في الدول المستقرّة، تُفهم رئاسة الجمهوريّة بوصفها ذروة انتظام المؤسّسات، تعبيراً عن توازن السلطات وضمانةً رمزيّة لاستمراريّة الدولة. أمّا في لبنان فليست الرئاسة موقعاً دستورياً في أعلى الهرم، بل امتحانٌ دائم لفكرة الدولة نفسها. هنا لا يُسأل الرئيس جوزف عون عمّا أنجزه فحسب، بل عمّا أنقذه وعمّا حال دون سقوطه.
في واقع لبنان المُعقّد، لا يمكن مقاربة رئاسة عون إلّا بوصفها رئاسة في زمن الانكشاف الكبير: انكشاف النظام، انكشاف المجتمع، وانكشاف الجغرافيا السياسيّة للمنطقة برمّتها. لبنان اليوم ليس بلداً مأزوماً فقط، بل كيان موضوع مجدّداً على طاولة الأسئلة الإقليميّة، في لحظة تاريخّية حرجة، يتقاطع فيها العدوان الإسرائيليّ المفتوح مع خطاب دوليّ ملتبس عن “إعادة رسم الشرق الأوسط”، وعن كون “بلاد الشام” وحدة جغرافيّة ـ سياسيّة قابلة لإعادة التفكيك والتركيب، لا سرديّات مُنتهية.
معنى الرّئاسة في بلد لم يكتمل بنيانه
أن تكون رئيساً للجمهوريّة في لبنان يعني أوّلاً أن ترث دولةً لم تُنجز بعدُ عقدها الاجتماعيّ، ولم تحسم علاقتها بذاتها ولا بمحيطها. لا يجلس الرئيس في لبنان على رأس دولة مكتملة، بل على رأس توازن هشّ، دائم التهديد، بين الطوائف، بين الخارج والداخل، وبين فكرة الدولة ومنطق الجماعات.
الدستور اللبنانيّ، حين يصف رئيس الجمهوريّة بأنه “رمز وحدة الوطن”، لا يمنحه صفةً شعريّةً، بل يحمّله عبئاً سياسيّاً ـ فلسفيّاً ثقيلاً: أن يكون الضامن لِما لا ضمانة له أصلاً. الوحدة الوطنيّة في لبنان ليست معطى، بل مشروع دائم التعثّر، يحتاج إلى رعاية مستمرّة، وإلى رئيس يفهم أنّ وظيفته الأولى ليست الحكم، بل المنع: منع الانهيار، منع الاحتراب ومنع التفكّك.
ليست وحدة الطوائف اللبنانيّة اليوم مسألة نظريّة. إنّها سؤال يوميّ يُطرَح على وقع الاعتداءات الإسرائيليّة جنوباً، وعلى وقع الخطاب الإقليميّ الذي يُعيد فتح دفاتر ما يعتبره “الكيانات الوظيفيّة” و”الخرائط المرنة”. حين يتحدّث دبلوماسيّ أميركيّ على مثال توم بارّاك عن “بلاد الشام” في سياقٍ سياسيّ مفتوح، فذلك لا يُقرأ بمعزل عن تاريخ طويل من مشاريع إعادة الصياغة التي غالباً ما تبدأ بالكلام ولو أن الوزير غسان سلامة دعاه لقراءة تاريخ المنطقة واتفاق “سايكس بيكو” قبل “الغوص” في المعادلات الجغرافية للمنطقة.
في هذا السياق، يكتسب تمسّك رئيس الجمهوريّة بوحدة الأراضي اللبنانيّة معنىً مضاعفاً. لا يتعلّق الأمر بالدفاع عن الحدود المعترَف بها دوليّاً فقط، بل بالدفاع عن فكرة كون لبنان وحدة سياسيّة نهائيّة لا مرحلة انتقاليّة في مسار إقليميّ أكبر. هنا تحديداً يظهر الفرق بين رئيس يُدير أزمة ورئيس يحرس كياناً.
يمارس جوزف عون رئاسته في أحد أخطر المنعطفات التي عرفها لبنان منذ تأسيسه. بين عدوان خارجيّ وانهيار داخليّ وخطاب إقليميّ
حارسٌ للمعنى… من الجغرافيا إلى الوجود
عليه، يمكن فهم أداء الرئيس جوزف عون بوصفه أداءً محافظاً على المعنى أكثر ممّا هو ساعٍ إلى السلطة. لم يقدّم نفسه، في خطاب القسم، “رئيس تغيير” بالمعنى الشعبويّ، ولا “رئيس مواجهة” بالمعنى الصداميّ، بل رئيس حارس للحدّ الأدنى الذي يسمح للبنان بالبقاء دولة.
هذا الخيار، الذي قد يبدو للبعض باهتاً أو بارداً، هو في الواقع خيار سياسيّ عميق: فحين تكون الدولة مهدّدة في أصلها، يصبح الحفاظ على الإطار أولويّة تتقدّم على الإصلاح الداخليّ. لا معنى للإصلاح في كيانٍ متشظٍّ، ولا قيمة للسياسات العامّة، وهي مطلوبة وضروريّة، إذا كانت الأرض نفسها موضع سؤال.
حين يشدّد الرئيس عون، في لقاءاته وخطاباته وتصريحاته، على وحدة الأراضي اللبنانيّة وسلامتها، لا يستعيد قاموساً تقليديّاً، بل يخاطب لحظة تاريخيّة دقيقة. ذلك أنّ العدوان الإسرائيليّ المستمرّ، جنوباً وبأشكالٍ متعدّدةٍ، لا يُقرأ فقط أنّه خطر عسكريّ وخرق أمنيّ، بل جزء من استراتيجية أوسع لاختبار حدود الكيانات الضعيفة.
أحد أكثر الجوانب دلالةً في أداء جوزف عون هو لغته: لا إفراط في الخطابة، لا انزلاق إلى الشعبويّة ولا استثمار في التهويل. ليست هذه اللغة المتحفّظة فراغاً بل استراتيجية. تعكس وعياً لكون أيّ انفعال زائد، في بلد منقسم، قد يتحوّل إلى شرارة.
في علم السياسة، تُعدّ القدرة على ضبط الخطاب شكلاً من أشكال السلطة. الرئيس، هنا، يستخدم الصمت بقدر ما يستخدم الكلام، ويُدرك أنّ الرئاسة، في لحظات الخطر، لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرته على تثبيت الإيقاع العامّ.
يمكن فهم أداء الرئيس جوزف عون بوصفه أداءً محافظاً على المعنى أكثر ممّا هو ساعٍ إلى السلطة
“التّرويكا”… من لعنة الوصاية إلى ضرورة الدّولة
في الأنظمة الديمقراطيّة لا تُقاس الشرعيّة فقط بالنصوص، بل بالقدرة على حماية الدولة الواحدة عند الخطر. التنسيق بين الرئاسات الثلاث، في هذه المرحلة، ليس انقلاباً على الدستور، بل استخدامٌ ذكيّ لهامشه بهدف منع الفراغ، تفادي التفكّك وضبط الإيقاع الوطنيّ في مواجهة أخطار لا تعترف بتوازنات الداخل.
ثلاثيّ الرئاسات لم يُحوّل هذا التنسيق إلى بديل عن المؤسّسات، بل إلى آليّة مؤقّتة لإبقائها فاعلة. بذلك يُعيد تعريف “الترويكا” من كونها أداة وصاية إلى كونها ضرورة الدولة في الظروف الحاليّة.
ما تزال كلمة “الترويكا” تُثير في الذاكرة اللبنانيّة نفوراً مشروعاً. ارتبطت تاريخيّاً بمرحلة كانت فيها الدولة اللبنانيّة فاقدة لقرارها، خاضعة لنظام وصاية سوريّ أسديّ الهويّة والهوى، تُدار من خارج مؤسّساتها، وتُفرَّغ فيها الرئاسة والحكومة والبرلمان من معناها الدستوريّ لأجل تفاهم ثلاثيّ مفروض من فوق.
لم تكن “ترويكا” عهد الرئيس الراحل إلياس الهراوي صيغة تنسيق، بل أداة هيمنة. لم تنشأ استجابة لحاجة داخليّة، بل لضرورات نظام إقليميّ قاده الرئيس الراحل حافظ الأسد وكان فيه لبنان ساحة مُلحقة لا دولة ذات سيادة أهم ما فيها أن خلافات الترويكا في حينها هي كثيرة تفرض أ يكون الحكم في انتظارهم أي الأسد الأب نفسه. وبهذا المخطط تنتعش الوصاية وتزداد القدرة.
والحال هذه، يمكن توصيف “الترويكا” الحاليّة بوصفها “ضرورة سياسيّة”، أي أنّها ليست خياراً مريحاً ولا عرفاً دائماً، بل استجابة اضطراريّة لظرف استثنائيّ. إنّها محاولة لتحقيق الحدّ الأدنى من التناغم المؤسّسيّ في لحظة يصبح فيها التنافر خطراً وجوديّاً.
الرئيس سلام يمسك “بالكتاب” ويتقدّم إلى الأمام الرئيس بري يعمل دون كلل أو ملل لحفظ صورة طائفته في عمق الدولة اللبنانية. الرئيس عون يمسك بخيط التوازن الوطني، ملتزماً بقرار حصرية السلاح.
الفارق الجوهريّ أنّ “الترويكا” في عهد جوزف عون لا تلغي المؤسّسات، بل تحاول أن تُبقيها على قيد الحياة. ليست بديلاً عن مجلس الوزراء ولا عن البرلمان ولا عن الدستور، بل هي شبكة أمان تمنع تفكّك القرار الوطنيّ في زمن تتعدّد فيه مراكز القوّة والضغط. في الفلسفة السياسيّة، يُسمّى هذا النوع من الترتيبات “استثناء الدولة لحماية الدولة”، أي استخدام آليّات غير مثاليّة، مؤقّتة، لمنع سقوط الإطار العامّ. لا يكمن الخطر في الاستثناء بحدّ ذاته، بل في تحوّله إلى قاعدة.
تكشف المقارنة بين “الترويكتين” الفارق الجوهريّ في مفهوم السيادة. كانت “ترويكا” الهراوي تعمل في ظلّ سيادة منقوصة، بل مُصادَرة. أمّا ترويكا عون فتعمل في محاولة لحماية ما بقي من السيادة، في مواجهة ضغوط خارجيّة لا تخفي رغبتها في إعادة تشكيل المنطقة. هذا الفارق هو ما يجعل من “الترويكا” الحاليّة، مع حساسيّتها، أداة دفاع لا أداة إخضاع.
يكشف ملفّ العلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة، وخصوصاً قضيّة الموقوفين السوريّين في السجون اللبنانيّة، عن أحد أكثر الامتحانات تعقيداً التي تواجه لبنان
سوريا ـ لبنان.. بين العدالة والضّغط
يكشف ملفّ العلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة، وخصوصاً قضيّة الموقوفين السوريّين في السجون اللبنانيّة، عن أحد أكثر الامتحانات تعقيداً التي تواجه لبنان: امتحان السيادة تحت الضغط. لا تتعلّق المسألة، في جوهرها، بملفّ قضائيّ أو إنسانيّ فقط، بل بموقع الدولة بين منطق القانون ومنطق الضغط السياسيّ، وبين استقلال القرار وحسابات الواقع الإقليميّ.
في هذا السياق، لم يسلك عون وهو يتعامل مع ضغط سوريّ مباشر، مدعوم بغطاء إقليميّ ودوليّ واضح (واشنطن، الرياض، الدوحة، وباريس) ولا طريق القطيعة العقيمة، بل اختار مساراً ثالثاً: إدارة التناقض بدل إنكاره.
ما يلفت في مقاربة عون لهذا الملفّ هو إدراكه أنّ الدولة في لبنان لا تملك ترف المثاليّة القانونيّة الكاملة، لكنّها أيضاً لا تستطيع تحمّل كلفة كسر بنيتها القضائيّة تحت عنوان “التسوية السياسيّة”. هنا لم تتبدَّ الرئاسة سلطةً تنفيذيّة، بل وسيط سياديّ بين منطقين متصادمين: منطق العدالة ومنطق الضرورة السياسيّة. حين يؤكّد عون استعداده لتحمّل المسؤوليّة السياسيّة عن أيّ قرار يُتّخذ، لا يسعى إلى تجاوز القضاء، بل إلى حماية القضاء من أن يُستَخدم كبش فداء في لعبة إقليميّة أكبر من طاقته.
السّيادة ليست شعاراً بل عمليّة تفاوض مؤلمة
تكشف تفاصيل الموقف السوريّ، وخصوصاً توصيف بعض الموقوفين بأنّهم “رفاق سلاح” أو “معتقلون سياسيّون”، عن فجوة عميقة في تعريف الجريمة، الشرعيّة والعدالة بين الدولتين. هنا لا يواجه لبنان دولة فقط، بل سرديّة سياسيّة كاملة تريد إعادة كتابة الوقائع بأثر رجعيّ.
هكذا ذهب الرئيس عون إلى الدفاع عن السيادة الإجرائيّة لا السيادة الخطابيّة. يدرك أنّ لبنان، في وضعه الحاليّ، غير قادر على فرض تعريفه الخاصّ للعدالة على سوريا، لكنّه في الوقت نفسه يرفض أن تتحوّل الدولة اللبنانيّة إلى ممرّ إداريّ لإلغاء أحكام قضائيّة صدرت باسمها.
ليست الرئاسة هنا سلطة، بل مسؤوليّة ثقيلة. ليست “الترويكا” حنيناً إلى ماضٍ مظلم، بل محاولة لإضاءة شمعة في عتمة كثيفة
والحال هذه، تُجسِّد مقاربة عون لملفّ الموقوفين السوريّين نوعاً من الواقعيّة: لا ادّعاء للبطولة، لا تخلّيَ عن المبادئ، بل إدارة شاقّة للتناقضات. لا ينكر الرئيس اختلال ميزان القوى، لكنّه يرفض أن يتحوّل هذا الاختلال إلى إلغاءٍ لمؤسّسات في لبنان.
هكذا لا يظهر جوزف عون رئيساً يربح المعارك، بل رئيس يمنع الهزيمة الكاملة. في بلد مثل لبنان، قد يكون هذا، في ذاته، أعلى أشكال الإنجاز السياسيّ.
الدّستور أوّل وآخر خطوط الدّفاع
في العمق، يمكن قراءة رئاسة جوزف عون بوصفها رئاسة “الحدّ الأدنى الضروريّ”. لا وعود كبرى ولا مشاريع طوباويّة، بل تمسّك عنيد بما يسمح للبنان بأن يبقى لبنانَ. هذه ليست رئاسة ضعف، بل رئاسة وعي لحدود الممكن في زمن اللاممكن. في بلدٍ اعتاد القفز فوق الوقائع، يأتي هذا النوع من الرئاسة ليقول إنّ البقاء نفسه إنجاز، وإنّ حماية الإطار شرط لأيّ تغيير لاحق.
في لحظة تاريخيّة تُعاد فيها “صياغة الشرق الأوسط”، ويُختبر فيها معنى الدولة الوطنيّة، يبدو الدستور مع رئاسة الجمهوريّة في لبنان آخر خطّ دفاع عن فكرة الكيان. جوزف عون، في أدائه وخياراته، لا يدّعي امتلاك الحلول، لكنّه يُمسك بالمفتاح الأهمّ: منع السقوط الحرّ.
إقرأ أيضاً: نواف سلام… السيادة حين تصبح فعلاً سياسياً
ليست الرئاسة هنا سلطة، بل مسؤوليّة ثقيلة. ليست “الترويكا” حنيناً إلى ماضٍ مظلم، بل محاولة لإضاءة شمعة في عتمة كثيفة. بين هذا وذاك، يقف لبنان على الحافة، محتاجاً إلى رئيس يفهم أنّ المعنى، أحياناً، أهمّ من الإنجاز، وأنّ حماية الدولة في زمن التفكّك هي أسمى أشكال السياسة.
عمليّاً، يمارس جوزف عون رئاسته في أحد أخطر المنعطفات التي عرفها لبنان منذ تأسيسه. بين عدوان خارجيّ وانهيار داخليّ وخطاب إقليميّ يعيد فتح دفاتر الجغرافيا لا يكون رئيس الجمهوريّة لاعباً، بل حارساً. إذا كان لبنان اليوم بحاجة إلى شيء قبل أيّ إصلاح أو إنقاذ اقتصاديّ، فهو بحاجة إلى ضمانة وحدة أرضه وشعبه. في هذا المعنى، يمكن القول إنّ جوزف عون يُمسك بالخيط الأهمّ: خيط التوازن الوطني الذي يحمي الدولة.
لمتابعة الكاتب على X:
