2026: أوروبا الخائفة على مستقبلها..

مدة القراءة 6 د

لم تدخل أوروبا عام 2026 بوصفه عاماً عاديّاً في روزنامة سياسيّة مألوفة، بل بما هو مرحلة فاصلة في تاريخها الحديث. فكما أحدث طوفان غزّة تحوّلاً جذريّاً في الشرق الأوسط، فرضت الحرب الروسيّة–الأوكرانيّة على القارّة الأوروبيّة “طوفانها الخاصّ”، الذي أعاد رسم خرائط الأمن والسياسة والاقتصاد، وبدّد كثيراً من المسلّمات التي بُني عليها النظام الأوروبيّ بعد الحرب الباردة.

 

 

منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، بات واضحاً أنّ أوروبا لن تعود إلى ما كانت عليه قبلها. يتّفق معظم القادة العسكريّين الأوروبيّين على أنّ موسكو لن تتوقّف عند أوكرانيا إذا ما خضعت كييف أو تراجعت أوروبا عن دعمها. لكنّ هذا الإدراك العسكريّ لا يقابله إجماع سياسيّ حاسم، إذ لا يزال عدد كبير من السياسيّين الأوروبيّين يتعامل مع مصير الأمن القوميّ للقارّة وكأنّه تفصيل تفاوضيّ مرتبط بمناطق مثل دونيتسك والدونباس، لا بمستقبل الاتّحاد الأوروبيّ برمّته.

في ظلّ غياب أفق زمنيّ واضح لنهاية الحرب، تبدو القارّة العجوز أمام امتحان تاريخيّ: إمّا أن تخرج أكثر تماسكاً واستقلالاً، أو أن تدفع ثمن التسويات على حساب أمنها ووحدتها في السنوات المقبلة

مرحلة مربكة وصعبة

تدخل أوروبا العام الجديد وهي معلّقة بين الحرب والسلام، من دون أن تملك القرار الكامل في أيٍّ منهما، فهي لا تريد أن تبقى مكشوفة عسكريّاً أو سياسيّاً، لكنّها في الوقت نفسه عاجزة عن فرض نهاية للصراع أو رسم تسوية تضمن مصالحها الاستراتيجيّة. وتجد نفسها اليوم أمام أعباء يوميّة خانقة، من أزمات اقتصاديّة وتضخّم وركود إلى تصدّعات داخليّة عميقة واختبارات وجوديّة تهدّد تماسك الاتّحاد نفسه.

يدرك الأوروبيّون أنّهم مقبلون على مرحلة مربكة وصعبة، لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: مِمَّ تخاف أوروبا فعلاً؟

يتجلّى القلق الأوروبيّ في أربعة مسارات رئيسة:

  • الخوف من استمرار الحرب الروسيّة–الأوكرانيّة وما يعنيه من استنزاف اقتصاديّ وعسكريّ طويل الأمد.
  • الخوف من تسوية غير متوازنة تُفرَض على أوكرانيا وتقتطع من أراضيها من دون ضمانات أمنيّة حقيقيّة.
  • الخوف من معادلة المقايضة: القبول بالقضم الروسيّ للأراضي الأوكرانيّة مقابل الحفاظ على وحدة الاتّحاد الأوروبيّ وأمنه الداخليّ.
  • الخوف من صعود اليمين المتطرّف والقوميّات داخل القارّة، بما يهدّد وحدة القرار الأوروبيّ ويفتح الباب أمام مزيد من النفوذ الأميركيّ أو الروسيّ من داخل أوروبا نفسها.

تخشى أوروبا أن تنتهي الحرب بتسوية لا تخدم مصالحها ولا تحمي أوكرانيا، في وقت يتزايد نفوذ التيّارات الشعبويّة والقوميّة التي تتشكّك في الاتّحاد الأوروبيّ والدعم لأوكرانيا. ويتفاقم هذا القلق مع سياسات إدارة ترامب، التي يُنظر إليها أوروبيّاً على أنّها أكثر تساهلاً مع الطموحات الروسيّة وأقلّ التزاماً بالأمن الأوروبيّ الجماعيّ.

 

العودة إلى “لحظة دايتون”

وفق تقارير عسكريّة أوروبيّة، لا تقتصر الهواجس على أوكرانيا وحدها، بل تمتدّ إلى:

  • احتمال استهداف روسيا لدول البلطيق لاحقاً.
  • عودة التوتّرات القوميّة في البلقان وتهديد اتّفاق دايتون.
  • تآكل الدعم الأوروبيّ لأوكرانيا بفعل صعود اليمين.
  • ميل الإدارة الأميركيّة إلى دعم تيّارات أوروبيّة قوميّة معادية للاتّحاد وقريبة من موسكو.

يشعر الأوروبيّون وكأنّ الزمن عاد ثلاثين عاماً إلى الوراء، إلى لحظة توقيع اتّفاق دايتون عام 1995. حينها، حذّر الرئيس الفرنسيّ الراحل فرنسوا ميتران من القوميّة بوصفها الخطر الأكبر على استقرار أوروبا، معتبراً أنّها “حرب المستقبل” حتّى بعد انتهاء الحروب التقليديّة.

اليوم، في عام 2026، تخشى أوروبا تكرار السيناريو نفسه، لكن هذه المرّة في أوكرانيا. فكما شكّلت البوسنة نموذجاً هشّاً لدولة مقسّمة إثنيّاً وقوميّاً، يخشى الأوروبيّون أن تتحوّل أوكرانيا، ولا سيما مناطقها الشرقيّة، إلى خاصرة رخوة جديدة تُستثمر فيها النزعات القوميّة والطموحات الروسيّة.

لم تدخل أوروبا عام 2026 بوصفه عاماً عاديّاً في روزنامة سياسيّة مألوفة، بل بما هو مرحلة فاصلة في تاريخها الحديث

هشاشة ما بعد جدار برلين

اكتشفت أوروبا، بعد عقود من سقوط جدار برلين، أنّ فرضيّة “نهاية الحروب الكبرى” كانت وهماً. فقد بُني الاتّحاد الأوروبيّ الحديث على افتراض الاستقرار الدائم، فوجد نفسه اليوم أمام أزمات لم يختَرها، لكنّها تهدّد ركائزه البنيويّة: وحدة القرار، الصيغة المؤسّسيّة، القدرة العسكريّة والاستقلال الاقتصاديّ.

في 2026، يواجه الاتّحاد الأوروبيّ مزيجاً معقّداً من:

  • انقسامات داخليّة متزايدة.
  • ضعف في البنية الدفاعيّة.
  • أزمات اقتصاديّة مزمنة.
  • ضغوط خارجيّة تبدأ من الحرب الأوكرانيّة ولا تنتهي عند السياسات الأميركيّة الجديدة.

هل تغيِّر أوروبا قواعد اللعبة؟

تحاول أوروبا، في مواجهة هذا المشهد القاتم، تعزيز مرونتها وتقليص مخاطرها. تتّجه نحو تنويع شراكاتها، تسريع بناء قدراتها الاقتصاديّة والأمنيّة الذاتيّة، في ظلّ إدراك متزايد أنّ الولايات المتّحدة لم تعد راغبة في تحمّل أعباء العالم.

يتقدّم داخل الاتّحاد نقاش جدّيّ في “الاستقلال الذاتيّ الاستراتيجيّ”، أي القدرة على حماية المصالح الأوروبيّة من دون ارتهان كامل للمظلّة الأميركيّة. لكنّ هذا المسار يصطدم بتحدّيات ماليّة وعسكريّة وسياسيّة، وبشروط أميركيّة واضحة: على أوروبا أن تدفع أكثر للدفاع عن نفسها، وإلّا فلن تدفع واشنطن عنها.

 إقرأ أيضاً: ترامب.. ماذا فعلت بهذا العالم خلال عام؟

أوروبا بين ترامب وبوتين

فيما يلوّح بوتين بالقوّة ويترك الحرب مفتوحة، تتخوّف أوروبا من أن تقود مقاربة ترامب إلى “تسوية استسلاميّة” في أوكرانيا. وعلى الرغم من الحديث عن ضمانات أمنيّة، إعادة إعمار ومناطق منزوعة السلاح، يبقى القلق الأوروبيّ قائماً من أن تُفرض تسوية تُشرعِن المكاسب الروسيّة.

تحاول أوروبا أن تكون شريكاً فعليّاً في أيّ ترتيبات أمنيّة وسياسيّة واقتصاديّة مقبلة، لا منفّذاً لقرارات تُتّخذ في واشنطن أو موسكو. لكنّ السؤال الأصعب يبقى: هل أوروبا مستعدّة لتحمّل كلفة هذه الشراكة حتّى تقاسم السيادة من أجل حماية وحدتها ومستقبلها؟

في ظلّ غياب أفق زمنيّ واضح لنهاية الحرب، تبدو القارّة العجوز أمام امتحان تاريخيّ: إمّا أن تخرج أكثر تماسكاً واستقلالاً، أو أن تدفع ثمن التسويات على حساب أمنها ووحدتها في السنوات المقبلة.

مواضيع ذات صلة

جوزف عون يُمسك بخيط الدولة الوطنية

في الدول المستقرّة، تُفهم رئاسة الجمهوريّة بوصفها ذروة انتظام المؤسّسات، تعبيراً عن توازن السلطات وضمانةً رمزيّة لاستمراريّة الدولة. أمّا في لبنان فليست الرئاسة موقعاً دستورياً…

تركيا 2025: بصمات عام لم تُغلق ملفّاته

لم يكن عام 2025 في تركيا عاماً عابراً يمكن طيّ صفحته مع تساقط أوراق التقويم، بل شكّل حلقة في مسار سياسيّ واقتصاديّ وأمنيّ ما يزال…

ترامب.. ماذا فعلت بهذا العالم خلال عام؟

اكتشف العالم عام 2025 نسخة جديدة من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. لم تكن النسخة بعيدة عن تلك التي كانت إبّان ولايته الأولى، لكنّها بدت أكثر…

إيران: عام طويل من الانتكاسات

قد يكون من الصعب إجراء جردة حساب دقيقة لمسار التطوّرات التي شهدتها الساحة الإيرانيّة في عام 2025 من دون العودة إلى السياق الأوسع الذي سبق…