الاستراتيجية، التي تهدف إلى حماية الزعامة، تُراكم في الوقت نفسه عوامل تآكلها. فكل بديل يُضرب، وكل مبادرة تُفشل، وكل فراغ يُمدَّد، يُفرغ الساحة أكثر، ويحوّل السياسة إلى حنين، والزعامة إلى ذكرى مؤجلة.

في الخلاصة، لا يمكن فهم فضيحة الأمير المزعوم خارج استراتيجية ضرب البدائل، ولا يمكن فصل أداء الشيخ المرسوم عن وظيفة تعطيل السياسة باسم الانتظار. كلاهما اندرج، بقصد أو بغير قصد، في خدمة سردية واحدة: الزعيم الموهوم لا يحكم الساحة بقوته، بل بإصراره على منع غيره من الظهور، مستخدمًا كل الوسائل الممكنة لضرب البدائل السياسية وإبقاء الجميع في حالة انتظار. وما لم تُكسر هذه المعادلة، ستبقى السياسة معلّقة.

*العشائر نيوز

مواضيع ذات صلة

جوزف عون يُمسك بخيط الدولة الوطنية

في الدول المستقرّة، تُفهم رئاسة الجمهوريّة بوصفها ذروة انتظام المؤسّسات، تعبيراً عن توازن السلطات وضمانةً رمزيّة لاستمراريّة الدولة. أمّا في لبنان فليست الرئاسة موقعاً دستورياً…

تركيا 2025: بصمات عام لم تُغلق ملفّاته

لم يكن عام 2025 في تركيا عاماً عابراً يمكن طيّ صفحته مع تساقط أوراق التقويم، بل شكّل حلقة في مسار سياسيّ واقتصاديّ وأمنيّ ما يزال…

ترامب.. ماذا فعلت بهذا العالم خلال عام؟

اكتشف العالم عام 2025 نسخة جديدة من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. لم تكن النسخة بعيدة عن تلك التي كانت إبّان ولايته الأولى، لكنّها بدت أكثر…

إيران: عام طويل من الانتكاسات

قد يكون من الصعب إجراء جردة حساب دقيقة لمسار التطوّرات التي شهدتها الساحة الإيرانيّة في عام 2025 من دون العودة إلى السياق الأوسع الذي سبق…