الأردن: الهويّة لا تُصنع في اختبارات الاحتلال

مدة القراءة 6 د

لم يكن تصريح إيلي كوهين رأياً عابراً وحسب، ولا جملة تُقال في حمى الإعلام الإسرائيليّ الذي اعتاد اختبار ردود الفعل ثمّ التبرّؤ ممّا قاله. كان التصريح أشبه بحجر يُلقى في ماء ساكن، لكنّه لا يكتفي بصنع دوائر صغيرة، بل يكشف عمقاً ظلّ خفيّاً، ويوقظ شقوقاً في الجدار لا يريد الأردن، ولا المنطقة، أن تراها تتّسع.

حين يقول وزير سابق في حكومة الاحتلال إنّ “الأردن هو الدولة الفلسطينيّة”، فإنّه لا يصف واقعاً، بل يحاول أن يخلق واحداً. هذا الفارق هو جوهر التهديد: تحويل الواقعيّ إلى متخيّل، ثمّ إعادة صبّه في قالب السياسة ليبدو كذلك.

 

يتحدّث كوهين بثقة مراهقة سياسيّة تستمدّ جرأتها من اللحظة الإقليميّة أكثر ممّا تستمدّها من منطق، كأنّ الحرب في غزّة فتحت له نافذة كي يطلّ منها على خريطة المنطقة ويعيد ترتيب حدودها بقلم خفيف لا يعرف وزن الدم ولا صدأ الذاكرة. لكنّ ما يجعل تصريحاً كهذا خطِراً، ليس فقط جرأته، بل إنّه يأتي في زمن أقرب ما يكون إلى هشاشة العواصف، زمن تتداخل فيه الكوارث بحيث يصبح أيّ كلام يرتطم بجدار دولة مستقرّة كالأردن قابلاً للتسييس، وقابلاً لأن يُستثمر بطرق لا تخطر على بال قائله.

الخطر الحقيقيّ على الداخل الأردنيّ أنّ مثل هذه التصريحات تستفزّ الذاكرة الجمعيّة، وتعيد تحريك أسئلة الهويّة التي ظنّ الأردنيّون أنّهم تجاوزوها منذ زمن، أو صقلوها بما يكفي لتصبح أقوى من أن تهتزّ بكلام مسؤول يمينيّ. في تصريح كهذا محاولة خبيثة لإيقاظ ما تراكم من الشكوك عبر عقود، ومحاولة لمحاصرة الهويّة الوطنيّة بين مقصلَين: ضغط الخارج الذي يريد فرض سرديّاته، وغبار الداخل الذي قد يتناثر عند اهتزاز بسيط إذا لم تُحسن الدولة احتواء اللحظة.

يعرف الأردن أنّ مثل هذه التصريحات تُطلَق لاختبار ردود الفعل، وأنّ صمت الدول، أو ارتباكها، قد يُفسَّر بأنّه قبول ضمنيّ

ضرب التّوازن وسيلة لإضعاف الأردن

الأردن، الذي لم يكن يوماً دولة على هامش الصراع وحسب، يعرف أنّ أعداءه، أو خصومه، يفهمون جيّداً أنّ ضرب التوازن الديمغرافيّ ليس غاية، بل وسيلة لإضعاف الفكرة الوطنيّة في عمقها. هذه هي اللعبة القديمة التي تُعاد اليوم بثوب جديد: تحويل الأردن من دولة ذات سيادة إلى نتائج تعداد سكّان، ومن كيان سياسيّ مستقرّ إلى “أغلبيّة وأقليّة” تُستحضر لتبرير أطماع جغرافيّة وتصفية حقّ الفلسطينيّين في دولتهم.

ليس التصريح منفصلاً عن سياق إسرائيليّ واسع يرفض قيام دولة فلسطينيّة بشكل مطلق، لكنّه يذهب أبعد: إنّه يحاول نفي الدولة الفلسطينيّة عبر تثبيت كيان آخر بديل عنها، وكأنّ الهويّة تُنقل من أرض إلى أخرى مثل ملفّات تُرفع من خزانة وتوضع في أخرى. في مثل هذا الخطاب يكمن خطر مزدوج: إنّه يسعى لتهشيم فلسطين والأردن معاً، عبر تحويل أحدهما إلى بديل للآخر، في حين أنّ كليهما راسخان في التاريخ والجغرافيا بقدرٍ لا يفهمه الوزير الذي يتحدّث من داخل عقل يمينيّ يعيش على أطلال أساطير مؤجّلة.

إنّ الدولة الأردنيّة، التي خبِرت هذا النوع من التهديدات منذ تأسيسها، تدرك أنّ الردّ لا يكون بردّ فعل غاضب، بل بفعل هادئ يرسّخ ما يريد الخطاب الإسرائيليّ تفكيكه: الثقة بالهويّة الوطنيّة. المجتمع الأردنيّ حين يشعر أنّه مستهدَف في جوهره، يلتفّ حول دولته لا عنها، ويجدّد صلابته ولا ينكسر.

الأردن

لكنّ ذلك لا يمنع أنّ اللحظة حسّاسة، وأنّ على الدولة واجباً مزدوجاً: أن تخاطب الخارج بلغة القانون والسياسة، وأن تخاطب الداخل بلغة الطمأنينة العميقة التي تذكّر بأنّ الأردن لم يكن يوماً دولة تبحث عن شرعيّتها في الخارج، بل يجدها في شعبه الذي بنى الدولة كما بنت الدولة مواطنيها.

سيظلّ الأردن ذلك الكيان الذي يعرف أنّ الأوطان لا تُقاس بالديمغرافيا، وأنّ الهويّة لا تُصنع في مختبرات الاحتلال

يعرف الأردن أنّ مثل هذه التصريحات تُطلَق لاختبار ردود الفعل، وأنّ صمت الدول، أو ارتباكها، قد يُفسَّر بأنّه قبول ضمنيّ. لذلك يأتي الردّ الدبلوماسيّ الأردنيّ حاسماً، لا لأنّه غاضب، بل لأنّه يعرف وزن الكلمة، ويعرف أنّ العالم قد ينسى، لكنّ التاريخ لا يفعل. الردّ الأردنيّ حين يكون واضحاً يقطع الطريق على أيّ محاولة لتحويل الفكرة إلى مشروع، أو تحويل التصريح إلى نقاش، أو تحويل النقاش إلى مسار سياسيّ مفروض بالقوّة.

لكنّ التحرّك الخارجيّ وحده لا يكفي. تراهن إسرائيل دائماً على الثغرات الداخليّة لدى خصومها أكثر ممّا تراهن على قوّتها الذاتيّة. ما تحتاج إليه الدولة الأردنيّة في مثل هذه اللحظة هو إعادة تثبيت السرديّة الوطنيّة الجامعة بطريقة تُسكت الضجيج قبل أن يصبح صوتاً، وتمنع الشرخ قبل أن يصبح جرحاً.

تحتاج هذه اللحظة إلى خطاب يُعيد التأكيد أنّ المجتمع الأردنيّ ليس خطوطاً متوازية، بل نسيج واحد تشكّل عبر الدم والعرق والذاكرة المشتركة، وأنّ الفلسطيني في الأردن ليس رقماً في تعداد الديمغرافيا، بل جزء من معادلة الهويّة التي قاومت الاحتلال بقدر ما قاومت مشاريع الوطن البديل.

صلابة اليقين

من هنا لا تكون قوّة الردّ الأردنيّ في ارتفاع نبرة الصوت، بل في صلابة اليقين. الدولة التي تعرف نفسها لا يُربكها كلام وزير سابق، والدولة التي تحمي حدودها بالجيش تحمي داخلها بالوعي، والدولة التي تقف في وجه الأطماع تعرف أنّها ليست مطالَبة بأن تُقنع إسرائيل بأنّها دولة، بل أن تُذكّر العالم بأنّ إسرائيل نفسها هي التي تُصرّ على إعادة فتح ملفّات ظنّ البعض أنّ الزمن طواها.

ليس التصريح منفصلاً عن سياق إسرائيليّ واسع يرفض قيام دولة فلسطينيّة بشكل مطلق، لكنّه يذهب أبعد

ليس التحدّي اليوم في مواجهة تصريح، بل في حماية سرديّة دولة. في لحظة إقليميّة مضطربة كهذه، يصبح الأردن أشبه بميزان حسّاس في غرفة ممتلئة بالضوضاء. يكفي أن يتحرّك صوت من جهة الاحتلال حتّى يختلّ توازن القلق. لكنّ الأردن يعرف كيف يطفئ هذا النوع من الضجيج: بالثبات، بثبات الدولة التي ترفض أن تكون جزءاً من حلول الآخرين على حساب وجودها، وبثبات الرؤية التي ترى فلسطين في أرضها والأردن في أرضه، وترى أنّ ما يجمعهما مصير، لا بديل.

إقرأ أيضاً: الأردن يواجه “إسرائيل الكبرى”: إسقاط فلسطين يُسقط عمّان

ليس تصريح كوهين، على وقاحته، إلّا اختباراً جديداً لصلابة الدولة الأردنيّة، والاختبارات التي لا تكسر الدولة تقوّيها. في النهاية، سيظلّ الأردن ذلك الكيان الذي يعرف أنّ الأوطان لا تُقاس بالديمغرافيا، وأنّ الهويّة لا تُصنع في مختبرات الاحتلال، وأنّ الشعوب التي عبرت الزمن معاً لا يفرّقها تصريح… مهما علا صوته، ومهما كان قائله يظنّ أنّه يرسم مستقبلاً لا يملك حقّ رسمه.

 

*كاتب وصحافي أردني

مواضيع ذات صلة

من البيجرز إلى مادورو: لماذا يرتجف المرشد؟

استيقظت طهران صباح السبت لتكتشف أنّ إمبراطوريّة “العمق الاستراتيجيّ” التي بناها الحرس الثوريّ عبر خمس مناطق زمنيّة، من المقرّات الخاصّة في بيروت إلى القصر الرئاسيّ…

“غزوة كراكاس”: عالم بلا خطوط حمر؟

في عتمة الليل فوق كراكاس، تسلّلت وحدات كوماندوس أميركيّة نخبويّة إلى قصر الرئيس الفنزويلّيّ لتخرج بعد ساعات بالغنيمة القصوى: نيكولاس مادورو، الرجل القويّ في فنزويلّا…

تقسيم المقسَّم من السّودان إلى اليمن

يدخل العالم العربيّ من المحيط الأطلسيّ إلى الخليج العربيّ مرحلة جديدة من مراحل عمليّة “تقسيم المقسَّم وتجزئة المُجزَّأ”. هناك ثلاث دول عربيّة تخضع في الوقت…

تفكيك اليمن… مقامرة انتحاريّة؟

وسط انهيار التوازنات في الإقليم وتسارع مشاريع التفكيك، لم يعد العبث بوحدة الدول احتمالاً نظريّاً أو ورقة ضغط تفاوضيّة، بل بات فعلاً سياسيّاً مكتمل الأركان….