عام 2026: أميركا تدير العالم “لا” إعادة ضياغته

مدة القراءة 5 د

مع اقتراب عام 2025 من نهايته، بدأت ملامح السياسة الأميركيّة للعام التالي تتبلور بوضوح. فإذا كان 2025 قد مثّل عام الاضطراب والتدخّل المباشر عبر ضربات عسكريّة عالية المخاطر ومحاولات احتواء تداعيات حروب مفتوحة، فإنّ 2026 يتّجه ليكون عام التثبيت والمؤسّساتيّة. لا تغيّر واشنطن وجهتها، بل تعيد تنظيم أدواتها، منتقلة من منطق الصدمة إلى منطق الترسيم، ومن إدارة الأزمات بالضغط العسكريّ إلى إدارتها عبر البنى والصفقات وتقاسم الأعباء.

 

 

لا يبدو الشرق الأوسط ساحة طموح أيديولوجيّ، بل مختبر عمليّ لتطبيق مقاربة براغماتيّة تقوم على قابليّة الإدارة للنزاعات. ليس الهدف إعادة هندسة المنطقة سياسيّاً، بل خفض مخاطر الانفجار، وتحويل الاستقرار إلى أصل اقتصاديّ وأمنيّ، وترجمة النفوذ الأميركيّ إلى تفاهمات قابلة للاستدامة بأقلّ كلفة ممكنة.

دعم ثابت لإسرائيل

سيبقى الدعم الأميركيّ لإسرائيل ثابتاً من حيث الجوهر، لكنّه سيكون أكثر واقعيّة وأقلّ عاطفيّة. ستواصل واشنطن تقديم الغطاء العسكريّ والاستخباريّ، خصوصاً في ما يتّصل بالردع في مواجهة إيران وحلفائها، لكنّها ستفضّل احتواء النزاعات بدل الانجرار إلى حروب طويلة تُربك سرديّة الإدارة الصانعة للصفقات لا المديرة للحروب. سيبقى الضغط على القيادة الإسرائيليّة بعيداً عن العلن، ويظهر غالباً عبر انتقاد التوقيت، لا عبر التشكّك في الالتزام.

إذا كان 2025 قد مثّل عام الاضطراب والتدخّل المباشر عبر ضربات عسكريّة عالية المخاطر ومحاولات احتواء تداعيات حروب مفتوحة، فإنّ 2026 يتّجه ليكون عام التثبيت والمؤسّساتيّة

أمّا الملفّ الفلسطينيّ فسيبقى حاضراً بحدوده الدنيا. سيكون التركيز على الاستقرار الإنسانيّ والأمنيّ، لا على مسارات الحلّ النهائي. ستُفوَّض أطراف إقليميّة بإدارة التفاصيل اليوميّة، فيما تكتفي واشنطن بدور الضامن. الفرضيّة الأساسيّة هي أنّ مسارات التطبيع العربيّ–الإسرائيليّ يمكن أن تتقدّم من دون حلّ شامل للقضيّة الفلسطينيّة، شرط منع الانفجارات الكبرى وضبط إيقاع التوتّر. لكنّ هذا الافتراض سيبقى موضع اختبار، خصوصاً مع تصاعد مطالب عربيّة بربط الاستقرار الاقتصاديّ بمسار سياسيّ موثوق.

في التعامل مع إيران، ستستمرّ سياسة “أقصى ضغط بأدنى حرب”. بعد التصعيد الذي شهده العام السابق، سيكون 2026 عام الخيارات الصعبة لطهران. ستُطبّق العقوبات بصرامة أكبر، وستتوسّع الأدوات السيبرانيّة والسرّيّة لإبطاء البرنامج النوويّ والنفوذ الإقليميّ، فيما ستُدار قنوات خلفيّة هدفها منع الانفجار لا الوصول إلى تسوية شاملة. تقوم المقاربة على الاحتواء المنسّق، لا على الانفجار ولا على الانفراج.

ستدخل العلاقة مع دول الخليج مرحلة أكثر صراحة في المقايضة. ستُربط الضمانات الأمنيّة بالاستثمار وبالدور السياسيّ والأمنيّ المباشر في إدارة أزمات المنطقة. لم تعُد ترى واشنطن في شركائها الخليجيّين مصدّري طاقة فقط، بل منصّات للذكاء الاصطناعيّ والمعادن الحرجة والطاقة الخضراء. من هنا يبرز التحوّل نحو ما يمكن تسميته “دبلوماسيّة الدولة المستثمِرة”، التي تُستبدَل فيها المساعدات التقليديّة بالشراكات التجاريّة والتكنولوجيّة، وتُمنح المظلّة الأمنيّة مقابل اندماج أعمق في منظومة المصالح الأميركيّة.

بدوره يتّجه التطبيع العربيّ–الإسرائيليّ إلى مرحلة أكثر بنيويّة. لم يعُد الهدف توقيع اتّفاقات رمزيّة، بل بناء شبكة مصالح أمنيّة واقتصاديّة وتكنولوجيّة تُقيّد سلوك الأطراف وتجعل العودة إلى الصدامات الواسعة أكثر كلفة. في هذا الإطار، يبرز المسار السعوديّ–الإسرائيليّ كجوهرة التاج في الحسابات الأميركيّة، لكنّه مسار مشروط ومعقّد. لم تعُد الرياض تكتفي بإشارات عامّة، بل تطالب بمسار فلسطينيّ موثوق، فيما تسعى واشنطن إلى ربط أيّ اتّفاق أوسع بترتيبات دفاعيّة وتكنولوجيّة تقلّص هامش الانفتاح السعوديّ على الصين في القطاعات الحسّاسة.

ستدخل العلاقة مع دول الخليج مرحلة أكثر صراحة في المقايضة. ستُربط الضمانات الأمنيّة بالاستثمار وبالدور السياسيّ والأمنيّ المباشر في إدارة أزمات المنطقة

استقرار بلا أوهام

في سوريا ولبنان ستسود سياسة استقرار بلا أوهام. لا إعادة إعمار واسعة في سوريا من دون أثمان سياسيّة واضحة، ولا اندفاع أميركيّاً لإنقاذ لبنان من أزمته البنيويّة. المقاربة هنا هي ضبط الخسائر ومنع الانزلاق إلى حرب إقليميّة، وليست محاولة إصلاح أنظمة تُعتبر كلفتها أعلى من مردودها.

لكنّ هذه السياسات الإقليميّة لا تنفصل عن الصورة العالميّة الأوسع لإدارة الرئيس دونالد ترامب في 2026. يُدار العالم من زاوية إعادة التموضع لا القيادة الشاملة. في أوروبا، يستمرّ الضغط على الحلفاء لتحمّل العبء الأكبر من أمنهم، مع ميل إلى تجميد الصراعات بدل حسمها. في آسيا، تُعطى الأولويّة للمواجهة التكنولوجيّة والاقتصاديّة مع الصين، عبر قيود على الاستثمار ونقل التكنولوجيا، واستخدام سلاسل التوريد سلاحاً جيوسياسيّاً.

إقرأ أيضاً: تركيا 2025: بصمات عام لم تُغلق ملفّاته

سيكون الاقتصاد أداة السياسة الخارجيّة الأولى. تُستخدَم التجارة، الرسوم الجمركيّة، الطاقة والتكنولوجيا المتقدّمة لإعادة رسم الاصطفافات، لا لتعزيز النظام الليبراليّ التقليديّ. حتّى ملفّ الذكاء الاصطناعي يُدار من زاوية السيادة والقوّة لا من زاوية الابتكار المفتوح أو التنافس المشروع.

في المحصّلة، تسعى الولايات المتّحدة في عام 2026 إلى أن تكون المهندس الذي يضع مخطّط الاستقرار لا المالك الذي يدفع كلفته الدائمة. لن يُقاس النجاح بعدد المبادرات ولا بحجم الخطابات، بل بمدى استعداد القوى الإقليميّة لتولّي إدارة مصالحهم ونزاعاتهم بأنفسهم. من يستطِع دفع ثمن الاستقرار والمساهمة في إنجاح الصفقات فسيجد واشنطن منفتحة عليه، ومن ينتظر إنقاذاً أو تحوّلاً تاريخيّاً فسيكتشف أنّ الإدارة الأميركيّة اختارت إدارة العالم… لا إعادة صياغته.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

محمد بن سلمان… “هندسة التوازن” في وجه جموح العدو و”الشقيق أيضاً”

“السلام ليس غياب الحرب، بل إدارة الصراع“ (ريموند آرون) كانت واحدة من اللحظات القليلة التي تجهّم فيها وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال المؤتمر الصحافي…

أحمد الشّرع.. الأكثر إثارة للجدل

قد تختلف الآراء عند المحلّلين والمختصّين في السياسة الدوليّة على الشخصيّة السياسيّة الأبرز في عام 2025. الاختلاف أمر طبيعيّ، فقد كان عاماً مليئاً بالأحداث والتحوّلات،…

“داعش”: التّظلّم والمرض والانشقاق بين حمص وأستراليا

تشهد السنوات الثلاث الأخيرة تصاعداً في العمليّات الإرهابيّة المنسوبة إلى تنظيمَي داعش والقاعدة أو أحد التنظيمات أو الجماعات المتفرّعة عنهما أو المنتسبة إليهما. وكانت عمليّات…

2026: أوروبا الخائفة على مستقبلها..

لم تدخل أوروبا عام 2026 بوصفه عاماً عاديّاً في روزنامة سياسيّة مألوفة، بل بما هو مرحلة فاصلة في تاريخها الحديث. فكما أحدث طوفان غزّة تحوّلاً…