قد تختلف الآراء عند المحلّلين والمختصّين في السياسة الدوليّة على الشخصيّة السياسيّة الأبرز في عام 2025. الاختلاف أمر طبيعيّ، فقد كان عاماً مليئاً بالأحداث والتحوّلات، وبالتالي كان مزدحماً بأسماء أشخاص وقادة برزوا كثيراً ولعبوا أدواراً متعدّدة في تلك الأحداث.
مقابل الاختلاف على شخصيّة عام 2025، هناك شبه اتّفاق على أنّ الرئيس السوريّ أحمد الشرع هو الشخصيّة الأكثر إثارة للجدل في عام 2025 والمرشّح كي يكون الشخصيّة التي لا يمكن تجاهلها في عام 2026.
تمكّن الرجل في عام واحد من الانتقال دون الإلغاء من شخصيّة أبي محمّد الجولاني الذي رُصدت ملايين الدولارات مكافأة لمن يرشد إليه إلى شخصيّة أحمد الشرع الذي يتهافت الغرب على استقباله والتقاط الصور معه أو رشّه بالعطر كما فعل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب خلال استقباله له في مكتبه بالبيت الأبيض في العاشر من شهر تشرين الثاني الفائت بعدما كان مستعدّاً لرشّه في ولايته الرئاسيّة السابقة بوابل من الصواريخ للقضاء عليه.
لم يتخلّص الرئيس السوريّ من ثياب الجولاني الخضراء العسكريّة عندما دخل إلى قصر الرئاسة في المهاجرين بالعاصمة السوريّة دمشق في كانون الثاني 2025، بل احتفظ بها في خزانته الخاصّة لاستعمالها عند الحاجة إليها، وكثرت البزّات الرسميّة وربطات العنق الجميلة، لكنّ هذه الأخيرة لم تلغِ أهميّة البزّة العسكريّة الخضراء التي عاد لارتدائها والظهور بها في فجر الثامن من كانون الأوّل 2025 في المسجد الأمويّ خطيباً وكاشفاً عن قطعة من ستار الكعبة هديّة من المملكة السعوديّة ووليّ عهدها الأمير محمّد بن سلمان للسوريّين.
قبل أن يتوجّه بالبزّة الخضراء أيضاً لاستعراض الجيش السوريّ الجديد في شوارع دمشق وسط شعارات ردّدها الجنود تبدأ من غزّة ولا تنتهي فيها، وفي السماء طائرات شراعيّة إحداها تحمل العلمَين السعوديّ واللبنانيّ.
أحمد الشرع هو الأكثر إثارة للجدل في عام 2025. جعل من هذا العام عام سوريا بامتياز لأنّه العام الذي تغيّر فيه شكل الصراع، وتبدّلت أدواته، وبدأت فيه ملامح جديدة بالتكوُّن
الرّجل الغامض
..”كان أصغر أبنائي وما كنت أسمح له بالتكلّم عند اجتماع الكبار، من أين أتى بكلّ هذه المعلومات؟ هل كان يدرس دون علمي؟!”. بتلك الكلمات علّق الدكتور حسين الشرع خبير الاقتصاد ووالد أحمد الشرع عندما استمع لابنه يلقي كلمة في أحد الاحتفالات بالعاصمة السوريّة في شهر تشرين الثاني الفائت.
ليس غموض أحمد الشرع حادثاً ظرفيّاً أو طبعاً مرحليّاً، وفي هذا الإطار يروي والده قصّة أخرى عنه فيقول: “عم ندردش أنا وهو في إدلب قبل أيّام من التحرير، فقال لي: “شو رأيك بحلب؟”. قلت له: “شو حلب؟ إن شاء الله بدكن تهاجموا حلب؟”. قال لي: “بجوز”، قلت له: “يا أخي حامضة عليكم هاي (صعبة)، لا تورّطوا أنفسكم، ابقوا مستورين في إدلب، أحسن ما يهجموا الروس والإيرانيّين والنظام، ونازلين فيكم دكّ يوميّاً وأخذوا منكم شرق الحسكة وريف حلب الغربيّ وريف إدلب الجنوبيّ”.
وتابع والد الشرع قائلاً: “قال لي (أحمد الشرع) نحن أيضاً أقوياء”. قلت له: شو يعني أقوياء؟ أنتم أقوى من “حماس”؟ فقال لي أقوى من “حماس”. قلت له: أنتم أقوى من “الحزب”؟ قال لي: “أقوى من “الحزب”. الساعة الرابعة فجراً استيقظت فاتّصلت بي ابنتي وقالت لي: “هجموا”، فسألتها: مين هجموا؟ لم تجِب. فتحت التلفزيون ورأيت كيف حرّروا ريف حلب الغربيّ…”.
العالم بحاجة إلى أحمد الشّرع
تمكّن أحمد الشرع في عام 2025 من أن يجعل نفسه حاجة للجميع، فتحوّل إلى عنوان لا يمكن تجاهله في أيّ مقاربة جدّية لمستقبل سوريا ومعها منطقة الشرق الأوسط.
حوّل أحمد الشرع نفسه ومعه سوريا إلى استثمار دوليّ وعربيّ بالأمن والاستقرار وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة والتنمية والاقتصاد. يجد الكلّ حاجته عند أحمد الشرع اقتصاديّاً وسياسيّاً وأمنيّاً، بدءاً بإسرائيل وصولاً إلى روسيا وبعدها الصين.
فرض منطق البراغماتيّة على الجميع، إذ كانت دول ترفض أيّ تواصل مع أحمد الشرع ورفاقه بدأت تتعامل مع الواقع كما هو لا كما تتمنّاه. إنّه الرئيس المؤقّت لسوريا حاليّاً فيما يعيش العالم حلولاً مؤقّتة للهروب من الحلول النهائيّة في غزّة حيث لا يخلو وقف إطلاق النار من النار، وفي لبنان حيث الكلام عن سحب السلاح من “الحزب” يقارب مصطلح التجميد، وصولاً إلى أوكرانيا ومنطق التنازلات وتبادل الأراضي.
إقرأ أيضاً: جوزف عون يُمسك بخيط الدولة الوطنية
أحمد الشرع هو الأكثر إثارة للجدل في عام 2025. جعل من هذا العام عام سوريا بامتياز لأنّه العام الذي تغيّر فيه شكل الصراع، وتبدّلت أدواته، وبدأت فيه ملامح جديدة بالتكوُّن. هو أيضاً عام أحمد الشرع لأنّه عنوان لواقع فرضته الحرب ومرآة لتحوّلات أعمق تعيشها سوريا والمنطقة وليس لأنّه بطل أو شيطان.
حقّق الشرع اختراقات على مساحة الكرة الأرضيّة من الولايات المتّحدة الأميركيّة فروسيا وصولاً إلى الصين والاتحاد الأوروبي مجتمعاً، فيما إسرائيل نتنياهو تسير عكس الهوى الدوليّ فتقفل الأبواب بوجه الشرع من الساحل السوريّ وملفّ العلويّين إلى الحسكة وملفّ الكرد و”قسد” والدروز دائماً. فهل تنجح الإدارة الأميركيّة في لجم المغامرات الإسرائيليّة في سوريا. تساؤل برسم عام 2026 وما يمكن أن يحمله.
قرّر هذا الرجل أن يبقى متأهباً على سلاحه في العام 2025 منح ورفاقه الحرية لسوريا من نظام لا يعرف غير قتل الشعب السوري وتشريده. وفي العام 2026 تعود المساعي الوطنية لدولة سوريا الواحدة الموحّدة.
لمتابعة الكاتب على X:
