ترامب.. ماذا فعلت بهذا العالم خلال عام؟

مدة القراءة 5 د

اكتشف العالم عام 2025 نسخة جديدة من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. لم تكن النسخة بعيدة عن تلك التي كانت إبّان ولايته الأولى، لكنّها بدت أكثر نضجاً وخبرة وحزماً وثقةً مقارنة بعشوائيّة انتهجها الرجل في تجربته السابقة. والأرجح أنّ العالم لم يأخذ في الولاية الأولى ظاهرة ترامب القادم من خارج النادي السياسيّ التقليدي على محمل الجدّ، وتعامل معها كحالة طارئة على الحياة السياسيّة الأميركيّة، وحتى نادرة تجوز مقاربتها بالخفّة والتندّر.

 

تغيّر دونالد ترامب منذ بدء ولايته في كانون الثاني 2025. تغيّر العالم أيضاً في قراءة ذلك الحدث وما بعده. فأن تنتخب الولايات المتّحدة ترامب من جديد رئيساً بعد 4 سنوات من غياب اعتُبر نهائيّاً، وأن تعيده رئيساً على الرغم من مسلسل الضغوط القضائيّة ضدّه، فذلك حدث لم يحسن العالم، لا سيما الغربيّ، قراءته جيّداً. لكنّ الأفدح هو أنّ ترامب “الجديد” أجبر شرق الأرض وغربها خلال هذا العام على التموضع اليوميّ وفق مفاجآت غير محسوبة أو يتعذّر استشرافها تصدر عن صاحب البيت الأبيض.

رفاهيّة ارتكاب الأخطاء

بقي ترامب وفيّاً لعناوين رؤيته للعالم كما ظهرت علاماتها في الولاية الأولى. أظهر من جديد عدم ودّه للاتّحاد الأوروبيّ ونفوره من حلف الناتو ونزقه من حلفاء غربيّين “يستغلّون” بلاده ويعتاشون على حسابها. أظهر أيضاً استمرار احترامه لوجوه الخصومةِ مع الغرب، في مقدَّمهم الزعيم الروسيّ فلاديمير بوتين والزعيم الكوريّ الشماليّ كيم جون أون. لكنّ الأمر تجاوز هذه المرّة، غرباً وشرقاً، حدود الرأي والذائقة إلى بناء سياسات موجعة تنقل شعار “أميركا أوّلاً” من بعدٍ شعبويّ للاستهلاك الانتخابيّ، إلى مستوى حرب ضروس جعلت من الرسوم الجمركيّة أبرز أنيابها.

اكتشف العالم عام 2025 نسخة جديدة من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. لم تكن النسخة بعيدة عن تلك التي كانت إبّان ولايته الأولى، لكنّها بدت أكثر نضجاً وخبرة وحزماً وثقةً

امتلك ترامب رفاهيّة ارتكاب الأخطاء، وحتّى الخطايا والعودة عنها بكلّ رشاقة. ينهل ذلك الترف من تمتّعه بكونغرس مطواع يمتلك الحزب الجمهوريّ الذي يداري زعيمه أغلبيّة مرجِّحة داخله. تعلّم من ولايته الأولى دروساً دفعته لتشكيل إدارة من “الأوفياء” الذين يرتكز معيار تعيينهم على الإخلاص والطاعة. وما عدا قلّة، منهم وزير الخارجيّة ماركو روبيو، فإنّ غالبيّة وجوه الإدارة ليست من الهياكل التقليديّة لمؤسّسات الولايات المتّحدة. حتّى إنّ إدارة ترامب لملفّات العالم ونزاعاته تولّاها شخصيّاً من خلال دوائر العائلة والأصدقاء والمقرّبين. يكفي تفقّد لائحة رجالات ترامب وموضع ثقته في السياسة الخارجيّة لاستنتاج وجوه ليس أوّلها “الصهر” جاريد كوشنر وليس آخرها “الصديق” ستيف ويتكوف مروراً ببولس مسعد وتوم بارّاك وغيرهم.

بدا العالم لعبة يُقرَّر مصيرها على موائد الرئيس وفي نمائم على هامش مباريات غولف. حتّى إنّ الوثيقة الأمنيّة التقليديّة التي أصدرتها الإدارة الحاليّة جاءت مستخلصة “كومَةً” من المواقف والتصريحات والأفكار التي عبّر عنها ترامب على نحو عبثيّ أو بنيويّ لترسم ملامح ترامبيّة تعذّر قبل ذلك الركون إلى عناوين جدّية ونهائيّة ووازنة لها. تقوم الوثيقة على استعادة معدّلة لمبدأ “مونرو” في فهم أميركا لموقعها في العالم وما تشترطه لهذا العالم، وعلى عنوان “أميركا أوّلاً” المتخلّص من أيّ انعزاليّة، والواعد بحقّ التدخّل في الخارج ما دام ذلك مصلحة لذلك العنوان.

ما يزال العالم يراقب ويقاوم ويتموضع. يسعى ترامب، كما وعد تماماً، إلى إنهاء حرب أوكرانيا من خلال الاستجابة لشروط روسيا. ليس الأمر تحليلاً، بل حقيقة يمكن استنتاجها ممّا نقله مشرّعون في الكونغرس عن وزير الخارجيّة ماركو روبيو نفسه. تقاوم أوروبا بشقّ النفس مصيراً أوكرانيّاً يهدّد مصيرها. يسعى ترامب إلى إنهاء حرب غزّة باستخدام مواهبه الشخصيّة وما يتمكّن منه من ضغوط على رئيس الحكومة الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. وتبدو العواصم المعنيّة مجارية مواكبة تواكب تمارين ارتجال يَعِد ترامب بأنّه سيأتي من خلالها بالسلام النادر إلى الشرق الأوسط.

سينتهي العام الأوّل من ولاية دونالد ترامب بعد أسابيع من دون أن يهمل، لا سيما في الأيّام الأخيرة، ما سبق أن أظهره لجزيرة غرينلاند وكندا وبنما من طموحات

سوريا هي الأولويّة

أعاد ترامب سوريا إلى صدارة أهملتها واشنطن قبل ذلك. تدخل شخص الرئيس ومزاجه لإنهاء ملفّات معقّدة أزاحت عقوبات ثقيلة بهدف دعم استقرار البلاد وانتشالها من عتمته القديمة. لم يخفِ ترامب إعجابه بالرئيس أحمد الشرع ومشاركته أصدقاء يحبّهم، وفي مقدَّمهم وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان والرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان، لدعم التحوّل السوريّ وحماية نهائيّته.

سيكون صعباً الوثوق بسياق نهائيّ يمكن التسليم بأنّه صار نهجاً طويل الأمد للولايات المتّحدة. ولا شكّ أنّ الطابع الشخصيّ لقرارات الرئيس الأميركيّ تُغري احتمالات التسليم بأنّ ما يأتي به رئيس لاحق يجبّ ما أتى به رئيس سابق. ووفق ذلك الاحتمال يتعجّل بوتين، مثلاً، تسوية حرب أوكرانيا مع هذا الرئيس بالذات، وتسعى إيران، مثلاً آخر، بيأس إلى تأجيل حلّ نزاعها إلى ولاية رئيس مقبل. ينسحب الأمر على أوروبا وعلى الشرق الأوسط ومناطق أخرى في العالم الحائرة في فهم تلك الولايات المتّحدة وتقلّب ناخبيها.

الثابت في “ترامب الجديد” هو تركيزه على “خطر” الصين وإن بدأ يُظهر أعراض مرونة وتهيّب. سينتهي العام الأوّل من ولاية دونالد ترامب بعد أسابيع من دون أن يهمل، لا سيما في الأيّام الأخيرة، ما سبق أن أظهره لجزيرة غرينلاند وكندا وبنما من طموحات عزيزة على قلبه يراها متناً لأمن بلاده الاستراتيجيّ. فيما فنزويلا وزعيمها نيكولاس مادورو يعيشان أيّام هذا العام الأخيرة على وقع حرب معلنة مقبلة قد لا يكون منها مفرّ.

إقرأ أيضاً: “صومالي لاند”: نتنياهو يوسّع رقعة الابتزاز؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

جوزف عون يُمسك بخيط الدولة الوطنية

في الدول المستقرّة، تُفهم رئاسة الجمهوريّة بوصفها ذروة انتظام المؤسّسات، تعبيراً عن توازن السلطات وضمانةً رمزيّة لاستمراريّة الدولة. أمّا في لبنان فليست الرئاسة موقعاً دستورياً…

تركيا 2025: بصمات عام لم تُغلق ملفّاته

لم يكن عام 2025 في تركيا عاماً عابراً يمكن طيّ صفحته مع تساقط أوراق التقويم، بل شكّل حلقة في مسار سياسيّ واقتصاديّ وأمنيّ ما يزال…

إيران: عام طويل من الانتكاسات

قد يكون من الصعب إجراء جردة حساب دقيقة لمسار التطوّرات التي شهدتها الساحة الإيرانيّة في عام 2025 من دون العودة إلى السياق الأوسع الذي سبق…

“حماس” والمهمّة المستحيلة عام 2026

تجاوزت “حماس” عام 2025 بصعوبة بالغة مع فقدانها أبرز قياداتها في القطاع. لكنّ ما تنتظره في 2026 ليس أقلّ صعوبة، فخطّة ترامب التي أوقفت الإبادة…