تطبيع ينسف السّلام المنشود

مدة القراءة 5 د

للتطبيع فصول عدّة في كتاب واحد. فصلٌ أوّل غايته إنهاء النزاع العسكريّ، أي حالة الحرب. هذا ما حصل بين مصر وإسرائيل في 1979، وبين الأردن وإسرائيل في 1994. فصل آخر هدفه وضع حدّ للنزاع السياسيّ، مثل ما حصل بين إسرائيل وكلّ من الإمارات العربيّة المتّحدة والبحرين والمغرب. فصلٌ ثالث عنوانه علاقات ثنائيّة طبيعيّة ومضمونه مشاريع اقتصاديّة مشتركة برعاية الدولة. أمّا الفصول الأخرى فمنفصلة عمّا سبق، ومرتبطة بمواقف الناس من الأمر الواقع.

 

رفضت المجتمعات العربيّة، على تنوّع انتماءاتها، التطبيع لجهة الانفتاح والترحيب بالوافدين من إسرائيل. هذا ما حصل في مصر والأردن وفي دول أخرى. في مصر لم يسلم الزوّار الجدد من الاعتداء غير مرّة. في المقابل، اعتبر الإسرائيليّون أنّ التطبيع سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء فيحلّ الوئام بدل النفور.

جاء رفض الشعوب العربيّة للتطبيع بدوافع مختلفة، لا سيما أنّ الرفض قد يكون أقلّ كلفة وصعوبة من معارضة الأنظمة الحاكمة. بدت الهوّة واسعة بين السلطة والمجتمع في التعاطي مع التطبيع، وأحياناً أكثر عمقاً من مسائل خلافيّة أخرى. تجربة مصر بالغة الدلالة. لم يبدّل وصول “الإخوان المسلمين” إلى الحكم في المشهد السياسيّ تجاه إسرائيل. جاء التزام الرئيس محمد مرسي باتّفاق كامب ديفيد كاملاً، على الرغم من أنّ “الإخوان” أبرز المعارضين، وأخذوا مداهم في الشؤون الداخليّة. بكلام آخر، لم يغيّر موقف السلطة في اتّجاهات الموالين والمعارضين إزاء إسرائيل.

خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، قبل حرب غزّة وانكشاف آلة القتل الإسرائيليّة وتوسّع العزلة الدوليّة، كان التطبيع ممكناً والصفقات الاقتصاديّة متاحة والعالم العربي أقلّ تماسكاً وحزماً. أمّا اليوم فالمصالح العربيّة على المحكّ والتطبيع بات حاجة أميركيّة وإسرائيليّة أكثر ممّا هو حاجة عربيّة، خصوصاً في دول الخليج حيث المصالح الأميركيّة وازنة.

على جدول الأعمال أيضاً سوريا ولبنان، والمطروح ترتيبات أمنيّة تقف عند حدود التطبيع

حلفاء أميركا في العالم العربيّ معرّضون للاستهداف، حتى الأكثر واقعيّة منهم تجاه إسرائيل، مثلما هي حال قطر، استهدفتها إسرائيل كما أيّ دولة معادية. ماذا ينفع العرب لو أعطوا إسرائيل مرادها بلا مقابل، والنزاع متواصل في فلسطين والاستهداف لا رادع له، وإيران حاضرة لاستغلال الثغرات لمصلحتها؟

ترامب يبحث عن إنجاز

في العهد الرئاسيّ الثاني، بات ترامب بحاجة إلى الإنجاز وتسجيل النقاط بأيّ وسيلة في ولايته التي لا تتجاوز سنوات أربع. إلّا أنّه واجه موقفاً عربيّاً مؤيّداً للإصرار السعودي على حلّ الدولتين ورافضاً للتهجير الجماعيّ من غزّة، وتحديداً من مصر والأردن، اللتين تجمعهما المصيبة المتمثّلة في بنيامين نتنياهو وأعوانه دعاة الإبادة والعنصريّة. “وحدة ساحات” من نوع آخر نشأت بوجه ترامب، فاضطرّ إلى أن يتراجع ويسير بطروحات أكثر اتّزاناً.

التطبيع

إلّا أنّ الرئيس الأميركيّ لن يكتفي باتّفاق وقف العمليّات العسكريّة في غزّة، بل يسعى إلى سلام في شرق أوسط جديد، ينقصه الالتزام وتغيب عنه القدرات. انطلق مشروع التغيير الأميركيّ الشامل بدايةً مع اجتياح العراق في 2003، وسرعان ما سقط، إلى أن جرفه الطوفان الأخير. السلام بلا مقابل غير ممكن، والشرق الأوسط الجديد بلا دولة فلسطينية غير متاح.

أمّا الاتّفاقات الإبراهيميّة فهي لازمة ثابتة تستحضرها إسرائيل للقضاء على حلّ الدولتين ويرفعها ترامب شعاراً ملائماً، وصولاً إلى حدّ ضمّ كازاخستان إلى الإنجازات المفترضة. تجدر الإشارة إلى أنّه في حال أخذ التطبيع مداه فقد يجلب طلباً إسرائيليّاً جديداً: التعويض لليهود الذين تركوا بلدانهم في العالم العربيّ وجاؤوا إلى إسرائيل أو سواها. حتّى إيران لا تمانع التطبيع بمعنى إيجاد تسوية مع أميركا، وهذا غير متاح ما دامت على تمسّكها بالمشروع النوويّ.

يبقى التطبيع شعاراً ما دام يفتقر إلى بيئة حاضنة ومضمون مقبول

ترتيبات أمنيّة مع سوريا ولبنان

على جدول الأعمال أيضاً سوريا ولبنان، والمطروح ترتيبات أمنيّة تقف عند حدود التطبيع. يحاول الحكم الجديد في سوريا إيجاد نقطة ارتكاز ثابتة بعد نصف قرن من الحكم السابق. في لبنان تحاول الدولة استعادة دورها بعد أكثر من نصف قرن من حروب أخذت مداها ولم تعُد تفي بالغرض المطلوب.

وظيفة التطبيع في مفهوم إسرائيل هو القضاء على السلام العادل. لكن لا مصلحة لأميركا بتطبيع تريده إسرائيل على قياسها ويرفضه العرب. تعامل العرب المعنيّون باتّزان مع التطوّرات الأخيرة بعدم قطع العلاقات الدبلوماسيّة أو تعليقها مع إسرائيل، وكان الردّ الاسرائيليّ الاعتداء على قطر، راعية التسوية بدعم من أميركا والعرب.

إقرأ أيضاً: لبنان في الاتّجاه العربيّ المعاكس

يبقى التطبيع شعاراً ما دام يفتقر إلى بيئة حاضنة ومضمون مقبول. وظائف تطبيع المرحلة الراهنة وصفة لنسف السلام المنشود. لكنّ ما قد ينتج التطبيعَ ظروفٌ مؤاتية للسير باتّجاه تسوية عادلة، لا تأتي بأدوات الفرض أو وفقاً لموازين القوى العسكريّة. أما الإفراط في الكلام والوعود فبات بلا مردود.

 

*أستاذ جامعي وسفير سابق

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…